Switch Mode

كود بلاكستون 723

درس للتعلم +


«هل سمعتُ ذلك صواباً ؟»

«أقلتَ للتو وساماً ؟»

داهمت الحيرةُ السيد "ترومان " فجأة ، متسائلاً إن كان يهذي أم أن "لينش " قد أسيء فهمُه ، فكيف له أن يطرح فكرة الحصول على وسام ؟

كان "لينش " قد عاد أدراجه إلى الأريكة ، وأشعل التلفاز بهدوء ، ثم خفض الصوت ، وقال باسترخاء: «بالطبع ، لقد ضحيتُ بشرفي الشخصي. و كما تعلم ، الأمر ليس بالهين ، فأنا رجلٌ يملك وازعاً أخلاقياً».

ضحك السيد "ترومان " وكأنه سمع أطرف نكتة في العالم ، وبعد برهة ، خبا ضحكه وبدأ يستوعب الأمر ، قائلاً: «أنت مجنون حقاً ، لكنني فهمت ما ترمي إليه».

«ليس من السهل التعامل مع هذا الأمر ؛ فلا يمكنك ببساطة إخبار العامة بأنك نلتَ وساماً لأنك ضاجعتَ شخصياتٍ معينةً من أجل البلاد. و لكنني سأساعدك في تقديم طلب للحصول عليه لاحقاً» ، قال ذلك وهو يخشى ألا يفهم "لينش " مقصده ، فألمح قائلاً: «الطائرة...».

لقد حلَّ شهر أغسطس ، وبات سبتمبر على الأبواب ، وحلول شهر أكتوبر سيتوجه "لينش " إلى "جيفرا " ليُقلَّد لقب "بارون الإمبراطورية ".

كانت هذه الخطوة مُدبَّرةً بالفعل من قِبل الامبراطور في "جيفرا " لإزعاج "لينش " ورئيس الاتحاد ، لكن "لينش " لم يكن بوسعه الرفض.

ولو أنه لم يذهب ، لكان أشبه بمن يقدِّم خنجراً للإمبراطور ويتركه يمسك بمقبضه ، متأهباً لهجومٍ مباغت.

ما لم يقرر "لينش " ألا يعود إلى "جيفرا " أبداً أو يقطع صلته بكل ما يمتُّ إليها بصلة ، فإنه كان مضطراً للذهاب.

وما إن يُعلن الأمر للعامة ، فإن مواطني الاتحاد سيرون في ذلك – بفطرتهم – أمراً نبيلاً ومشرفاً. والرفض لن يبدو سلوكاً وطنياً ، بل سيظهر بمظهر الأمر المؤسف أو المثير للريبة.

لكن إن قبل اللقب وناله ، فسيصبح في موقفٍ محرجٍ عند عودته.

فبعد زوال نشوة الاستقبال ، سيتساءل الناس كيف لرجلٍ من الاتحاد أن يحمل لقباً إمبراطورياً.

قد تكون هذه ميزة ؛ ففي نهاية المطاف ، ما زال أحفاد اللصوص والمغتصبين والقراصنة والمنفيين في الاتحاد يحملون توقاً فطرياً للنبلاء ، وهذا الوضع سيكون حاسماً عند التعامل مع النخبة.

لكنها قد تكون أيضاً عبئاً ؛ فلو استخدمها أحدهم ضده ، فقد تشعل فتيل غضبٍ وطنيٍ أعمى بين الطبقات الكادحة وتخلق فضيحة.

أحياناً ، حين تتأمل الأمر ملياً ، يبدو كأنه مزحة ؛ فالوطنيون الحقيقيون في القاع ، بينما لا يهتم من في القمة إلا بالمصالح.

والوطنية التي يتم التلاعب بها تؤدي بسهولة إلى صراعاتٍ مستمرة.

لو نال "لينش " وساماً—

"لقد اشترت جيفرا لينش! "

"لقد خدمتُ الاتحاد! "

"لينش لديه مصالح مع جيفرا! "

"لقد خدمتُ الاتحاد! "

كان شعب الاتحاد بسيط العقول ، لكنه قوي الشكيمة. وكان أفضل تصرفٍ الآن هو أن يحصل "لينش " على وسامٍ من الاتحاد.

حتى أبسط الأوسمة التي تثبت خدمته للاتحاد ستخفف من حدة الرأي العام سريعاً.

