تأملت "جانيا " وجهها في المرآة ، فارتجفت تعبيراتُها لبرهة. حيث كانت تلك الأيام هي الأكثر دعةً وطمأنينةً مما عاشته قط ؛ فلا هموم تشغل بالها من أخيها الإمبراطور الذي دأب على تكليفها بالمهام ، ولا قلق يساورها من صحف الإمبراطورية الصفراء التي اعتادت تلفيق الفضائح عنها ، لا شيء على الإطلاق.
كان عليها فقط أن تستمتع بوقتها. فالناس في "الاتحاد " لم يُبدوا ذلك الاهتمام الذي توقعته ، مما أصابها في بادئ الأمر بشيء من الخيبة. ومن اعتادت أن تسلط عليها الأضواء طيلة حياتها فسيجد من العسير عليه التأقلم فجأة مع الانزواء عنها إلا أن نظرتها للأمور تغيرت في الوقت المناسب.
أطعمة شهية ، ومناظر خلابة ، وتجارب جديدة و كلها جعلت أيامها مفعمة بالرضا ، وما زادها بهاءً هو حضور "لينش ".
لكن تلك الأيام الهانئة أوشكت على الانقضاء ؛ فبمجرد عودتها إلى "جيفرا " سيكون عليها أن تستعد مجدداً ، وتتقمص دور الأميرة الإمبراطورية المتمردة الذي ينتظره منها الجميع.
وضعت مساحيق التجميل ، وشعرت أن مستحضرات التجميل في "الاتحاد " أكثر راحة ، وأجود أداءً ، وأطيب رائحة من مثيلاتها في "جيفرا ". كان هذا هو الفرق الدقيق بين الدولتين ؛ فرأسماليو الاتحاد يستهدفون النساء ، ويروجون لمستحضرات التجميل وما يتصل بها تحت غطاء "تمكين المرأة " حتى باتت خياراً أول لكل محبات الجمال.
الكل يطمح لوجهٍ جميل ، ومن قبلُ لم يعرفوا كيف ، أما الآن فقد أرشدهم الرأسماليون إلى الطريق.
"سأشتاق إليك يا لينش " قالتها وهي تضع المرطب ، فوفقاً للمجلات التي تطالعها ، يعد الترطيب قبل النوم أمراً حيوياً ، لا سيما للنساء في الثلاثينيات من عمرهن ، فبدونه يتسارع زحف الشيخوخة. ثم نظرت إلى انعكاس صورة "لينش " في المرآة.
كان "لينش " مستلقياً على الفراش يتابع التلفاز ، وحين لمح المرأة تحدق في نفسها عبر المرآة ، أشاح بنظره سريعاً وقال "سأرافقكِ إلى جيفرا ".
فوجئت "جانيا " والتفتت إليه سائلة "أهذا من أجلي ؟ ".
أجابها "لينش " بصدق "لأنه سيتم منحي لقباً نبيلياً ".
لم يكن الأمر رومانسياً ، لكن "لينش " أدرك مع مرور الوقت أن "جانيا " ليست بتلك السذاجة التي يظنها الناس ، بل هي أرجح عقلاً بكثير. حيث كانت تتقن إخفاء حقيقتها ، لذا فإن أي لمسة عاطفية تجعل "لينش " يشعر بالحرج. كلاهما ثعلبان ماكران ، لا سبيل لأحدهما أن يخدع الآخر.
ابتسمت قائلة وهي تضع مساحيقها الكيميائية على وجهها "ظننت أنك عائدٌ معي من أجلي! ".
في البداية كانت مترددة في التقرب من هذا الشاب ، لكنها باتت تشعر بتعلقٍ به. فهو ذكي ، فكاهي ، ووسيم ، وإن كان أحياناً حاد اللسان إلا أنه في الأغلب يبعث البهجة في نفسها. وكلما زاد الأمر ، أيقنت "جانيا " أنه شخص لا يمكنها السيطرة عليه ، وهذه المرة كانت مختلفة.
رد "لينش " بابتسامة "هذا سبب وجيه أيضاً! ".
