أسهبَ عالِمُ اللاسلكيِّ العِصاميُّ في شرحِ نتائجِ أبحاثِهِ لـ "لينش " بجديةٍ بالغة ، مُتأملاً الحصولَ على مزيدٍ من التمويل ، مُستخدماً سيلاً من المصطلحاتِ التقنيةِ التي استعصى على "لينش " فكُّ رونياتِها.
لكنَّ "لينش " لم يُبالِ ؛ بل اكتفى بالإنصاتِ وهو يُقلِّبُ الوثائقَ المكتوبةَ بخطِّ اليدِ التي استخرجها العالِمُ من حقيبتِهِ البالية.
لقد عاصر "لينش " الكثيرَ في حياتِهِ ، وتذكرَ ذاتَ مرةٍ صديقاً له كان يمتلكُ شركةً تقنية. وفي أثناءِ اجتماعِ عملٍ بمكتبِ ذلك الصديق ، دخلَ أحدُ الموظفين من القسمِ التقنيِّ ليُقدِّمَ تقريراً. حينها توقفَ الصديقانِ عن الحديثِ وأصغيا للتقريرِ المليءِ بمصطلحاتٍ لا تُفهم. دُهش "لينش " ؛ فهو يعلمُ أنَّ صديقَهُ لم ينلْ قسطاً يُذكرُ من التعليمِ الرسميِّ ، بل لم يُكملِ المرحلةَ الابتدائيةَ حتى. ومع ذلك كان يومئُ برأسِهِ بهدوءٍ طوالَ عرضِ التقرير ، وكأنَّهُ يستوعبُ كلَّ كلمةٍ فيه.
كأنَّهُ قادرٌ حقاً على الفهم.
وفي محادثاتٍ لاحقة ، تعلَّمَ "لينش " درساً قيِّماً من ذلك التاجرِ غيرِ المتعلم: في الصناعاتِ عاليةِ التقنية ، ليس المالُ هو العنصرَ الأهمَّ دائماً. و بالطبعِ هو ضروريٌّ ، فلا يمكنُ تطويرُ أيِّ تقنيةٍ من دونِهِ ، لكن بالنسبةِ للمدير ، امتلاكُ المالِ لا يعني امتلاك كلِّ شيء.
غالباً ما يكونُ للتقنيين مِزاجٌ متقلب ، كما أنَّ المجالاتِ المتطورةَ تجذبُ المستثمرين والمؤسساتِ التي تتسابقُ لاستقطابِ المواهب. لذا حين تتواصلُ مع هؤلاء ، يجبُ عليك أن تُظهرَ بمظهرِ من يفهمُهم -حتى وإن كنتَ في الواقعِ لا تفقهُ مما يقولونَ شيئاً- وأن تجعلَ الأمرَ يبدو وكأنَّكَ تحتفظُ برأيِكَ لنفسِكَ في الوقتِ الراهن.
لا تسمحْ لمرؤوسيكَ أبداً بأن يستخفُّوا بك ، في أيِّ قطاعٍ كان. ففي مجالِ التقنية ، إذا اعتقدَ مرؤوسُكَ أنَّكَ أقلُّ منهُ شأناً ، فسوف يرحلُ قريباً ؛ فلا أحدَ يرغبُ في العملِ لدى من يظنُّ أنَّه يُعيقُ تقدمَهُ في مِضمارٍ سريعِ الخطى.
أما في الصناعاتِ الأخرى ، فإنَّ استخفافَ الآخرين بك يعني أنَّ مرؤوسيكَ قد يحاولونَ تقويضَ مكانتِكَ. فرأسُ المالِ -والذين يتاجرون به- لا يعرفونَ الرحمة ، و "لينش " هو الاستثناءُ من هذه القاعدة.
