هل تؤمن بأن الصداقة بين «جيفرا» و«الاتحاد» يمكن أن تدوم إلى الأبد ؟
اطرح هذا السؤال في الشارع ، وسيخبرك أكثر من 70% من مواطني الاتحاد بأن ذلك ضرب من المحال.
لم ينسَ الناس تلك المعركة البحرية المعروفة بـ «حرب صعود الاتحاد» ، ولا تدمير الأسطول الجيفري الذي كان يُعدّ يوماً لا يُقهر على يد بحرية الاتحاد.
وإذا كان من الممكن تسمية هذا الكره «صداقة» ، فما من معنى لوجود الكراهية في هذا العالم على الإطلاق.
وعلى العكس من ذلك يميل الناس أكثر إلى تصديق تنبؤات وسائل الإعلام بأن الحرب بين «جيفرا» و«الاتحاد» حتمية ؛ حربٌ ستعيد تشكيل النظام العالمي بأسره.
إن متعة المشاركة في مثل هذه اللحظة التاريخية تُثير حماسة الكثيرين داخل الاتحاد ؛ فقد أصبحوا جميعاً دُعاة حرب مُتعصّبين ، يترقبون اندلاع الصراع أكثر من أي وقت مضى.
وإذا كان سلام اليوم ليس سوى وهمٍ ، وكانت الحرب آتية لا محالة ، فإن «الاتحاد» و«جيفرا» يعيشان في جوهرهما حالة من العداء المستتر.
ومع ذلك وفي خضمّ هذا التيار الخفي من التنافس ، شهدت بعض السلع والخدمات الجيفريّة رواجاً مفاجئاً داخل الاتحاد حتى باتت صيحة منتشرة.
فعلى سبيل المثال ، أصبحت بعض العلامات التجارية للملحقات النسائية والأزياء حديث الساعة.
«يدّعي الكثير من هذه المتاجر أنها قد خدمت العائلة المالكة الجيفريّة لعقود ، وهم لا يبيعون الملابس الجاهزة أبداً ، بل يكتفون بالطلبات المصممة خصيصاً».
«سمعتُ أن جداول طلبات بعضهم قد امتلأت حتى نهاية العام. أيمكنك تصديق ذلك ؟»
«إن الناس يشترون قبل حلول الموسم بأشهر ، دون أدنى تفكير في صيحات الموضة المقبلة!»
حينما اتجه الحديث إلى الموضة ، أصبحت «فيرا» أكثر ثرثرة بشكل ملحوظ ؛ فقد كانت تلك سمة مشتركة بين نساء الاتحاد ، اللواتي لم يحملن عادةً أعباء الحياة الثقيلة ، وكان لديهن متسع من الوقت للانغماس في اهتماماتهن ، بينما تقع ضغوط الحياة اليومية في الغالب على عاتق الرجال.
لقد امتلكن وقتاً وفيراً لقراءة المجلات ومواكبة أحدث الصيحات.
ولم يقتصر الأمر على الطبقة المتوسطة ، بل شاركهم في ذلك أفراد من الطبقات الدنيا ؛ فالواقع أن مجلات الموضة الأكثر مبيعاً كل عام لم تكن تحظى بشعبية بين النخبة ، بل كانت موجهة إلى العامة.
«ما الذي يجذب الناس إليها في رأيكِ ؟» سكب «لينش» لـ «فيرا» كأساً أخرى من النبيذ ؛ كانت رائحة النبيذ وبريقه مسكرتين.
وبحكم كونها متزوجة وأكبر سناً من «لينش» كانت «فيرا» أكثر تحفظاً عندما يكونان بمفردهما ؛ فهي ليست كـ «بيني» ، تلك الفتاة الجريئة الجامحة من العصر الجديد التي كانت تتجاوز «لينش» نفسه في تصرفاتها الجريئة.
لقد نضجت «فيرا» التي تناهز الثلاثينيات من عمرها ، قبل صعود الحركات والمنظمات النسوية في الاتحاد ؛ فظلت امرأة تقليدية ، محافظة ، منطوية ، وخجولة بعض الشيء. وما لم يقُدها شريكها بجرأة ، فمن المرجح أنها تفضل النمط التقليدي في العلاقة الحميمة.
وهنا يأتي دور الكحول ؛ فبأثره ، يميل الناس إلى التخلص من قيودهم الاجتماعية وكشف حقيقتهم.
خلف كأس النبيذ ، احمرّ وجه «فيرا» بلون النبيذ ذاته. ضمّت وجنتيها الملتهبتين برفق وهمست: «العائلة المالكة.. هناك شيء غامض ومغرٍ في هذه الكلمة».