لم تأبه "جانيا " لصراحته ، بل وجدتها أمراً طريفاً وضحكت. ثم قالت "حدثني عن إجراءات نيل اللقب ، لا أريد أن أفسد الأمر... ".
في اليوم التالي ، استيقظ "لينش " باكراً ؛ فاليوم هو أول أيام تدريب "كاثرين " التي وصلت إلى "إيمينينس " قبل أسبوع. حيث كان لخطاب توصية السيد "ترومان " فضل كبير ، فلم يتردد الرئيس لحظة في الموافقة على اسمها. وبالطبع لم يكن لهذا أي صلة بتبرع "لينش " بعشرة ملايين ؛ فليست صفقة تقايض فيها الأموال بالخدمات ، بل آمن الرئيس بصدق أن الفتيات العاديات يستحقن فرصاً أكثر. فوجود مرشحة من أسرة بسيطة يجلب للرئيس مزيداً من الدعم الشعبي. و كما صرح بأنه سينظر في منح الشباب من عامة الشعب فرصاً للانخراط في جوهر الدولة والتعرف على كيفية إدارتها. وحتى منتقدوه اعترفوا ببراعته في هذا الأمر.
من قبلُ كان متدربو الرئاسة يأتون غالباً من عائلات سياسية مرموقة ، أو من الرأسماليين الأثرياء ، أو التكتلات المحلية. فلم يكن الناس يلقون بالاً للأمر ؛ فلطالما اعتبروه مساراً سريعاً لأبناء الأقوياء ، لا علاقة له بالعامة. و لكن هذه المرة اختلفت ، فقد كانت "تريسي " رئيسة جمعية حقوق المرأة في ولاية "يورك " أول من ساند "كاثرين " ونقلت القنوات المحلية في "يورك " تقارير عن أسرتها.
كانت والدتها تعمل في أشغال يدوية من المنزل ، وتبيع منسوجاتها لشركة "لينش " بينما يعمل والدها موظفاً في مستودع ، يكد في عمل يدوي إحدى عشرة ساعة يومياً ، لا ينال فيها سوى ساعة ونصف استراحة ، ويتقاضى ثلاثمئة فقط شهرياً. أما "كاثرين " فكانت طالبة مجتهدة في جامعة حكومية ، انتقلت من مرحلة التعثر الدراسي إلى نيل ثناء زملائها ومعلميها وأساتذتها.
قابلت وسائل الإعلام أسرتها ، وجيرانها ، وزملاءها ، ولم يجدوا مأخذاً واحداً ؛ فـ "لينش " لم يخص أسرة "كاثرين " بأي معاملة خاصة ، فما زالوا يقطنون منزلاً متهالكاً ويكدحون من أجل لقمة العيش. وقبل صدور تلك التقارير لم يكن حتى زملاء والدها يعلمون أن موظف المستودع الهادئ المطيع هو والد حبيبة "لينش " السابقة. انكشفت الحقائق كاملةً ، دون محاباة ، وبلا ثغرات.
لم تتجنب وسائل الإعلام الحديث عن علاقة "لينش " و "كاثرين " السابقة ، بل سلطت الضوء على قصة حبهما وانفصالهما ، وذكرت أن "لينش " منحها فرصة الدراسة امتناناً لمساندتها إياه في بداية مشروعه ، ولإغلاق صفحة الماضي. لم يرَ الناس في "لينش " سوءاً بسبب ذلك بل رأوا فيه إنسانية تفتقدها تلك الطبقة الرأسمالية التي يعرفونها.
كما أوضحت التقارير آلية اختيار المتدربين ؛ فـ "الاتحاد " يتمتع بنظام فعال ونزيه وشفاف يضمن خلوه من التلاعب. ومن بين أكثر من عشرة آلاف طلبٍ على مستوى البلاد ، وبعد جولات من التصفية ، أُعدت قائمة قصيرة اتخذ الرئيس فيها قراره النهائي. حيث كان كل مرشح متميزاً ، ولأنه لا يعرف من يكون من ، فقد اعتمد الرئيس الأسماء بناءً على التوصيات ، فكانت "كاثرين " محظوظة بالاختيار.
