وُضِعَ صكُّ التحويلِ على الطاولة ، وقد خُطَّت عليه أصفارٌ كثيرةٌ بخطٍ انسيابيٍّ فائقِ الرقةِ حتى شهقَ كلُّ من في الغرفةِ دهشةً.
أحياناً ، لا يقتصرُ الصدمُ على المالِ نقداً فحسب ، فالأرقامُ قادرةٌ على ذلك أيضاً لا سيما حين تُطبعُ على صكٍّ ماليٍّ.
مليون.
ارتجفت يدُ البروفيسور وهو يلتقطُ الصك ؛ فقد اعتاد التعاملَ مع ميزانياتِ مشاريعَ ضخمةٍ ، لكنَّ عقله بالرغم من ذلك كان في دوامة.
معظمُ الناسِ لا يستطيعون كسبَ هذا المبلغِ في حياتهم كلِّها حتى لو حُذِفَ منه صِفرٌ واحد.
فعند الحدِّ الأدنى للأجورِ في "إميننس " البالغ 241 في الشهر ، يتوجبُ على المرءِ أن يعيشَ دون مأكلٍ أو مشربٍ أو أيِّ إنفاقٍ لعامٍ كاملٍ ليدخرَ 2,892 فقط. وسيستغرقُ الأمرُ مئة عامٍ ليبلغَ رصيدُه 289,200.
هذا في ظلِّ ظروفٍ مثاليةٍ طبعاً.
قد يقولُ البعضُ إنَّ الأجورَ ترتفعُ مع مرورِ الوقتِ ، ولكن حتى مع تلك الزياداتِ ، لا يمكنُ لشخصٍ أن يكسبَ مليوناً في عمره دون أن ينفقَ قرشاً واحداً.
وبالنسبة لـ 95% من سكّانِ الاتحادِ ، يظلُّ هذا الرقمُ شيئاً لا يسعهم إلا التطلعُ إليه من بعيدٍ. ولهذا السببِ بدت ملامحُ الحماسِ على وجوهِ الحاضرين حين بدأ "لينش " كتابةَ كلِّ تلك الأصفارِ على الصك.
لكن بالنسبة للرأسماليين ، قد يكونُ هذا المبلغُ مجردَ إيراداتِ يومٍ ، أو أسبوعٍ ، أو فترةٍ قصيرةٍ.
فكلما زاد ثراءُ المرءِ ، أصبح جنيُ المالِ أيسرَ وأسرعَ.
أولئك الذين أرسلهم "لينش " إلى "أميليا " باتوا يحققون الآن ربحاً صافياً يتراوحُ بين 60,000 و 70,000 يومياً. وفي نصفِ شهرٍ فقط ، صار بإمكانه جنيُ ما يعجزُ معظمُ الناسِ عن تحصيله في حياتهم بأكملها.
هل العالمُ عادلٌ ؟
كلا. فالأمرُ لا علاقة له بالكدِّ أو الجهدِ ، فالعالمُ لم يكن يوماً عادلاً.
قال "لينش " وهو يضعُ قلمه ذي الأرقامِ الستة -وهو هديةٌ من السيد "هيربس " الذي اختار إنهاءَ حياته بالقفزِ من فوق مبنى- "آملُ أن ننتقلَ إلى المرحلةِ الثالثةِ من البحثِ قريباً يا بروفيسور ".
ومع ذلك كانت هديةً تلائم ذوقَ "لينش ".
كان لـ "لينش " صديقٌ يحبُّ التباهي ، لكن بطريقةٍ رفيعةِ المستوى ؛ فلم يكن يرتدي ساعاتٍ بمليون "سول " أو يمررُ أصابعه في شعره لمجرد استعراضها ، ولا يرفعُ معصمه ليحجبَ ضوءَ الشمس.