لقد أصابت كبد الحقيقة ؛ العائلة المالكة!
أومأ «لينش» بالموافقة: «بالضبط ، العائلة المالكة».
«إن مواطني الاتحاد يشعرون في أعماقهم بعدم الأمان. ومهما حاولنا تجميل ماضينا ، يظل تاريخنا قصيراً. وحتى مع كل ما نتمتع به من قوة حالية ، هناك أشياء لن نتفوق فيها أبداً على الآخرين».
«التاريخ ، والثقافة الفريدة ، والفكر المجتمعي».
قام «لينش» بتدوير كأسه برفق ، مراقباً السائل الأحمر وهو يخطّ حافة الكأس قبل أن يعود ببطء إلى القاع. وأضاف: «لذا يبحث الناس لا شعورياً عن طرق لتزيين أنفسهم».
لن يعترف رأسماليو الاتحاد بأنهم معجبون بالنبلاء الجيفريين ، لكن هذا ليس سوى خداع للذات. إن المكانة الخاصة لعائلة «أرجينيل» في الاتحاد تثبت أن الطبقة الراقية هنا مفتونة تماماً بالنبلاء.
ومهما سقط النبيل ، يظل نبيلاً ، ومهما ثري العامي ، يظل عامياً ؛ فتلك فجوة لا يمكن ردمها بالمال أو السلطة.
قد لا يعلنون ذلك لكنهم في أعماقهم يحسدونهم.
تماماً كما يحدث الآن ؛ فالعلامات التجارية التي كانت يوماً تلبي احتياجات النبلاء والملوك حصراً وصلت فجأة إلى الاتحاد ، لتصبح محط أنظار الجميع. أراد الناس استخدام المال لمحو تلك الفجوة.
لكنهم لم يستطيعوا.
تأثرت «فيرا» قليلاً. حيث كان «لينش» يعلم الكثير لدرجة أنها شعرت بشعور غريب ؛ وكأنه لا يوجد شيء يجهله ، ولا شيء يمكن أن يقف في طريقه.
لقد كان إعجاباً تضخمه الكحول ويُحفر في أعماق قلبها.
قالت بابتسامة ناعمة: «أنت تعرف الكثير حقاً ، وهذا ليس تملقاً ، بل أعني ما أقول».
مع تناول بضعة كؤوس ، أصبح الحديث أكثر انسيابية ، واستمرّا في الشرب لبعض الوقت.
ثم وضع «لينش» كأسه فجأة وقال: «سأشتري لكِ بضع قطع جديدة لاحقاً ، ولا تتسرعي بالرفض».
«بما أن هذه الصيحة تنتشر في المجتمع الراقي ، فهذا يعني أنها ستصبح المعيار الجديد ؛ على الأقل حتى نهاية العام».
«إنها وسيلة جديدة للحكم على الأشخاص. أنتِ تمثلينني ، ولا نريد أن نشعر بالحرج لمجرد أن الآخرين يملكون ما لا تملكينه ، أليس كذلك ؟»
كان إقناع «لينش» فعالاً ؛ ترددت «فيرا» لكنها لم ترفض.
لقد نادراً ما كانت ترد له طلباً عندما يكونان معاً.
لاحقاً ، توجها إلى أكثر أحياء «إيميننس» صخباً. وفي أكثر الطرق ازدحاماً كانت هناك مجموعة من العلامات التجارية الجيفريّة متقاربة.
ورغم أنها متاجر أجنبية من الناحية الفنية إلا أن وجودها في تجمع واحد جعلها تبدو قوية بشكل غريب.
اختاروا متجر ملابس كُتب عليه بفخر: «نخدم العائلة المالكة منذ 300 عام». وبينما كانا يدخلان ، مازحها «لينش»: «انظري إلى ذلك لقد خدموا العائلة المالكة منذ زمن أطول من عمر الاتحاد نفسه».
عبس شابّان كانا يمران بجانبهما ، لكنهما لم يفعلا شيئاً.
وبمجرد دخولهما ، اعترض طريقهما أحدهم: «عذراً يا سيدي ويا سيدتي ، هذا المتجر مخصص للأعضاء فقط...»
قاطعه «لينش»: «ألا تعرفني ؟ سأعطيك فرصة أخرى لتفكر ملياً».
تجمد الموظف ، ونظر إلى «لينش» بتركيز ، ثم بدت عليه الصدمة فجأة وتراجع جانباً: «أعتذر ، أيها البارون. أعتذر بصدق عن وقاحتي» ، قال ذلك وهو ينحني بعمق.
