كان الجمهور يتابع البرنامج بتركيزٍ تام ، وكان المذيع يطرحُ السؤالَ ذاته الذي تاق الكثير من مستثمري "سندات هارموني " إلى طرحه: إذا كانت كل ادعاءات "هارموني كابيتال " باطلة ، فكيف تمكنوا من سداد العوائد الشهرية في موعدها ، دون أدنى تأخير ، وبشكلٍ مباشر إلى حسابات المستثمرين ؟
ولو عجز الخبراء عن تقديم إجابة شافية ، لما صدق المستثمرون كلمةً واحدةً مما يقولون ، ولما أعاروا أدنى اهتمام لما تنشره صحيفة "بليجر ديلي " التي كانوا ينظرون إليها بوصفها مؤسسة تقتات على القصص المثيرة التي تعرض صور نساءٍ شبه عاريات.
وحتى وإن لم يرغب الناس في تقبُّل الحقيقة ، وعقدوا الأمل على أن يتفوق المذيع في جداله على الخبيرين ، فإن القلق كان قد بدأ يتسلل إلى نفوسهم. وكما أشار البرنامج في بدايته ، فإنه حتى أعرق المؤسسات وأكثرها رصانةً لا يمكنها الحفاظ على مثل هذه العوائد الخيالية ، فكيف يتسنى لـ "سندات هارموني الذهبية " تحقيق ذلك ؟ هل ابتكروا نموذجاً مالياً جديداً ؟ أم أن تعدين الذهب صار أكثر ربحيةً مما كان متوقعاً ؟ أم ربما...
كانوا يحدقون في الخبيرين ، آملين أن يغصّوا بكلمإندفع أمام هذا السؤال: إذا كانت "هارموني كابيتال " تزيف كل شيء ، فكيف يواصلون ضخّ النقد الفعلي لكل مستثمر في الموعد المحدد ؟
ابتسم الخبيران ، لكن ابتسامتيهما كانتا مثيرتين للنفور ، لا سيما لدى مستثمري "هارموني " الذين استشعروا خبثاً دفيناً خلف تلك التعابير.
قال الخبير الأول "لدينا نظرية ؛ إن المدفوعات الحالية تُموَّل في الواقع من أموال الناس الذين يشترون السندات ".
ألقى الخبير الأول نظرة على زميله الذي تابع على الفور "إليكم مثالاً بسيطاً: لنفترض أنني استثمرتُ مائة سول في سندات هارموني الذهبية ، وهم يعدونني بعائد شهري قدره 8%... ".
بدأ الاثنان في تقديم نموذج توضيحي ، مستخدمين أوراقاً وأقلاماً لمحاكاة التدفق النقدي "أعطيهم مائة سول. وحتى دون تحقيق أي إيرادات تُذكر ، فإن مالي وحده يكفي لسداد عوائدي لمدة عام كامل! ". مرر الخبير الأول أوراقاً كُتب عليها رقم 8 إلى الخبير الثاني ليوضح العملية ، ثم التفت إلى الكاميرا وهز رأسه قائلاً "ما دامت السندات الجديدة تُطرح باستمرار ، فبإمكانهم الاستمرار في دفع العوائد ، لكن هذا ليس أمراً محموداً ".
"لتغطية التزامات العوائد المتزايديه ، يتعين عليهم مواصلة إصدار المزيد من السندات. وكلما زاد إصدارهم للسندات ، بدا أداؤهم أفضل ؛ ففي نهاية المطاف ، وبعد خصم تكاليف الطباعة والضرائب ، يصبح كل ما تبقى ربحاً صافياً ".
قاطعه المذيع مدركاً لشيء ما "إذن ، الأموال لن تصمد في الواقع لعام كامل ، لأنهم ملزمون بسداد الضرائب أيضاً ؟ ".
أومأ الخبيران بصمت ، وعمَّ الأستوديو هدوءٌ وجيز بينما كان الجميع يستوعبون ما قيل للتو.
وفي القصر كان وجه جلالة الإمبراطور قد تلبّد بالغيوم "أحضروا لي وزير المالية ، ومن هو مسؤول عن الرقابة على الأوراق المالية ".
وبصفته الحاكم الأعلى للإمبراطورية ، نُفذت أوامره على الفور ؛ فاضطر وزير المالية إلى ترك وجبته والهرولة إلى القصر مع معاونيه. و لقد كانوا يدركون بالفعل ما حدث ، فمثل الإمبراطور ، يتمتع وزير المالية بحسٍّ سياسي حاد واستشعر وقوع أمرٍ جلل ، وإن لم تتضح له الصورة الكاملة بعد.
