Switch Mode

كود بلاكستون 417

كلمات حلوة +


الفصل 417: كلماتٌ مُعسّلة

في المعتاد ، حين يجد المرءُ نفسَه في الموقف الذي كان يواجهه "لينش " فإنّه سيتصرّف بهدوءِ النبلاء ، ملمّحاً للفتاة بطريقةٍ لبقة عن الأسباب التي تجعل الخادمة ترفض مغادرة المكان. و لكنّ "لينش " لم يكن رجلاً عادياً ؛ فقد كان جوابه مباشراً: «والدكِ يخشى أن أركبَ معكِ ما لا يليق ، لذا فقد رتّب للأمرِ مَن يراقبني».

أدركت الفتاة سريعاً ما قصده "لينش " بكلمة «ما لا يليق» ، فجزّت على أسنانها بضيقٍ وقالت: «لماذا يفعل ذلك ؟ إنه يشعرني بالعجزِ والحرج يا لينش!». كانت "سيفيريلا " قد تجاوزت العشرين من عمرها ، وهي في حقيقة الأمر امرأةٌ ناضجة ، ومع ذلك ما زال والدها يشدد قبضته عليها حتى إنه يضع مَن يراقبها وهي تتحدث مع "لينش ". جعلها هذا تشعر بأنّ حُرمتها منتهكة ، رغم أن هذا الشعور كان يلازمها دائماً.

لم تستطع "ماريجو " الصمتَ أكثر ، وحاولت التبرير ، لكن "لينش " قاطعها: «لأنه يحبك. الجميع يحبونكِ». وأضاف: «هو لا يريدكِ أن تتأذي ، لذا فإنه...» ، نظرت الفتاة إلى "لينش " وأكملت الجملة نيابةً عنه: «... ماريجو».

أومأ "لينش " متابعاً: «لهذا السبب تلازمكِ ماريجو دائماً في الغرفة. لا أحد يريد إيذاءكِ أو الإساءة إليكِ. وإذا كنتِ تشعرين بالضيقِ لدرجةِ إحراج "ماريجو " أو التشكيك في نوايا السيد والسيدة "وادريك " بسبب ذلك فإن الشخص الحقيقي الذي يسيء إليكِ هو أنتِ ذاتكِ. لا ينبغي لنا أن نقابل الإحسانَ بالإساءة حتى وإن بدت طرائقُهم صعبةَ التقبّل».

لم تكن "سيفيريلا " محدودةَ الذكاء ؛ بل كانت أذكى من معظم الفتيات في جوانبَ كثيرة. حيث كان وضعُها ببساطةٍ أنها لم تختبر قط مثل هذا التحكم الصارم ؛ تماماً كما قد تشعر أمهرُ النساء بالضياع عند الإنجاب للمرة الأولى. فالأمر لا علاقة له بالذكاء أو القدرة الشخصية أو القوة مختلة ؛ فالتفوق في مجالٍ ما لا يضمنُ التفوّق في كل شيء ، خاصةً في التجربة الأولى.

لم يكن والدُها بهذا القلقِ أو التدخل من قبل ، وربما كان ذلك لأن السيد "وادريك " كان يرى أنّ مَن تعاملت معهم سابقاً لا يشكلون خطراً حقيقياً. و لكنّ "لينش " كان مختلفاً ، لقد كان خطراً فعلياً ، ونظرات "سيفيريلا " كانت تفصح عن ذلك و ربما لم تكن تدرك الحبَ تماماً أو كيفية وصفه ، لكنها كانت معجبةً به. خطوةٌ واحدة طائشة قد تقودها إلى الهاوية ، لذا كان عليه أن يوقف الأمر لمنعِ وقوع أي خطرٍ وإن كان ضئيلاً.

فالحاكمُ لا يتزوج بامرأةٍ يُشار إليها بـ "سيرةٍ متفلّتة " وزوجُ امرأةٍ مثل "سيفيريلا " يجب أن يكون من عائلةٍ مساويةٍ لها أو أعلى مكانةً ، كرمزٍ للوجاهةِ والقدر. وهل لمثل هذا الرجل أن يتزوج امرأةً ذات ماضٍ حافلٍ ، تحيط بها حشودٌ من «أشباه الأشقاء الأشرار» ؟ بالطبع لا ؛ لذا كانت عفة "سيفيريلا " أمراً جوهرياً. السيد "وادريك " لم يكن يرغبُ أن ترضى هي بزيجةٍ متدنيةِ المستوى.