رفع «لينش» يده عرضاً: «هل يمكنني الدخول الآن ؟»
تراجع الموظف تماماً ، وما زال منحنياً: «بالطبع يا سيدي».
دخلت «فيرا» مع «لينش» وهي في حيرة من أمرها. ورأت الموظف يسحب حبلاً مخملياً أحمر عبر المدخل لمنع الآخرين من الدخول.
وما إن دخلا الردهة حتى اقترب منهما رجل وامرأتان يرتدون ملابس الخدم الجيفريين التقليديه ، وكان الخادم يضع باروكة على رأسه.
لا بد من القول إن مواطني الاتحاد ينجرفون حقاً خلف هذا النوع من المظاهر.
كان الخادم أكثر ذكاءً من موظف الاستقبال ؛ فبابتسامة متواضعة وانحناءة خفيفة ، رحب بهما باللغة المشتركة بلكنة جيفريّة واضحة ، ثم قادهما للجلوس في منطقة الاستراحة.
كانا الزبونين الوحيدين في المتجر. وبعد وقت قصير من جلوسهما ، قُدّمت لهما أنواع من شاي الأعشاب والمعجنات حتى إن الخياط خرج لاستقبالهما شخصياً.
«أيها البارون ، إنه لشرف لي أن أخدمك وهذه السيدة» ، قال الخياط العجوز الذي يناهز الستين ، وهو ينحني قليلاً بينما يضع نظارته. أدهش هذا «فيرا» أكثر.
مالت نحو «لينش» وهمست: «هل أخطأوا في هويتك ؟ أم أن هناك شيئاً لا أعرفه ؟»
لم يُعلن لقب «البارون» الذي يحمله «لينش» على نطاق واسع في الاتحاد. ومن الواضح أن هذه كانت طريقة الإمبراطور الجيفري للسخرية من «لينش» ورئيس الاتحاد معاً.
دبلوماسيكم أصبح نبيلاً في الإمبراطورية ؛ فأي الطرفين أكثر إهانة ؟
بالطبع ، بالنسبة لشخص لا يبالي ، لن يهم الأمر. و لكن بالنسبة للاتحاد لم يكن هذا أمراً يدعو للفخر ، لذا تم تقليل شأن الأمر في وسائل الإعلام المحلية ، ولم تكن هناك تقارير تُذكر ، ولم يعرف عامة الناس شيئاً ، وحتى النخبة الذين كانوا على دراية بالأمر لم يهتموا بنشره.
ابتسم «لينش». كان الحفاظ على مسحة من الغموض أحد أفضل الأدوات في العلاقات. و نظر إلى الخياط وقال: «أريد ثلاث طقم ملابس لهذه السيدة التي بجانبي ؛ واحد للصيف ، وآخر للخريف ، وثالث للشتاء».
«بالطبع!» دعا الخياط «فيرا» للوقوف كي يأخذ قياساتها ويبدأ في إعداد ملف خاص بها. ثم عاد ومعه العديد من المجلدات.
«هذه هي الأنماط الأكثر رواجاً في جيفرا هذا العام. لا تترددي في تحديد ما تفضلينه». بعد أن قال ذلك تراجع جانباً ، مما جعل «فيرا» تشعر ببعض عدم الارتياح.
فبعد أن عاشت طويلاً في بلد حيث الحرية والمساواة شائعتان كالهواء المعطر برائحة الفراولة ، وجدت هذا الإحساس الصارخ بالتسلسل الهرمي مزعجاً.
كما لاحظت العدد الكبير من كتالوجات الأزياء الملقاة أمامها: «ألسنا سنختار ثلاث قطع فقط ؟»
مال «لينش» نحوها وهمس: «كل طقم يتضمن قطعاً متعددة ؛ للعمل ، وللخروجات غير الرسمية ، وفساتين السهرة...»
دغدغت أنفاسه أذنها ، مما أثار شعيرات عنقها. تراجعت «فيرا» غريزياً قليلاً: «هذا يسبب الدغدغة...»
استغرق اختيار الأنماط وقتاً ، خاصة وأن «فيرا» كان لها ذوقها الخاص.
لم يعودا إلى الفيلا إلا بعد العاشرة.
أيقظ وصولهما الصبي الصغير الذي كان بانتظار «فيرا» ؛ حيث وقف في الطابق الثاني بملابس النوم ، يتطلع للأسفل بآمال كبيرة. وعندما أُضيئت الأنوار ورأى «لينش» بجانب والدته توقف للحظة ، ثم تثاءب فجأة.
«استيقظت للتو لاستخدام الحمام. ليلة سعيدة يا أمي. ليلة سعيدة سيد لينش...»