وقبل أن ينتهي تبادل التحايا ، سأل الإمبراطور بنفاد صبر "ما هو حجم "هارموني كابيتال " قبل أن تتحول إلى شركة عامة ؟ ". لم تكن القضايا المثارة على التلفاز تقنيةً فحسب ، بل كانت بسيطة ويسهل فهمها ، وقد استوعبها الإمبراطور بوضوح. باختصار كانت "هارموني كابيتال " قد زوّرت كل شيء ، ولم تكن القضية صغيرة ، بل قد تطيح بالكثير من الرؤوس ، وقد تتسع تداعياتها لتطال مديات أبعد.
كلما وردت أنباء سيئة كهذه كان الإمبراطور يصاب بالصداع. وبينما يمسك رأسه بيد ، ويحدق بالأخرى بحدة ، قال ببرود "أنصحكم بالتفكير ملياً قبل أن تنطقوا ".
سارع الموظفون للاتصال بالإدارات الأخرى ، وفي مقدمتها مصلحة الضرائب. حيث كان مكتب الضرائب الاتحادي مؤسسة ملكية ، ورغم أنه لا يمتلك مدرعات كإدارة ضرائب الاتحاد إلا أنه يمتلك فرق إنفاذ مسلحة ، تظل رمزية ولكنها مؤثرة.
بعد خمس عشرة دقيقة ، قال رئيس الرقابة المالية وهو يمسح العرق عن جبينه بصوت خافت "يا جلالة الملك... أكثر بقليل من مائتي مليون ".
كرر الإمبراطور بذهول وقد تشتت نظره "مئتان مليون... وأكثر ؟ ". لقد توقع رقماً ضخماً ، لكن ليس لهذا الحد. وفقاً لما ذكره البرنامج ، إذا كانت "هارموني كابيتال " مضطرة لدفع ما يقرب من عشرين مليوناً كعوائد شهرية ، مضافاً إليها الضرائب ، فإنهم يقفون باستمرار على حافة الانهيار. وإذا سقطوا ، أو فرَّ أحدهم بالأموال ، فسيخلف ذلك فجوةً تقارب المائتي مليون.
ازداد وهج نظرة الإمبراطور حدة ، وراح يحدق في المسؤولين أمامه "إذا كانت مشاكل "هارموني كابيتال " بهذا القدر من الخطورة ، فكيف سُمح لها بالتحول إلى شركة عامة ؟ لقد أوضح البرنامج بجلاء أنها لا تملك حتى منتجاً حقيقياً ، كيف غاب هذا عن أنظاركم ؟ ".
استشعر وزير المالية وجود خللٍ ما ، بينما كان رئيس الرقابة على الأوراق المالية يرتجف بوضوح. كيف مر الأمر ؟ بالطبع تدخل أحدهم ، وقاموا بترقيع الأوراق عبر إنشاء سلسلة من محال الذهب لتبرير الإدراج. حيث كانت حيلةً للالتفاف على القانون ، فما دام لم يحدث شيء ، فلن يهتم أحد. أما الآن وقد وقعت الواقعة ، فإن أفعالهم ستُصنف كإخلال جسيم بالواجب ، أو ربما إهمال جنائي.
كان للذهب والمال دورٌ كبير في هذا كله. لم يجب أحد ، ومضت دقيقة في صمت مطبق. تنهد الإمبراطور بضيق ، فهو يعرف السبب ؛ شخصٌ ما تلقى رشوة ، وشخصٌ ما تبادل المصالح ، وشخصٌ ما أبرم صفقات سياسية. دائماً السيناريو نفسه.
تنهد مجدداً وقال "كنت أعلم أن هذا اللقيط "لينش " الذي يدور حولنا هو نذير شؤم. و هذا الصباح أخبرتموني أن الأمور تحت السيطرة ". لم تكن نبرته قاسية ، لكن ذلك جعل وجه الوزير يشحب أكثر. لو كان الإمبراطور يصرخ ، ليعني ذلك أن القضية لم تتجاوز الخطوط الحمراء بعد. أما وقد توقف عن الصراخ وتحدث بهذه النبرة المحبطة ، فهذا يعني أن الأمر قد وصل إلى حدوده أو تخطاها.
"تولوا الأمر. لا أريد أن أسمع عن أي تداعيات كبرى ".
كزَّ وزير المالية على أسنانه وانحنى قائلاً "حاضر ، يا جلالة الملك... ".
وبينما كان يغادر القصر مع حاشيته ، تقاطعوا مع رئيس الوزراء الذي كان يدخل للتو. تلاقت أعينهم ؛ كان رئيس الوزراء يرتسم بابتسامة صادقة بل وألقى التحية ، لكن وزير المالية اكتفى بابتسامة ساخرة وانصرف مسرعاً. وقف رئيس الوزراء عند بوابات القصر يراقب ظهر الوزير بابتسامة متسلية.
في هذه الأثناء ، بدأت آثار التغطية الصحفية والتلفزيونية تظهر للعيان ؛ حيث غيرت البرامج الكبرى محتواها فجأة لتركز على "هارموني كابيتال " وكأن الأمر منسق ، انهال سيل من الاتهامات والافتراءات. عُلّق تداول سهم "هارموني كابيتال " عند سول واحد بسبب التقلبات غير الطبيعية ، وأعلنت الهيئات التنظيمية المالية أن التداول لن يُستأنف إلا بعد مراجعة شاملة.
بمجرد أن تلقى ريتشارد النبأ ، غادر البورصة ؛ فقد أدرك أنه إن لم يغادر الآن ، فسيصبح الوقت متأخراً جداً. لم يذهب إلى الفيلا المعروفة التي يربطها الجميع به ، بل توجه إلى شقة اشتراها باسم مستعار ، حيث كان يحتفظ ببعض الأشياء المهمة ؛ خطته البديلة.
في الداخل ، فتح الخزنة وحزم كل شيء في حقيبة: وثائق هوية ، جواز سفر سارٍ ، رزم من النقود ، وتفاصيل عدة حسابات بنكية مجهولة. حيث كان هناك ثلاثة ملايين "جاييل " وهو مبلغ يكفيه ليختفي لفترة. وبمجرد أن تهدأ الأمور كان يخطط للظهور مجدداً والمحاولة من جديد.
في الشقة ، بدل ثيابه بسرعة إلى ملابس رثة ، واختار حقيبة كان قد التقطها من كومة قمامة ؛ فكانت تتناسب تماماً مع مظهره الجديد. فلم يكن أحد ليشتبه في أن رجلاً يرتدي ملابس بالية ويحمل حقيبة مهترئة هو مهندس تلك الفجوة المالية الهائلة.
وبينما كان يتحقق من ممتلكاته ويستعد للمغادرة قد سمع فجأة صوتاً خافتاً.. "تكة ". كان صوت فتح قفل الباب. و اتسعت حدقتا عينيه حتى صارتا كدبوسين ؛ استجابةً غريزية لخوفٍ شديد. دفع الحقيبة تحت الأريكة واختبأ بسرعة داخل خزانة الملابس ، مغلقاً الباب خلفه برفق.
خلف الملابس المعلقة ، أبطأ من وتيرة تنفسه ؛ وفي تلك المساحة الضيقة كان كل نفس يبدو كأنه عاصفة صامتة.
"هو.. هو.. "
تحرك ظل أمام الخزانة. لم يستطع ريتشارد رؤية الشخص ، لكن الضوء خفت حين حجب الجسد شق الأبواب. حبس أنفاسه وهو يرتجف خشية أن يسمعه الدخيل.
عاد الضوء للسطوع مجدداً لم يكن هناك أي صوت ، ولا حتى وقع أقدام. للحظة قد تساءل عما إذا كان قد تخيل الأمر برمته. و لكن في الثانية التالية ، فُتحت الأبواب فجأة.
فقال صوتٌ بارد يكتسي بنبرة ماكرة "وجدتك! ".
في وقت لاحق من ذلك اليوم ، وصل مسؤولون من وزارة "جيفرا " إلى الشقة ، يرافقهم سربٌ من الصحفيين ، أكثر مما قد يجذبه مهرجان سينموي. وصلت الشرطة أولاً ، لكن الوزارة تولت زمام الأمور بسرعة ، وخصصت الشرطة للحفاظ على النظام عند المدخل ، ونُقلت القضية على الفور إلى اختصاصهم.
دخلت مجموعة من المدعين العامين ذوي الوجوه العابسة إلى الغرفة. وفي منتصف غرفة المعيشة كانت جثة ريتشارد تتدلى من الثريا ، تتأرجح برفق مع نسيم الشرفة و ربما كان ليبدو أكثر وقاراً ، لولا لسانه الذي كان يتدلى خارج فمه.
وفي جيب صدر قميصه كانت هناك ورقة مكتوبٌ عليها بخطٍّ كثيف ومُحكم...