كانت طريقتُه في التباهي تكمنُ في التفاصيلِ الصغيرةِ: قلمٌ ، مشبكُ ربطةِ عنقٍ ، أو حلقةُ مفاتيح.
قد تكلّفُ قطعةٌ تبدو عاديةً من هذه القطعِ عشراتِ أو مئاتِ الآلافِ. الجميعُ يراها ، لكن القلةَ فقط يعرفون قيمتها.
هذا النوعُ من التفاخرِ ليس لمن لا يدركُ كنهَه ، ولهذا قال "لينش " إنَّ الرجلَ كان ذا ذوقٍ رفيعٍ ، ولهذا أعجبَه ذاك النهج.
إخراجُ قلمٍ تعادلُ قيمتُه ما يدخرُه عاملٌ طوالَ حياته ؛ هل هناك ما يُشبعُ غرورَ المرءِ أكثرَ من ذلك ؟
لا ، ليس هناك.
سأل "لينش " وهو يعدّلُ جلستَه "هل لديك أيُّ أسئلةٍ أخرى ؟ "
كان البروفيسور يحدقُ في الصكِّ كأنَّ له جاذبيةً سحريةً ، فأيقظه صوتُ "لينش " من شروده. دسَّ الصكَّ في جيبِ معطفِه العلويِّ وهزَّ رأسه قائلاً "لا يا سيد لينش ".
"سننهي المرحلةَ الثانيةَ من البحثِ في أقربِ وقتٍ. وأيضاً... " مدَّ يدَه بإيماءهٍ متواضعةٍ مضيفاً "سعدتُ بالعملِ معك ".
تبقى حوالي 100,000 من تمويلِ المرحلةِ الأولى ، سيذهبُ جزءٌ منها لرئيسِ الجامعةِ.
ففي النهايةِ ، استخدمَ المشروعُ طلابَ الجامعةِ ومعداتِها. ورغم أنَّ العقدَ الرسميَّ يدرجُ نفقاتٍ للمساحةِ والأجهزةِ والموظفين -وهي أموالٌ تذهبُ للجامعةِ- إلا أنَّ هذا المبلغَ كان مخصصاً للرئيسِ شخصياً.
وما إن يحصلَ الرئيسُ على نصيبِه ، سيأخذُ الآخرون المشاركون نصيبَهم ؛ بدءاً من بضعِ مئاتٍ وصولاً إلى بضعةِ آلافٍ. ولن يتبقى للبروفيسور سوى ثلاثين إلى أربعين ألفاً.
لم تتضمنِ المرحلةُ الأولى أيَّ تقنيةٍ متطورةٍ ، وكان معظمُ الميزانيةِ قد استُنزفَ بالفعلِ ، لا سيما مع استهلاكِ المعادنِ باهظةِ الثمنِ.
أما عن فضلاتِ التجاربِ ؟
فقد قُسّمت بصمتٍ ولن تُتركَ ملقاةً في المكان.
لو أُنجِزت المرحلةُ الثانيةُ بسرعةٍ وبتكلفةٍ زهيدةٍ ، فإنَّ البروفيسور سيحصدُ ما بين 100,000 و 200,000 ، وهو دخلٌ معتبرٌ جداً. وقد بدأ بالفعلِ في التخطيطِ لإشراكِ المزيدِ من الطلابِ في المشروعِ ليساعدوه على تحقيقِ رؤيةِ "لينش " بشكلٍ أسرع.
وبعد مراقبةِ "لينش " وهو يغادرُ ، بدا البروفيسور أكثرَ ابتهاجاً من المعتادِ ، خاصةً بعد عودتِه من البنك.
وفقاً للبروتوكولِ كان على "لينش " تعيينُ محاسبٍ لمراقبةِ استخدامِ الأموالِ ، لكنه لسببٍ ما لم يطرحِ الأمرَ ، ولم يكنِ البروفيسور ليذكّرَه بذلك. ففكرةُ عدمِ وجودِ رقابةٍ ماليةٍ كانت مفاجأهً سارّةً.