تأثر المجتمع بأسره بجهدها وحظها ، وحتى قبل أن تبدأ عملها ، نالت لقباً هو "الفتاة المتألقة ".
اليوم هو أول يوم عمل رسمي لـ "كاثرين ". وبعد اجتياز مراجعة "لجنة السلامة " وإتمام التدريب الأساسي ، بدأت منذ التاسعة صباحاً تدريباً يمتد لثلاثة أشهر كحد أدنى وسنة كحد أقصى. و شعرت ببعض التوتر ؛ فقد كانت تلك مشاعرها وهي تقف خارج المكتب الرئاسي ، ترتدي ملابس بسيطة ، وتعلق بطاقة تعريف كُتب عليها "متدربة بالمكتب الرئاسي: كاثرين ".
بجوارها كان هناك أحد عشر شاباً وشابة ، جميعهم يبتسمون ببهجة ، مستعدين لمقابلة الموظفين. حيث كان هذا بروتوكولاً ، وإجراءً ليألف موظفو المكتب الرئاسي وجوههم وأسماءهم مجدداً.
وصل "لينش " قبل التاسعة ، فأشرقت عينا "كاثرين " لحظة وقوع نظرها عليه. وبعد تبادل نظرات سريع ، أعادت تركيزها على المهام المنتظرة. حيث كان الموظفون المنشغلون يعرفون معظمهم بالفعل ، فمر بعضهم بلا تعبير ، بينما ابتسم آخرون بلطف. وبصرف النظر عن الرأي العام حول هذه الدفعة من المتدربين كان كل موظف يدرك أن أياً منهم ليس بالخصم الهين.
وفي تمام الساعة التاسعة ، بدأ العمل. التفت المتدربون الاثنا عشر ودخلوا المكتب الرئاسي ، حيث أُسندت إلى كل منهم مهامه ، وانخرطوا على الفور في جدول أعمالهم المزدحم.
عدل "لينش " ملابسه ، وخطا نحو المكتب الرئاسي ، وأخرج بطاقة هويته. وبصفته مستشاراً خاصاً للجنة السلامة ، ألقى الحارس عند بوابة المكتب الرئاسي نظرة عليه وسمح له بالمرور دون تردد. حيث كانوا في البداية يفتشونه بحثاً عن أي مواد خطرة ، لكن لكثرة تردده ودخوله المتكرر إلى مكتب الرئيس ، وبصفته عضواً في لجنة السلامة ، أُعفي من التفتيش.
وما إن دخل حتى سمع صوت السيد "ترومان " خلفه "ظننت أنك لن تأتي ".
توقف "لينش " في الردهة ، وراقب "ترومان " وهو يضع هويته بهدوء أثناء عبوره الخط الأمني الخارجي.
مازحه "ترومان " "قالوا في التلفاز إنكما انفصلتما... ".
نشرت وسائل الإعلام ذلك لكن "ترومان " لم يصدقه قط. فلو لم تكن لـ "لينش " صلة بـ "كاثرين " لما تكبد "ترومان " عناء كتابة خطاب توصية لغريب. فخطابٌ كهذا يضمن دخول المكتب الرئاسي قد يبلغ سعره سرياً أكثر من مليونين ؛ لكونه نادراً ومرغوباً بشدة. وعلى الرغم من أن "لينش " لم يدفع هذا الثمن إلا أنه أصبح مديناً لـ "ترومان " بجميل كبير لا يقل عن عدة ملايين.
رد "لينش " بابتسامة "الناس يميلون للعاطفة ".
تبادلا المزاح وهما يسيران نحو المكتب الرئاسي ، وسرعان ما رأى "لينش " "كاثرين " وقد بدت عليها الحيرة وهي تحمل رزمة من الأوراق وتمر بجانبه.
نادى ضاحكاً "مهلاً ، أحضري لي فنجان قهوة لاحقاً! ".