عند سماعِ "لينش " تلاشى غضبُ الفتاة سريعاً ، ونظرت إليه بتعجبٍ قائلةً: «يجب أن أعترف ، لديكَ وجهةُ نظر ، لكن...». تشابكت أصابعُها بتوتر ، واعتلت وجنتيها حمرةٌ خفيفة ، ثم تابعت: «أشعر بحرجٍ شديد الآن». وضع "لينش " يده فوق يدها ، مما جعل جفني "ماريجو " يختلجان قليلاً ، لكنها بعد ترددٍ قررت التظاهر بأنها لم ترَ شيئاً ؛ فدورُها كان يقتصر على منعِ أي تجاوزٍ حميمي ، لا مثل هذه اللمسات البريئة.

قال "لينش " بابتسامةٍ مشرقة: «أنا أتفهم حرجكِ ، وأتفهم مخاوف والدكِ ؛ فأنتِ في نهاية المطاف فتاةٌ جميلة. و في الواقع ، أنا مَن ينبغي أن يشعر بحرجٍ أكبر». كان وهجُ الغروبِ الأخير يصبغُ الأرضَ حولهم بألوانٍ حمراءَ نابضة ، مما أضفى على المكانِ جوّاً فريداً. حيث كانت الفتاة ، وهي تقفُ قريبةً جداً منه ، ترى ملامح وجهه الوسيم والنقي ، بابتسامةٍ أبهى من الشمس.

هدأت مشاعرُها تماماً ، وانفلتت منها دعابةٌ مفاجئة: «إذن أنتَ محرجٌ لأنني كشفتُ أمرك ؟». استيقظ في داخلها قليلٌ من الترقب ، وتسارع نبضُ قلبها. قلبت "ماريجو " عينيها ، مفكرةً بأن سيدتَها تستحقُ بعض التفاعل الموزون مع الرجال. حيث كان هذا الـ "لينش " بلا شك رجلاً لا يُستهان به ؛ فكل كلمةٍ تبدو عادية ، لكنّها مجتمعةً كانت تلمّح لما هو أعذبُ من أن يُحتمل ، مما يجعل المرءَ يضعُ يده على فمه إعجاباً. يا له من بارعٍ ، وداهيةٍ ، ولبقٍ في حديثه! أطرقت "ماريجو " رأسها مجدداً.

ابتسم "لينش " في صمت ، عالماً أنّ بعض الأسئلة من الأفضل تركها دون إجابةٍ في الوقت الحالي. وبعد وقفةٍ قصيرة ، أعاد دفّة الحوار إلى موضوعهم السابق ؛ مشاقّ أن تبدأ فتاةٌ عاديةٌ نشاطاً تجارياً. فالبعضُ يحبُّ سماعَ قصصٍ من قبيل «لقد كدحتُ شهراً في أعمالٍ متفرقة لأشتري أحدث سيارةٍ فاخرة».

وحين أرخى الليلُ سدولَه بالكامل ، استعدَّ "لينش " للرحيل ، ظناً منه أنّ السيد "وادريك " قد يقتحم الغرفة ليتساءل عما إذا كان ينوي المبيتَ لديهم. وتجنباً لرفع ضغط دم السيد "وادريك " وإفسادِ نومه ، ودّع "لينش " الجميع. حيث كان واضحاً أنّ الفتاة لم تكن ترغب في رحيله ؛ فقد كانت هذه المرة الأولى التي يتحدثان فيها بصدق عن أمورٍ تحبها. فلقد كانت لقاءاتُهما السابقة تدور دائماً حول حاجة "لينش " لها كزينةٍ لا أكثر ، لا كأحاديث حقيقية.

سألته عند الباب ، وهي تنظر إليه بمزيجٍ من الأسى والأمل: «متى يمكننا أن نلتقي مجدداً ؟».

أجابها: «قريباً جداً».

بعد رحيل "لينش " رفعت "ماريجو " تقريراً بكل شيءٍ للسيد "وادريك " الذي برزت عروقُ جبهته غضباً. حيث كانت مشاعره متضاربة ؛ فمن جهة كان يحبُّ ابنتَه بشدة ويدرك مدى اختلافِ حياتها بناءً على بقائها عفيفةً من عدمه. ومن جهةٍ أخرى ، وبحكم مراقبتِه لها وهي تكبر تملكتْه مشاعرُ أنانية ؛ فهو لا يريد لأحدٍ أن ينتزعها منه ، رغم علمه بأنها ستنتمي يوماً لغيره. و لقد ظهر شخصٌ غير متوقع ، مسبباً له صداعاً مزمناً.