لهذا السبب كان "لينش " يتصرفُ كما يفعلُ الآن ، لكنَّهُ كان أكثرَ تعليماً بكثيرٍ من ذلك الصديقِ القديم حتى إنَّهُ كان يقاطعُ العالِمَ بين الحينِ والآخر بمصطلحٍ تقنيٍّ ذي صلة ، ممَّا يضطرُّ العالِمَ للتوقفِ والتفكير. وبالطبع لم تكن هذه الحِيَلُ تنطلي إلا على الهواةِ أمثالِ هذا العالِم.
ما العملُ بعد ذلك ؟
ببساطة ، هناكَ في هذا المجالِ وخارجَهُ مجموعةٌ من المحترفين ذوي المهاراتِ العاليةِ لا يكترثونَ كثيراً للعلم ، بل يهمُّهم المال ، والمزيدُ من المال.
في منتصفِ محادثتِهما ، رنَّ الهاتفُ في الغرفة. وضع "لينش " الوثائقَ جانباً وأشارَ بيدِهِ قائلاً "لحظةً واحدة ، سأجيبُ على هذه المكالمة ". توجهَ نحو الزاويةِ والتقطَ سمّاعةَ الهاتف ، وكان المتصلُ السيد "ترومان ". وما إن ردَّ "لينش " حتى انفجرَ صوتُ "ترومان " عبر السماعة "هل لديكَ وقتٌ ؟ ".
كانت نبرتُهُ حادةً ، كشخصٍ يكتمُ غضباً لا يجدُ له منفذاً. و أدرك "لينش " فوراً أنَّ الأمرَ يتعلقُ بما قاله "كارل " -حيث وجَّه "ترومان " ضربةً للمجموعاتِ الماليةِ الكبرى- ولكنَّه لم يخرج من تلك المعركةِ سليماً تماماً. حيث كان واضحاً أنَّه أجبرَ العمالقةَ الماليين على التخلي عن مشاريعِهم الصغيرة ، لكن هل سيقفونَ مكتوفي الأيدي ؟ مستحيل. بل سيردُّونَ الصاعَ صاعين ، وربما فعلوا ذلك بالفعل.
سأل "لينش " مباشرةً "ماذا حدث ؟ ".
أجابه "ترومان " بجوابٍ تفاجأ "لينش " بعد صمتٍ قصير "تعالَ لنتناولْ مشروباً... ".
وافق "لينش " ثم سأل "هل لديكَ مَن تثقُ به في التقنيةِ العسكريةِ من طرفِكَ ؟ ".
"نعم ، لِمَ تسأل ؟ ".
شرح "لينش " الموقف ، فاستحضرَ "ترومان " سريعاً المعارضَ التي حضراها معاً. ففي كلِّ عام ، تزدهرُ أنواعٌ مختلفةٌ من المعارضِ في أرجاءِ الاتحاد ، ويحبُّها الناسُ -أغنياءَ كانوا أم فقراء- طالما أنَّهم يجدونَ فيها المتعة. وقد تطورَ بعضُها ليصبحَ مهرجاناتٍ احتفاليةً ، مثل أجناسِ سياراتِ الفقاعاتِ التي باتت أيقونةً بحدِّ ذاتِها.
وفي المدنِ ذاتِ التضاريسِ الجبليةِ حيثُ المنحدراتُ الشاهقة ، ابتكرَ الناسُ فعالياتٍ طريفة ؛ إذ يسكبونَ الماءَ والصابون على المنحدر ، ثم يجلسونَ في الأعلى داخلَ سياراتٍ بلا عجلات ، وتتاسبقُ مجموعاتٌ من ثلاثةٍ إلى خمسةٍ نحو الأسفل ، ومن يقطعُ خطَّ النهايةِ أولاً يفوز.
تحولت هذه المعارضُ إلى استعراضاتٍ مليئةٍ بالمرح ، تجذبُ آلافَ الزوار. وفي أحدِ هذه المعارض التي أشبهُ ما تكونُ بكرنفال ، استثمر "لينش " عشرةَ آلافٍ في هذا العالِمِ اللاسلكي ، وهو ما تذكَّره "ترومان " جيداً.
بالنسبةِ لـ "ترومان " لم يكن هؤلاء العِصاميون علماءَ حقيقيين ؛ إذ يفتقرونَ للمعرفةِ التخصصيةِ والمواردِ -من مالٍ وأدواتٍ وكوادر- التي تمتلكُها المؤسساتُ الرسمية ، ونادراً ما تكونُ نتائجُ أبحاثِهم ذاتَ قيمة. ومع ذلك فقد رتَّبَ لشخصٍ من الجيشِ ، متخصصٍ في هذا المجال ، ليلتقيَ بالرجلِ الذي أشار إليه "لينش ".
بعد المكالمة ، عاد "لينش " إلى الأريكة. همَّ العالِمُ بالكلام ، لكنَّ "لينش " أشارَ إليه بالتوقفِ وهو يجمعُ الوثائق "لا تقلق ، لقد تحدثتُ للتوِّ مع أحدِ المعنيين في الجيش ، وهم مهتمون بأبحاثِكَ ، لكنَّ عليكَ أن تُقنعَهم. هل فهمتَني ؟ ".
تجمَّد العالِمُ في مكانِهِ ، ثم غمرتْهُ موجةٌ من التأثر ؛ فلو حظيَ عملُهُ باعترافِ الجيشِ وطُبِّقَ في الميدان ، لكانت كلُّ سنواتِ معاناتِهِ قد أثمرت. لم تذهبْ تضحيتُهُ بابتعادِهِ عن زوجتِهِ وعزلتِهِ في الجبالِ سُدًى. ارتجفت يداه وقال "السيد لينش... لا أدري ماذا أقول! ".
مدَّ يدهُ مصافحاً ، لكنَّه ترددَ للحظة ، فسارعَ "لينش " بمصافحتِهِ أولاً.
بعد وقتٍ قصير توقفت سيارتانِ خارجَ منزلِ "لينش " فخرجَ "لينش " والعالِمُ لاستقبالِهما. حيث كانت سطوةُ "ترومان " في الجيشِ واضحةً ؛ فبمجردِ تقديمِ "لينش " أخذ جنديانِ وثائقَ العالِمِ ودعواهُ لمناقشةِ اختراعاتِهِ في قاعدةٍ بحثية.
في واقعِ الأمر كان الجيشُ يبحثُ في تقنياتٍ مشابهة. ففي السابق كان الاستطلاعُ يعني اعتراضَ الإشاراتِ اللاسلكية ، وإذا ما التزمَ العدوُّ الصمتَ أو عملَ في مناطقَ مُشوَّشةٍ إلكترونياً ، ضاعَ كلُّ شيءٍ خلفَ حدودِ الرؤية. حيث كان جيشُ الاتحادِ يُطوِّرُ استراتيجيهِهِ ؛ فإذا تمكنوا من كشفِ الأعداءِ وضربِهم من خارجِ المدى البصري ، فسيتمكنونَ من انتزاعِ زمامِ المبادرةِ في الحرب.
لقد كشفت معاركُهم البحريةُ مع "جيفرا " عن ثغراتٍ كثيرة: نقصٌ في خبرةِ القتالِ واسعِ النطاق ، غيابُ مهاراتِ حروبِ المدن ، وفقدانُ الخبرةِ في مهاجمةِ الموانئ... ثغراتٌ لا يمكنُ سدُّها بين ليلةٍ وضحاها. فالعالمُ في حالةِ سلم ، ولا يمكنكَ ببساطةٍ أن تجدَ شخصاً لتحاربَه.