لم يكن هذا الوسام ليُمنح بعد ، ولا يمكن تقديمه لمجرد أن "لينش " لبَّى بعض مطالب "جانيا " ؛ فذلك سيبدو وكأنه ضربة حظ. ما زال لديه فرصة.

عندما يتم الكشف عن الطائرة ، قد يحصل على وسام.

وإن استطاعت الطائرة التصدي للغواصات بفعالية كما وصف "لينش " فقد ينال حتى "وسام القلب النبيل الفيدرالي "!

انقضت تلك الليلة دون مزيدٍ من الحديث.

في صباح اليوم التالي الباكر ، وبعد ممارسة الرياضة والاستحمام ، بدل "لينش " ملابسه وجلس على المائدة ينتظر الإفطار.

كان الصيف في أوجِه ، وحتى في الصباح ، نصح طبيب الصحة المجتمعية السكان بإنهاء التمارين الصباحية قبل ارتفاع درجات الحرارة أو ممارستها في الداخل.

لم يخرج "لينش " ؛ فلم يكن يرغب في الركض مع حشودٍ كبيرة.

أحضر الخادم الصحيفة ، ففتحها "لينش " على الصفحة الأولى: أخبار عن شركة "شيفورد " للأعمال البحرية.

فبعد صدور بيانات الغواصة الجديدة في اليومين الماضيين ، ارتفعت أسهم "شيفورد " بشكل ملحوظ منذ الأمس. واليوم ، أعلنوا عن تقديم طلبات لمئات براءات اختراع المحركات ، مما يشير إلى وجود طفرة تقنية.

ومما لا شك فيه ، أنه بعد الساعة التاسعة والنصف ، ستحلق أسهم "شيفورد " عالياً.

شعر "لينش " أن إعلان "شيفورد " العاجل لم يكن فقط للتعافي من إخفاق المناورة العسكرية الأخيرة.

كان هدفهم الحقيقي هو تعزيز أسعار الأسهم. ففي الاتحاد و كل شيءٍ زائفٌ باستثناء الأسهم والمال في جيوب المستثمرين.

بالنسبة للرأسماليين ، الخيانة مجرد لعبة إن كان الثمن مناسباً.

بينما كان "لينش " يفكِّر في المؤتمر الصحفي لشركة "شيفورد " والسوق المالي ، جعله صوت الرقيب يلتفت.

«سيد "لينش " هذا هو الملف الخاص بـ "كورمان "...»

أخذ الرقيب ملفاً من أحد الحراس الشخصيين وناوله لـ "لينش ".

كانت شركة "بلاكستون " للأمن تتوسع ، لا تكتفي بالعقود العسكرية فحسب ، بل تمتد لتشمل المراقبة والتتبع والتحقيقات التي قد تلامس قوانين الاتحاد دون أن تخرقها.

كان التحقيق مع مدرب لياقة بدنية في بلدة صغيرة أمراً سهلاً.

بينما كان يتناول الخبز ، استخرج "لينش " ملفاً متواضعاً.

في الصفحة الأولى كانت صورة "كورمان ".

تأملها "لينش " بعناية ، معلِّقاً بين الحين والآخر:

«اعتداء ، قضى عقوبة في السجن...»

«مطلق سابقاً...»

«علاقات غامضة مع أكثر من عشر نساء من مختلف الأعمار...»

تعجب "لينش " قليلاً وقال: «أن يظل هذا الرجل على قيد الحياة حتى الآن لمعجزة!».

كان ماضي "كورمان " مذهلاً. ففي الثامنة عشرة ، حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الاعتداء ، لكن أُطلق سراحه بعد ثمانية عشر شهراً.

ووفقاً للملف ، دخل "كورمان " السجن بسبب فتاة ، وبعد إطلاق سراحه ، تزوجها – وكان حينها دون العشرين.

لم يستمر الزواج سوى عامين ؛ فـ "كورمان " لم يكن يرغب في الإنجاب ورفض اتخاذ الاحتياطات اللازمة ، وبعد أن أجرت الفتاة عمليتي إجهاض من أجله ، تطلقا.

تنقل بعدها بين الوظائف كثيراً ، ولم تدم أيٌّ منها طويلاً لأسباب شتى حتى وجد فرصة جديدة في نادٍ رياضي كمدرب لياقة ، فاستقرت حياته.