لكن "لينش " لم يكن غافلاً ، بل كان يعلمُ كلَّ شيءٍ ، وكان يعلمُ أيضاً "إذا أردتَ للفرسِ أن تعدو سريعاً ، فعليك أن تُشبعَها جيداً ".
بعد مغادرةِ الجامعةِ لم يستقل "لينش " سيارةً ، بل سار لدقائقَ حتى وصل إلى مجمّعٍ سكنيٍّ فاخرٍ.
نظرَ إليه حارسُ الاستقبالِ بحذرٍ في البدايةِ ، لكن بعد بضعِ نظراتٍ ، تحوّل الحذرُ إلى حماسٍ واحترامٍ.
لقد تذكرَ ما أخبرتْه به شركةُ العقاراتِ في يومِه الأول: إحدى الشققِ تعودُ لـ "لينش " وتسكنُها حالياً فتاةٌ ، وعليه أن يوليَها اهتماماً إضافياً.
في البدايةِ ، ظنَّ أنَّه تكرارٌ لقصةٍ مبتذلةٍ -أن يهجرَ "لينش " الفتاةَ ولا يعودَ أبداً- لكنه الآن لم يعدْ متأكداً.
سأل "لينش " عرضاً وهما ينتظران المصعدَ "هل تعرفني ؟ "
"نعم.. نعم! أعرفك يا سيد لينش! "
كان الحارسُ -وهو شابٌ في العشرينياتِ- متوتراً قليلاً. حيث كانت تحيطُ به هالةٌ غامضةٌ من الكآبةِ ، لكنها بدت طبيعيةً. سأل بترددٍ "عذراً على جرأتي ، لكن... هل يمكنني مصافحتُك ؟ "
"لم أقابلْ شخصاً مثلك من قبلُ ، لا أدري لماذا ، لكنَّ رغبتي في ذلك جامحةٌ ".
ابتسم "لينش " ومدَّ يدَه ، فبادر الحارسُ بمصافحتِه بكلتا يديه بلطفٍ. "يا إلهي ، لقد تصافحنا! "
أشرقَ وجهُ الشابِ ، وبدا لأول مرةٍ كشخصٍ في مقتبلِ العمر.
سحب "لينش " يدَه مبتسماً "أتعتقدُ أنَّ هذا معجزةٌ ؟ "
"معجزةٌ ؟ "
قال الحارسُ بصدقٍ "نعم يا سيد لينش. إنها معجزةٌ لم أتخيلْ يوماً أن أراك هنا ، ناهيك عن مصافحتِك ".
هزَّ "لينش " رأسَه "لا ، هذه هي المعجزةُ ".
وعندما رأى نظراتِ الحيرةِ على وجهِ الشابِ ، قال "لينش " بهدوءٍ "ليست معجزةً. و لقد عبّرتَ عن رغبتِك ، وأخبرتني أنك تودُّ مصافحتي ، وبذلتَ جهداً يا سيد إداري ".
"لقد قوبل جهدُك بالتقديرِ ، ولهذا تصافحنا. إنها ليست معجزةً ، بل هي ثمرةُ جهدِك ".
"ليست كلُّ الجهودِ تؤدي إلى نتيجةٍ حسنةٍ ، لكن أليس هذا هو دافعَنا بالضبط ؟ الأملُ في أن تُفضيَ جهودُنا إلى مستقبلٍ أفضلَ ؟ "
"نحن لا نعرفُ إن كنّا سننجحُ ، نحاولُ ، وقد نشعرُ بالندمِ إن قصّرنا ، لكننا قد نجدُ الفرحَ أيضاً في اعتناقِ المستقبلِ ".
"كان هذا نجاحَك ، لذا أنت سعيدٌ. فالحياةُ مكوّنةٌ من الكثيرِ من هذه الجهودِ والنتائجِ ".