لكنَّ كونَنا في زمنِ السلمِ لا يعني تجاهلَ هذه المعضلات ، لذا طُرِحَ مقترحٌ داخلَ الجيشِ لاستخدامِ التقنيةِ والإجراءاتِ المعياريةِ لتعويضِ نقصِ الخبرةِ القتالية. مرَّت الفكرةُ عبر الكونغرس بسرعة ؛ ففي النهاية ، حين يطلبُ الجيشُ زيادةً في المشترياتِ وتمويلِ الأبحاث ، يكونُ متعاقدو الدفاعِ هم المستفيدين الأوائل. وكما يعلمُ الجميع ، فإنَّ معظمَ أعضاءِ اللجنةِ المسؤولين عن إقرارِ الميزانياتِ لهم ارتباطاتٌ بتلك المجموعاتِ ذاتِها.
بموافقتِهم على خطةِ الجيش ، حققَ المشرعون مكاسبَ كبيرةً لأنفسِهم ، دونَ خلقِ أعداءٍ جدد - فلماذا يرفضون ؟
نعم ، وهي حقيقةٌ معلومةٌ أيضاً: دافعو الضرائب لا رأيَ لهم في الأمر...
بعد أن رأى "لينش " الأفرادَ العسكريين يأخذونَ عالِمَ اللاسلكي ، التفتَ إلى "ترومان " الجالسِ في السيارةِ وأشارَ إلى منزلِه "ألم نكن سنحتسي المشروبَ معاً ؟ ".
هزَّ "ترومان " رأسَهُ "بالخارج ".
كان من الواضحِ أنَّ مزاجَهُ ليس على ما يرام ، فلم يُجادلْهُ "لينش " وركبَ السيارة. وبينما كان "ترومان " يُشغِّلُ المحركَ ، سأل "هل تعرفُ أماكنَ اعتدتَ الترددَ عليها ؟ ".
أعطاه "لينش " عنواناً. وبعد وقتٍ قصيرٍ وصلا.و حيث بقي "ترومان " في السيارةِ يحدقُ في المبنى المزخرفِ بفخامة ، حيثُ لافتةٌ نيونيةٌ تتلألأُ على شكلِ حذاءينِ نسائيينِ أحمرين ، وعجزَ عن الكلامِ للحظة.
"هذا هو المكانُ الذي اخترتَه ؟ " ارتفعَ صوتُهُ قليلاً. "ملهى تعرٍّ ؟ ".
لم يتمالكْ نفسَهُ من الضحكِ وهو يتحدث ، ثم أطفأ المحركَ وسحبَ المفاتيح "حسناً ، هذا سيفي بالغرض ".
تجاهلَ الاثنانِ وجودَ أشخاصٍ يخرجون من سياراتٍ مجاورةٍ ويتحلقونَ حولَهم. أحياناً ، عندما يمتلكُ الرجلُ أشياءَ لا يمتلكُها الآخرون -من ثروةٍ ، ومكانةٍ ، وسلطة- فإنَّهُ حتماً يتخلى عن شيءٍ ما في المقابل.
لم يأتِ المساءُ بعد ، فلم يكنِ الملهى قد فُتح بالكامل ، لكنَّ عروضَ الإحماءِ كانت قد بدأت. دخلا الملهى وتبادلا بعضَ الأوراقِ النقديةِ عند المدخل -عملاتٍ فئةَ الواحد والاثنين والخمسة. تولى "لينش " الأمرَ بنفسِه ، مُبدلاً ألفاً كاملة.
"لم أزرْ مكاناً كهذا منذ تخرجي من الأكاديمية... " قال "ترومان " وهو يقفُ في الردهةِ الرئيسية ، مستشعراً بعضَ الحنينِ وهو يأخذُ نفساً عميقاً.
كان الهواءُ مُفعماً بخليطٍ غريبٍ من الروائح: دخانُ السجائر ، والعطور ، والكحول ، وشيءٌ آخر يثيرُ الغرائزَ خفيةً. كلُّ ذلك امتزجَ معاً ، هائماً في الأجواءِ لا مفرَّ منه. يسميه البعضُ قذارة ، ويسميهِ آخرون رغبة.