الفصل 493: حوادثُ تتكررُ كل يوم
كانت المقابلة مع عائلات الناجين الأثرياء ناجحةً للغاية. وعلى الرغم من أن "لينش " تحدث قليلاً وأخذ يفكر في إمكانية الاستعانة ببعض الناشطات النسويات إلا أن المقابلة سارت على ما يرام في مجملها.
إن المجتمع الدولي ، بما في ذلك أولئك الذين في "الاتحاد " والذين بدؤوا في التدخل ، لا يأبهون في حقيقة الأمر بحياة الفقراء الأجانب ، ولا يكترثون إن كان الفقراء في أماكن أخرى يعيشون حياة أفضل أو أسوأ. ومهما كانت الحقيقة ، فإن الجميع يعتقدون أنهم هم الأكثر احتياجاً للمساعدة ، وإذا كان هناك من يعاني حقاً ، فلا بد أنهم هم أنفسهم.
لا يصب الناس تركيزهم إلا على القضايا التي تمس الأثرياء ؛ لأن تلك القصص تثير قدراً أكبر من التعاطف. أما القصص التي تدور حول السكان المحليين من الطبقات الدنيا ، والذين ينظر إليهم الكثيرون على أنهم لا يختلفون عن الهمج ، فلا تجد لها صدى. إذ لا يدرك الناس فداحة ماذا يجري إلا من خلال مصائب الأثرياء الأجانب. فإذا كان الأثرياء أنفسهم يعانون ، فهذا يعني أن الأمر جلل هذه المرة. وكما يقال "إذا أردت أن تعرف وزن الحدث ، فانظر إلى من يضطرب له ".
بمجرد نشر هذه التقارير ، اجتذبت على الفور اهتماماً دولياً واسع النطاق ، وانشغل الناس بالجدل حول ما إذا كانت الاضطرابات في "ناغاريل " بمثابة إنذار.
في بلد آخر كانت أمٌ وابنها يطالعان الأخبار.
"سيمون... " كانت المرأة التي تتأنق في ملابسها وتبدو في الأربعين من عمرها ، أكبر سناً مما توحي به هيئتها. وبفضل المبالغ الطائلة التي يرسلها زوجها سنوياً كانت تعيش هي وابنها في رغدٍ ورفاهية ، ويبدوان بصحة جيدة ومظهرٍ مُعتنى به. حيث كانت تنفق جل المال على التجميل والترف ، موظفةً مصفوفتي شعر وخبراء تجميل ومدربي لياقة بدنية ، بل وحتى أخصائيين للعناية الحميمة. ورغم أن المال لا يوقف زحف الزمن إلا أنه جعلها تبدو أصغر من معظم قريناتها.
وبالقرب منها كان شاب واثق من نفسه يجلس على الأريكة ، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ، يتناول تفاحة. وعندما سمع والدته تنطق باسم الرجل ، عقد حاجبيه. فهو لم يكن يكنّ لأبيه الذي هجرهم للعمل في الخارج سوى مشاعر الامتنان حين تضيق به السبل وتنفد أمواله ، أما في معظم الأوقات ، فكان لا يشعر تجاهه إلا بالضجر ، رغم استمتاعه بنمط الحياة الذي توفره أموال أبيه.
سأل الشاب بلامبالاة "ما خطبه الآن ؟ أذكر أنه كتب لنا رغبتَه في العودة ".
كان الشاب ناجحاً في ظنه ؛ فقد كان يمتلك شركته الخاصة رغم خسائرها السنوية ، وكانت أموال "سيمون " تبقيها طافية وتمنحه خبرة اجتماعية. وبطريقة ما كان يرى في تبديد أموال "سيمون " نوعاً من العقاب ، ووسيلةً لتوبيخ أبيه على هجرهم.
فقدت المرأة تركيزها للحظة ، ثم تملّكها الذعر. وجهت الصحيفة نحوه ، وقالت بصوت يرتجف "يقول الخبر إن أباك قد مات في ناغاريل! "
تجمّدت ابتسامة الشاب الساخرة ، وحلّ محلها ذهول ثم رعب وهو يقرأ المقال. حيث كانا يعلمان أن حياتهما المريحة تعتمد كلياً على الحوالات المالية التي يرسلها "سيمون " وقد ألفا ذلك واعتبروه حقاً مكتسباً ، مستمتعين بالمال ومُقنعين أنفسهما بأن إسرافهما هو عقاب لـ "سيمون " على إهماله لهما. وفي بعض الأحيان كانت رسائلهما تحمل قسوةً تصل إلى حد قول "أتمنى لو كنت ميتاً " أو "أود أن أؤمن أنك لم توجد قط " ؛ وذلك لإيذاء "سيمون " وإرضاء مشاعرهما الملتوية.
لكن "سيمون " مات حقاً ، وبالنسبة لهما كانت تلك كارثة. ستفقد المرأة كل شيء: مدربيها الشخصيين ، وخبراء التجميل ، والعلامات التجارية الفاخرة ، والقدرة على التباهي بالثراء أمام أوساط المجتمع الراقي. ستكبر في السن وتفقد جمالها ، والأسوأ من ذلك أن عشيقها الذي يصغر ابنها سناً ، سيهجرها بمجرد نفاذ مالها.
أما الشاب فقد تملّكه الذعر أيضاً ؛ فشركته لم تكن تصمد إلا بفضل دعم "سيمون " غير المشروط. حيث كان يظن أن الخسائر جزء من النضج ، وأنه سيكتسب الحكمة مع الخبرة. و لكن للأسف ، لن يشهد ذلك اليوم أبداً ؛ فالابن الذي علّق "سيمون " عليه آماله لن ينضج. وإذا لم يتمكن من سداد ديونه بحلول مطلع العام المقبل ، فسيخسر مصنعه وشركته ومنزله وسيارته وكل مقتنياته الثمينة. لم تكن أمواله الحالية تغطي فواتيره أو تكاليف حياته ، فواجه شبح الإفلاس والعمل في المصانع بقية حياته لسداد الديون.
خطف الصحيفة من يد أمه ، وقرأها بجدية ، وقد استبد به اليأس. ذكر المراسل المحلي أن "سيمون " كان رجل أعمال ناجحاً من بلدهما ، مما جعل القصة قريبة إلى نفسه. وتأكد له أن المقصود هو والده العجوز "سيمون ".
لحسن الحظ ، منحته الفقرة الأخيرة من المقال بصيصاً من الأمل ، فأشرق وجهه الكئيب بفرح محموم.
"أرأيتِ يا أمي ؟ يقول إنه يملك مصانع ومتاجر هناك ، إنه رجل أعمال ناجح يمتلك الكثير من المال. و هذا المال من حقنا! "
التفت إلى أمه بتعبيرات وجه ملتوية ، مشيراً إلى نص المقال "يجب أن نذهب إلى هناك بسرعة لنطالب بما هو لنا ، وإلا سيستولي عليه شخص آخر! "
استجابت المرأة وكأنها غريق وجد طوق نجاة ، ونهضت مسرعة. وبينما كانت تقرأ النص المرتجف ، أومأت برأسها مراراً "أنت محق يا بني... "
في ذلك المساء ، حجزت الأم وابنها أربع تذاكر إلى "ناغاريل ". وبعد عشاء فاخر ، استقلا السفينة للمغادرة. تضمنت التذاكر الأربع واحدة لمحامٍ كبير مختص بنزاعات الميراث ؛ فإذا نجحت الدعوى القضائية ، سيحصل على 40% من تركة "سيمون " كأتعاب ، وفقاً لعقدهما. أما التذكرة الرابعة فكانت لكلبهما ، وهو من قبيله نادرة وصغيرة تُدعى "ملازم " يبلغ طوله حوالي 20 سنتيمتراً دون احتساب الذيل ، ويُقال إن زوجة الرئيس في بلدهما تمتلك كلباً من نفس القبيله.
في غضون ذلك كانت أحداث غير متوقعة تتكشف في "الاتحاد ".
بدا الدبلوماسي "الناغارايلي " متجهّماً ؛ فقد تلقى برقية في منزله تتهمه بخيانة المصالح الوطنية وتطالبه بتقديم تقرير فوري. وجاءت برقية أخرى من صديق سري ، تكشف أن العائلة المالكة قد اعتقلت أقاربه سراً ؛ والدته وإخوته ، لكنها لم تعتقل والده. حيث كان وضعهم مجهولاً ، لكنه بلا شك قاتم.
مما لا شك فيه أن هذه الاضطرابات الداخلية سببها ذلك الرجل. حيث كان يشعر بالحيرة: فمن ناحية كان مسؤولو "الاتحاد " عديمو الحياء يحاولون إقناعه ، وعندما عجزوا أرسلوا من يثير المشاكل في "ناغاريل " ؛ ومن ناحية أخرى ، أدهشه قدر الاهتمام الذي يوليه له "الاتحاد ". إنه شعور متناقض ؛ ففي معظم الأحيان ، لا يعدّ الاعتداد بالنفس إلا عزاءً للعاجزين ، لكن المواهب الحقيقية تجد دائماً من يلاحظها. و لقد قدّر الاهتمام ، لكنه لم يقدّر الطريقة التي اتُبعت.
"طالما انضممت إلينا ، فلن تشكل أي من هذه الأمور مشكلة ". كان ظهيرة يوم دافئ ، ومع اقتراب شهر نوفمبر ، بدأت برودة الجو تشتد في "الاتحاد " سريعاً.
كان الناس قد ارتدوا معاطفهم الواقية ، بمن فيهم السيد "ترومان ". كان عملاء "الاتحاد " يفضلون هذا الزي لدرجة أنك تستطيع تمييزهم فوراً وسط الحشود.
ابتسم الدبلوماسي ابتسامة ساخرة وقال "هل عليّ أن أشكركم لمنحي فرصة أخرى ؟ " كان يقصد أنهم لم يقضوا عليه تماماً ، ولم يجدوا طريقة لجعل العائلة المالكة تقتل عائلته بأكملها لتجبره على التمرد عليهم ، أو يستخدموا أي وسيلة أخرى متطرفة لا رجعة فيها لتسوية نزاعهم.
هز السيد "ترومان " رأسه وقال "أتعلم ؟ لقد تم تعيين ابن الرئيس السابق رسمياً سفيراً لـ "الاتحاد " لدى مملكة ناغاريل ".
"لم أسمع بذلك! " تتفاجأ الدبلوماسي. لم يُعلن الخبر للجمهور بعد. ورغم أنه بحلول المساء سيعرف كل من يجب أو لا يجب أن يعرف إلا أنه لم يُكشف عنه بعد لأن جلسة البرلمان لم تنتهِ.
هز السيد "ترومان " كتفيه "إنه شاب بارز ، وقد بدأ بالفعل في السير نحو أهدافه في الحياة. وأنت أيها الدبلوماسي ، متى ستجد وجهتك الحقيقية في الحياة ؟ "
"الوجهة الصحيحة ؟! "