"أرى فيك شيئاً لا ينبغي أن يتواجدَ في مثلِ عمرِنا: الخمولَ وانعدامَ الحياةِ. لا أظنُّ أنَّ هذه الوظيفةَ تلائمُك. عليك أن تخرجَ وتستكشفَ العالمَ ، ما دمتَ شاباً ، افعلْ شيئاً ترغبُ فيه حقاً. اسعَ نحو مستقبلِك ، نحو أحلامِك ".
"حتى لو فشلنا ، فعلى الأقل لن نعيشَ نادمين ، ألا تظنُّ ذلك ؟ "
بينما كان "لينش " يتحدثُ ، أخرجَ قلمَه ، وأمسكَ ورقةً من مكتبِ الاستقبالِ وكتب:
إلى السيد الإداري:
الشبابُ ينبغي أن يكونَ بلا ندمٍ - اعملْ بجدٍ لتغيّرَ مستقبلَك!
مع رنينِ الجرسِ ، فُتحت أبوابُ المصعدِ. نقرَ "لينش " على صدغِه بإيماءهٍ مرحةٍ تشبهُ ما يفعله جيلُ الشبابِ ، وقال بابتسامةٍ "أتمنى لك يوماً طيباً " ثم استدارَ ودخل المصعدَ.
وقف الإداريُّ متجمداً لفترةٍ طويلةٍ ، واستقرت عيناه أخيراً على الملاحظةِ ، فقبض عليها بإحكامٍ.
توردَ وجهُه من التأثرِ ، وراح يذهبُ ويجيءُ ، ثم التقطَ الهاتفَ قائلاً "أنا أستقيلُ... ماذا ؟ قلتُ إنني سأعتنقُ ذلك المستقبلَ اللعين! "
لم يكن "لينش " يعلمُ ما إذا كانت تلك الكلماتُ القليلةُ ستغيرُ حياةَ الرجلِ حقاً ، فقد كان قد رتّب بالفعلِ شخصاً لحمايةِ "كاثرين ".
وباعتبارِها الحبيبةَ السابقةَ الوحيدةَ له حتى الآن ، فما زال لـ "كاثرين " قيمةٌ. وإذا حاول أحدٌ استخدامَها ضده ، فسيكونُ مستعداً ، لذا ظلت تحت المراقبةِ.
وصل المصعدُ سريعاً إلى الطابقِ المطلوبِ ، سار "لينش " إلى بابِ الشقةِ وطرقَه.
"من بالخارج ؟ "
جاء صوتُ "كاثرين " الحيويُّ من الداخلِ ، فالتوت شفتا "لينش " قليلاً دون إرادةٍ منه.
العواطفُ قد تكون غريبةً ؛ فقد يشعرُ المرءُ ببهجةٍ أو حزنٍ مفاجئٍ دون سببٍ واضحٍ.
لكن في تلك اللحظةِ ، شعر "لينش " بروعةٍ بالغةٍ. على الأقل ، لقد استمتعَ للتوِّ بالدردشةِ مع حارسِ البوابةِ.
"الذئبُ الكبيرُ الشريرُ! "
سقط شيءٌ ما على الأرضِ في الداخلِ تلاه شهقةٌ ، ثم انفتح البابُ.
وقفت "كاثرين " هناك بـ "شورت " أحمرَ ذي حوافٍ بيضاءَ وقميصٍ أبيضَ ، تحدّقُ في "لينش " بذهولٍ. مدت يدَها وقرصت وجنتَه ، ثم أطلقت صرخةً وقفزت بين ذراعيه.
ضحك "لينش " وهو يتراجعُ بضعَ خطواتٍ ، محتضناً إياها.
قالت بلهجةِ عتابٍ خفيفٍ "لم تخبرني أنك قادمٌ! هل كنتَ تحاولُ متفاجأتي ؟ "
"حسناً ، لقد نجحتَ في ذلك! "