كانت "سيرا " مجرد واحدةٍ من بين العديد من العميلات اللاتي ارتبط بهن. ومن قائمة الأسماء ، بدا أن هؤلاء النساء ينحدرن من أسرٍ طيبة المحتد.

«أرسل نسخة من هذا الملف إلى "سيرا " أيضاً ، وما تقرره هو شأنها» ، أغلق "لينش " الملف وأعاده إلى الرقيب.

بالنسبة له لم يكن خيار "سيرا " مهماً ؛ فكل ما يهمه هو أن تكون سعيدة.

فالفقراء توجههم الجدوى الاقتصادية في اتخاذ القرارات ، أما الأثرياء فمعيارهم الوحيد هو ببساطة "لأنني أريد ذلك بشدة ".

للفترة التالية ، رافق "لينش " "جانيا " في رحلةٍ عبر الاتحاد. حضرا أوبرا ريفية انتقدتها "جانيا " بشدة لعيوبها ، أو شاهدا أحدث الأفلام في مسرح "روبي " الشهير في إحدى مدن الجنوب.

كما تذوقا الأطباق المحلية. حيث كانت مساحة الاتحاد الشاسعة تضم تنوعاً في تخصصات الطعام عبر أقاليمه ، بخلاف "جيفرا " ؛ تلك الجزيرة الصغيرة التي لا تملك سوى السمك.

خلال هذه اللقاءات الاجتماعية ، أعلنت "جيفرا " ودول أخرى عن خطط ومواصفات لتطوير معدات عسكرية جديدة. و لقد دخل العالم في دورة غريبة.

في السابق كانوا يتنافسون عبر الحروب ، أما الآن ، فيتنافسون بالأرقام. حيث كان أمراً مثيراً وجديداً.

كما اتفق الوفد على مشاريع للتبادل الثقافي ، ووقَّعوا عقوداً لتوزيع الكتب والأفلام ، واشتروا حقوق أعمالٍ مستوردة. تجولت فرقتان مسرحيتان وأوبراليتان من "جيفرا " على نطاقٍ واسع ، ونالتا محبة مواطني الاتحاد.

أي شيءٍ يتعلق بالنبلاء كان يجذب إعجاب الناس دون سببٍ واضح ، وكأنه وسيلةٌ لإخفاء مشاعر نقصٍ غير معلنة.

ومع اقتراب منتصف سبتمبر كانت زيارة وفد "جيفرا " توشك على الانتهاء.

«سنغادر بعد غدٍ...»

خرجت "جانيا " من الحمام وهي تجفف شعرها وتجلس أمام مرآة الزينة.

كانت أكبر مشترياتها في الاتحاد هي الملابس العصرية ومستحضرات التجميل.

ما زال نبلاء "جيفرا " متمسكين بالعديد من التقاليد ، وكلما علا المقام قلَّ التغيير فيها. فعلى سبيل المثال ، لا يستخدمون العطور أبداً بل يستعيضون عنها بالبخور.

وبعض النبيلات لا يزلن لا يستخدمن مستحضرات العناية بالبشرة ، بل يستخدمن الزرنيخ للجمال.

يبدو الأمر لا يصدق ، لكن بالنسبة لبعض النبيلات الجيفراويات شديدات التقليديه كان الزرنيخ لا غنى عنه.

إنه يجعل بشرتهن أكثر بياضاً وجمالاً وشفافية. وبالطبع كان ذلك بثمنٍ باهظ.

فأولئك النسوة يجدن صعوبة في إنجاب أطفالٍ أصحاء أو حتى في الحمل ، كما أن أعمارهن قصيرة ؛ إذ يعشن ما بين الثلاثين والخمسين عاماً ، اعتماداً على كمية وطريقة استخدام الزرنيخ.

وعلى الرغم من أن المجلة العلمية الإمبراطورية في "جيفرا " أوردت المخاطر الصحية للزرنيخ إلا أن بعض النساء واصلن استخدامه دون تردد.

كان الغرور مهماً إلى هذا الحد ؛ فحتى لو لم يكتب لهن العيش طويلاً وعانين آلاماً مبرحة ، فما دمن يعشن وسط عبارات الثناء ، فقد كنَّ مستعداتٍ لدفع الثمن.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط