«ثمة نشاط بيعي غير مألوف خلال اليومين الماضيين...»
في يوم الخميس ، تلقى ريتشارد تقريراً من أحد مرؤوسيه ، فأغلق الباب وتناول الملف الذي مُدَّ إليه.
«هذه هي معدلات التداول للأيام الثلاثة الماضية ؛ فقد تم تداول ما يقرب من خمسة ملايين سهم. حجم التداول مرتفع للغاية وغير طبيعي.»
لم يكن ريتشارد ذا تعليم عالٍ ، لكن في عالم الناجحين لم يشترط أحد يوماً الحصول على شهادة جامعية ليصبح منهم ؛ فلطالما ملك المال كان بإمكانه استئجار أصحاب الشهادات العليا ليعملوا لحسابه.
على الرسم البياني اليومي للتداول الذي كان بيده ، عُلّمت أحجام التداول لكل فترة زمنية. نشأ مصطلح «التداول» (تيورنوفير) من الإشارات اليدوية المستخدمة في قاعة التداول ؛ فعندما كان البائعون يرغبون في تصريف الأسهم كانوا يستخدمون إشارات صامتة للتواصل مع وسطاء القاعة إلى جانب لوحات العرض.
لم تكن الإشارات كثيرة ، جلّها كان يشير إلى البيع أو الشراء. وفي كل مرة تنتقل فيها الأسهم من البائع إلى المشتري كانت تلك الإشارات اليدوية جزءاً من العملية ، مما أدى إلى ظهور مصطلح «التداول».
يرى البعض أن الكلمة لم تنشأ من هناك ، وبدأوا في استخدام «حجم التداول» بدلاً منها. ولكن بغض النظر عن المصطلحات القديمة أو الجديدة ، فإنها جميعاً تشير إلى شيء واحد: الصفقات.
«هل بدأ شركاؤنا في الاتفاقية بالبيع ؟» عقد ريتشارد حاجبيه وهو يتأمل طفرات الحجم الكثيفة.
لم تكن مؤهلاته الأكاديمية مرتفعة ، لكن حسه التحليلي كان حاداً ؛ فقد أدرك أنه عندما يكون السهم مؤهلاً للارتفاع ، فإنه لن يشهد فجأة طفرة تداول كهذه. فالزخم الصعودي الحقيقي يأتي مع زيادات تدريجية في الحجم ، لا مع دفعات مفاجئة.
ساوره الشك بأن شركاءهم في الاتفاقية قد بدأوا بالبيع. فهؤلاء الشركاء الذين اشتروا بكميات كبيرة لتسخين السهم ، رأوا الآن أن الأسعار تجاوزت بكثير المعدل المتفق عليه. وبدلاً من إعادة البيع للشركة بالسعر التعاقدي ، فمن المرجح أنهم يفرغون حمولاتهم في السوق المفتوحة.
ومع وجود زخم قوي خلف السهم ، وطالما أنهم لا يغرقون السوق ، فإن السعر لن ينهار. و في الواقع ، إن التوزيع الأوسع على صغار المستثمرين قد يحفز السعر أكثر.
«هل حركنا أي أموال ؟» وضع ريتشارد الرسم البياني على الطاولة. فأومأ مرؤوسه بالإيجاب: «استخدمنا حوالي عشرين مليوناً. ستُطرح تلك الأسهم مرة أخرى في الأسبوع المقبل.»
أومأ ريتشارد: «جيد ، هذا يجعل الأمر يبدو كنشاط سوقي عادي. و لكن استمر في المراقبة ، وإذا حدث أي شيء غير مألوف ، أبلغني فوراً.»
بعد خروج مرؤوسه ، خيّم الصمت على المكتب. وخلافاً لما يتخيله البعض لم يكن ريتشارد يجري مكالمات طوال الوقت ؛ فقد كان يعلم أن كل هذا مجرد احتيال ، وأن انشغال المحتال ليس إلا واجهة لا أكثر ، فلم يكن هناك ما يستحق اهتمامه حقاً.
جلس على مكتبه عاقداً حاجبيه بعمق ، وشعر بقلق مبهم ينخره لم يدرِ ما سببه ، لكنه أيقن أن الأمر ليس على ما يرام.
نهض ، سار بضع خطوات ، ثم عاد وجلس والتقط الهاتف.
طلب رقماً ، وبعد عشرين أو ثلاثين ثانية ، سأل: «ما الذي كان يفعله لينش في الأيام القليلة الماضية ؟»
ما الذي كان يفعله لينش ؟
في اليومين الماضيين كان لينش يستعد لحفل نبيل مهيب. واليوم هو موعد الحدث.
بدأت الاحتفالات في وقت مبكر من الصباح.
وصل لينش إلى محمية صيد خاصة خارج العاصمة. غالباً ما يقول الناس إن "جيفرا " تفتقر إلى الأراضي ، لكن بمجرد دخولك إلى المدينة ومعايشتك للحياة فيها ، سترى كم من الأراضي تُهدر.
لقد حُوّلت آلاف الكيلومترات المربعة إلى محميات صيد للنبلاء ، يربون فيها حيوانات أليفة ، ويُسمح بالصيد فيها طوال العام بتقديم طلب بسيط إلى المجلس الخاص ودفع رسوم زهيدة.
وبجوار محميات النبلاء تقع المحمية الملكية ؛ وهي أكبر حجماً ، وتضم حيوانات أكثر ، وتخضع لإدارة أكثر صرامة.
لم تكن المشكلة في ندرة الأرض ، بل في مقدار ما يحتكره النبلاء منها ويتركونه عاطلاً. حيث كانوا يعشقون بناء القلاع ومحميات الصيد والحدائق...
كانت تلك أول مرة يمتطي فيها لينش حصاناً. ولحسن حظه ، اختار له المدرب فرساً وديعاً. فالأفراس أكثر هدوءاً وتتبع الأخريات بخطوات وئيدة ، مما يجنب المبتدئ أي صدامات متوترة مع الحصان.
كان سلاح الصيد هو القوس الطويل. وبعد بعض التعليقات الساخرة من الآخرين ، سمح النبلاء على مضض للينش باستخدام سلاح ناري ، لكن ليس بندقية حديثة ؛ بل ناولوه بندقية فتيلية.
لحسن الحظ لم يضطر لتلقيمها بنفسه ؛ فبعد كل إطلاق نار كان يسلمها للمرافق.
لم يكن الصيد نفسه يستحق الوصف ؛ فقد كان مضجراً ومملاً. حيث كان هؤلاء النبلاء يستمتعون بالقتل بالأسلحة البيضاء ، مستلذين بالقسوة وإثارة سلب الحياة. فلم يكن لدى لينش أي اهتمام بذلك فقد كان عملهم يفتقر للكفاءة ، والأهم من ذلك أنه عديم الجدوى.
لقد تفهم جاذبية الصيد ، لكنه لم يفهم ذلك الهوس بوضع عقبات أمام النفس.
كان الغداء لحم غزال ؛ فقد تمكنوا في ذلك الصباح من اصطياد غزال وبعض الأرانب والبط. وقام الطهاة بإعداد الطرائد ببراعة لحفل شواء في المخيم.
وفي فترة ما بعد الظهر ، ذهبوا إلى الأوبرا لعرض دام ساعتين ، حيث حظي أخيراً ببعض الراحة.
قال لينش وهو يخلع ربطة عنقه: «رقبتي تؤلمني.» كان بوسعه تفهم إخلاص النبلاء لتقاليدهم ، لكن ذلك لا يعني أنه يراها أمراً صائباً.
كان جميع النبلاء يرتدون ربطات عنق ، وبعضهم يضعون شعوراً مستعارة. ومع بلوغ درجة حرارة العاصمة أكثر من 32 درجة مئوية كانت ربطة العنق وحدها يكفى لتجعل المرء يضيق ذرعاً ، فضلاً عن الشعر المستعار.
لقد رأى نبلاء مسنين يتصببون عرقاً بينما ما زالون يتشبثون بما يسمونه "الوقار ". كان ذلك مجرد تصنّع.
أجل ، تصنّع. لم يعتقد لينش أن أحداً هناك يملك مالاً أكثر منه ، لذا كان له كل الحق في قول ذلك.
أُقيم مأدبة المساء في قلعة يملكها المجلس الخاص. حيث كانت في السابق تعود لدوق عارض الإصلاحات البرلمانية ، وبعد أن استولى الإمبراطور على السلطة ، أُقصي الدوق وأُمتلكت قلعته.
كانت تحتوي على غرف كثيرة لدرجة أن كل ضيف حصل على غرفته الخاصة.
نزع لينش معطفه وربطة عنقه ، فقد تركت الياقة الصلبة المقواة حلقة حمراء حول عنقه.
ابتسم الخادم لكنه لم يقل شيئاً. حيث كان قميص لينش مبللاً ، لكن لحسن الحظ كان الخادم قد أعد العدة مسبقاً.
«ما التالي ؟» سأل لينش وهو يخطو داخل حوض الاستحمام ، حيث غسلت المياه الدافئة عنه انزعاجه.
رتب الخادم ملابسه الملقاة ، وقال: «التالي هو صالون أدميه ، يستغرق تسعين دقيقة تقريباً ، وبعد ذلك المأدبة والحفلة المسائية.»
أخرج لينش رأسه من الماء: «ما الموضوع ؟»
«لا يوجد موضوع. و مجرد محادثات عابرة.»
«مجرد محادثات عابرة...» كرر لينش وهو يعيد رأسه للداخل.
بعد ذلك بوقت قصير ، ارتدى ملابس جديدة ، وبإرشاد من الخادم ، شق طريقه إلى قاعة التجمع في القلعة.
كانت هذه القاعة يوماً المكان الذي يلتقي فيه الدوق بأتباعه لمناقشة الأمور الهامة ، لكنها الآن أُعدت للتعارف الاجتماعي.
ورغم أنها تبدو غير رسمية إلا أن ترتيب الأرائك ذات الطراز النبيل والطاولات المستديرة الصغيرة كان مقصوداً. حيث كان بعض النبلاء قد وصلوا مبكراً وكانوا يتجاذبون أطراف الحديث في مجموعات صغيرة.
على الطاولات وُضعت القهوة وشاي الأعشاب والمعجنات ؛ لم يكن أحد يشرب الكحول في هذه الساعة.
وطالما لم يتأخر الوقت كثيراً ، فإن شاي بعد الظهر دائماً ما يكون مناسباً.
جذب وصول لينش الأنظار ؛ فهو أول نبيل من أصل أجنبي في تاريخ الإمبراطورية. لم تكن العلاقات بين «جيفرا» والاتحاد ودية بالقدر الذي تدعيه التقارير الرسمية ، مما أعطى بعض النبلاء ذريعة للبحث عن المتاعب.
لقد أرادوا فقط رؤية لينش محرجاً ، مثلما حدث في وقت سابق خلال الصيد ، عندما سخروا منه لعدم معرفته بكيفية استخدام القوس. حيث كان الأمر كله مجرد سخرية منه.
«بارون لينش ، بعد هذه الاستراحة القصيرة ، سنبدأ الاستقبال المسائي. و آمل أن يكون اليوم قد ترك انطباعاً دائماً لديك ، » قال ذلك ماركيز من المجلس الخاص. حيث كان النبلاء رفيعو المستوى في المجلس توارثوا مناصبهم ، ومع ندرة منح ألقاب جديدة هذه الأيام كان جميعهم تقريباً يحملون ألقاباً تناقلوها عبر الأجيال.
ابتسم لينش رداً عليه وجلس ، لكن الماركيز لم ينتهِ من حديثه.
«من الواضح أنك لست معتاداً على أسلوب حياتنا و ربما مع مزيد من الانخراط ، ستنمو لديك محبته.»
أومأ لينش أومأ غير ملزمة: «ربما يكون ذلك ممكناً.»
«لماذا ربما وليس بالتأكيد ؟» ابتسم الماركيز وألقى نظرة على أرجاء الغرفة: «هل يُعقل أن تكون الحياة في الاتحاد أكثر إثارة من حياتنا ؟»
ابتسم لينش ابتسامة خفيفة: «لا أعلم إن كانت أكثر إثارة ، لكنني أعلم أنها أكثر برودة هناك.»
تركت تلك الإجابة الغريبة بعض النبلاء في حيرة من أمرهم. أي نوع من الإجابات كان ذلك ؟
عقب أحدهم: «هل الاتحاد بارد حقاً إلى هذا الحد ؟»
بدأت ابتسامة لينش تتغير بمهارة ؛ فلو كان ريتشارد هناك ، لصار على أهبة الاستعداد فوراً.
فكلما ابتسم لينش بتلك الطريقة كان ذلك يعني أنه يدبّر لشيء ما.
«لا ، الاتحاد في الواقع أكثر حرارة من هنا ، لكننا نمتلك تكنولوجيا متقدمة. و لدينا شيء يسمى منظّم الحرارة يمكنه خفض درجات الحرارة الداخلية إلى مستوى مريح.»
«وأحياناً ، إذا ضبطته على درجة منخفضة جداً ، فقد تشعر بالبرد حتى.»
«أتعلم ما الذي كنت أستمتع به أكثر من أي شيء آخر في الآونة الأخيرة ؟»
دون انتظار رد ، انفجر ضاحكاً: «أحب ضبط الغرفة على ست عشرة درجة ، والتلفّف ببطانية سميكة!»