قال: «راقبيها عن كثبٍ في الوقت الحالي. ستهدأ الأمور قريباً...». وقريباً ، لن يجد "لينش " وقتاً لإثارةِ المتاعب.

عند مغادرة "لينش " لمنزل "وادريك " سلمه الخادمُ خطابَ توصية. و بعد قراءته ، قام "لينش " بختمه بالشمع الأحمر. حيث كان الخطابُ توصيةً لقبول "لينش " في الأكاديمية ، موضحاً ظروفَه الخاصة ؛ إذ قد لا يملك الوقتَ الكافي للتفرغِ للدراسة. حيث كانت هذه هي الطريقة التقليديه لأعضاء «جمعية الوئام المقدس» للترقي ، وهي المنهجُ الأكثر شيوعاً حالياً. حيث كان بوسع السيد "وادريك " أن يوصي به مباشرةً للانضمام لقائمة مرشحي الجمعية ، وبعد التقييم السنوي كان "لينش " سيصبح عضواً على الأرجح. و لكن المسارَ الأكثر رسوخاً ؛ الدراسةُ في الأكاديمية ثم التخرج ، ومن ثم الانضمام للجمعية كان هو المفضل. فخلال هذه العملية ، سيلتقي "لينش " بالمزيد من المرشحين ، ويوسع شبكةَ علاقاته داخل الاتحاد وخارجه ، كما أنّ هذا المسار التقليدي يعني عقباتٍ أقل أثناء التقييمات ؛ فهي قوه الجوهر للشرعية.

وحين ينضمُّ رسمياً لجمعية «الوئام المقدس» ، فإنه بجانبِ دعم السيد "وادريك " سيكون لديه روابطُه الخاصة ، مما سيجعل مساعيَه المستقبلي أكثرَ سلاسة. نحن الآن في عطلة الصيف ، وقبل استئناف الدراسة كان على "لينش " تسليمُ خطاب التوصية هذا لمجلسِ أي أكاديميةٍ تابعة لجمعية «الوئام المقدس» ، وإلا فسيضطرُّ للانتظار عاماً آخر. و بالطبع لم يكن هذا هو «قريباً» الذي قصده السيد "وادريك " لأن القريب الحقيقي كان يشير إلى التنمية واسعة النطاقِ المرتقبة في "ناغاريل " ؛ حيث سيتلقى "لينش " نصيبَه من الأرباح ويتوجه إلى هناك. ومع حماية السيد "ترومان " له ، لن يستطيع أحدٌ سلبَه ما يستحقه.

وهذا ما يبرز تناقضاتِ رأس المال ؛ فمن جهة ، لا يتورع الرأسماليون عن فعل أي شيء لتحقيق مصالحهم ، ومستعدون لخرق أي قانونٍ لنيلِ مآربهم. ومن جهةٍ أخرى ، عند تقسيمِ الغنائم ، يتصرفون بمنتهى اللباقة ، لا يتزاحمون بل يحافظون على كبريائهم. وبمجرد رحيل "لينش " عن الاتحاد إلى "ناغاريل " لن يجد وقتاً لمناقشةِ أي أعمالٍ أدميه ةٍ تافهة مع "سيفيريلا " في القريب العاجل.

في اليوم التالي ، وصل "لينش " إلى أكاديمية "سانت سيتشيكا " في ضواحي "إميننس ". كان الاسمُ غير مألوف ، فهو تعريبٌ للغةٍ قديمة ، لغةٍ ثانويةٍ كانت تُستخدم قبل الاعتمادِ الواسع للغة العامة. وكان يعني «الحكمة السامية» أو «الحقيقة المطلقة» ، وإن كانت طريقةُ ترجمته بالضبط تظلُّ شأناً يخصُّ. حيث كانت هذه الأكاديمية هي الجامعة الوحيدة التابعة لـ«الوئام المقدس» قرب قلب الاتحاد ؛ فبقية المدارس كانت في مناطقَ نائية.

ورغم أنها عطلةُ الصيف إلا أنَّ العملَ في المدرسةِ لم يتوقف. فبالمقارنةِ مع الجامعاتِ العادية المشغولةِ بمهامَ لا تُحصى كان لدى جامعاتِ «الوئام المقدس» ما هو أكثر. كالتجهيز لدعوةِ الخريجين الناجحين لإلقاء كلماتٍ أثناء تسجيلِ الطلاب الجدد ، أو بعض الخريجين الذين يلوّحون بالشيكاتِ لتدوين أسمائهم في لوحةِ شرفِ المدرسة ، أو التعاملِ مع اتصالاتٍ كحالة "لينش " القادم لمناقشةِ شؤونِ القبول.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط