**الفصل الرابع**
عقب مغادرته لمنزل السيد فوكس ، سار لين تشي متمهلاً في الشارع. إذ ما أُبرمت هذه الصفقة ، فسرعان ما ستأتيه دفعته الأولى ، وسيتوقف حجم هذه الدفعة بشكل مباشر على مقدار ما سيستثمره. فكلما ازداد استثماره ، ارتفعت الأرباح ؛ وهذا النمط من الأعمال كان ، في واقع الأمر ، مطمعاً حتى لأكبر التكتلات المالية.
وخلال هذه الفترة كان يداوم على مطالعة الصحف. فحتى في خضم تركيز العالم أجمع على التنمية الشاملة والنمو الاقتصادي في قطاع المال لم تعد بعض الصناديق لتعد بعائد سنوي يتجاوز خمسة عشر بالمائة.
وفي "تقرير التداول " للربع الأول من هذا العام ، أُفصحت بعض البيانات التفصيلية من العام المنصرم. فحتى الصناديق التي حققت أعلى معدل عائد فعلي لم يتجاوز عائدها السنوي 9.74% ، أي أقل من عشرة بالمائة. ومع ذلك فقد تصدرت قائمة الصناديق الأكثر دراً للربح في العام الماضي.
لذلك كانت هذه الصفقة ذات أهمية قصوى. بيد أن مشكلة جديدة قد برزت. حيث كان في حاجة إلى "رأس مال " ليصرف به تلك العملات المعدنية والورقية. السيد فوكس لم يتطرق إلى ذكر هذا المال ، ونظراً لعمق تحقيقه في خلفية لين تشي كان من المستحيل ألا يعلم بأن لين تشي لا يمتلك حتى مائة دولار في جيبه أو في حسابه المصرفي ، ناهيك عن حجم المساعدة التي وعد بها السيد فوكس لإنجاز "الانتقال " على وجه السرعة.
كان يلزمه مبلغ آخر من المال ، ليس بالكبير - بضع مئات أو ربما ألف أو ألفي دولار ستفي بالغرض. وما إن يشرع هذا في التداول حتى يزداد زخمه تباعاً. عزم على مناقشة الأمر مع كاثرين لدى عودته إلى المنزل هذه الليلة.
على الرغم مما انتابه من شعور... حيال هذا الفعل إلا أنه كان ضرورة حتمية للمستقبل.
مر الوقت وهو غارق في خواطره. عاد لين تشي إلى منزله في وقت أبكر من المعتاد اليوم ، وذلك في تمام السادسة والنصف مساءً. وعادت كاثرين تحمل كيساً من المتجر الكبير الذي تعمل فيه.
كان بداخله بقايا لحم وبعض الخضراوات التي بدت أقل نضارة ، وكان المتجر الكبير يعتزم التخلص منها. وكانت هذه الأصناف تُقسّم في الأغلب بين الموظفين ، إذ كان غايتهم من تحمل القهر والاستغلال هو الظفر بهذه الأصناف بالمجان.
وحينما ولجت كاثرين الشقة ، انتابتها الدهشة. حيث كان لين تشي قد اعتاد العودة إلى المنزل في وقت متأخر جداً في الآونة الأخيرة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعود فيها في وقت مبكر كهذا خلال هذه الفترة.
في مستهل الأمر كانت تراودها أحلام بأن يجد لين تشي وظيفة لائقة ، ويفضل أن تكون في أحد المصانع. وعلى الرغم من أن العمل في المصانع شاق ومحفوف ببعض المخاطر إلا أن العمال يتلقون مزايا رعاية اجتماعية أفضل وتأميناً اجتماعياً. وبينما يحظون برعاية أصحاب تلك المصانع من كافة الجوانب كان بوسعهم أيضاً الانضمام إلى منظمات كالنقابات. وعلى عكسهم لم يتمكن موظفو المتاجر الكبرى ككاثرين من الانضمام إلى منظمات كنقابات العمال ، لكونهم لم يصنفوا كعمال. إضافة إلى ذلك لم يكن هنالك وجود لأي منظمة غير حكومية مثل "نقابة أمناء الصندوق ".
كانت الكوابيس تلازمها ، بينما كانت الأحلام السعيدة سرعان ما تتبدد.
ولأسبوع كامل ، عاد لين تشي الذي بدا وكأنه استعاد عزيمته ، إلى نقطة الصفر. و لكنه هذه المرة لم يمكث في المنزل ، بل اتخذ من البحث عن عمل ذريعة لقضاء وقته في الخارج.
وبتفكيرها في ذلك استحالت كاثرين يائسة. و أدركت أن خياراتها الماضية لم تكن مجرد سذاجة ، بل كانت حماقة صريحة. و لقد غتبا عينيها غشاوة.
إذ لم تدرك مدى صواب كلام والدتها إلا بعد خوضها هذه التجارب ، فالمظهر لا يهم ، والحياة تستلزم أساساً متيناً ، لا مجرد مظاهر خداعة.
وبعد أن ألقت نظرة خاطفة على لين تشي ، بدلت حذاءها ، ثم حملت الكيس إلى المطبخ ، وشرعت في تنظيف تلك البقايا من اللحم المفروم.
كانت تلك بقايا لحم كُشطت من العظام ، بلا شكل ، ومعظمها بحجم رؤوس الأصابع. ولسبب ما ، بدت أغمق لوناً من لحم البقر المعروض بعناية ، وكان من الصعب بيعها حتى بأسعار زهيدة. وكان أغلب الناس يشترونها لا لأنفسهم ، بل لإطعام كلابهم.
وفي الحقيقة لم يكن بهذه البقايا اللحمية أي عيب يُذكر.
كانت أرجاء الغرفة يغمرها صمتٌ ثقيلٌ ، ينطوي على شيء مزعجٍ ، ينتشر ويتموج باستمرار.
جلس لين تشي على أريكة انتشلوها من مكب نفايات ، يراقب صديقته وهي تعد الطعام بصمت. وعلى الرغم من أن المسافة بينهما لا تتعدى عشرة أمتار إلا أنه شعر وكأن هوة سحيقة قد انفتحت بينهما.
"هل تملكين أي الإضافي من المال ؟ " سأل لين تشي.
توقفت حركات كاثرين التي كانت تعدها من بقايا اللحم برهةً. لم تلتفت إلى الوراء ، ولم تنبس ببنت شفة. وبعد وقفة وجيزة ، استأنفت عملها. "لديّ بعض المال ، أقل من خمسمائة دولار. إنه ما ادخرته هذا العام. "
لم يكن ادخار المال بالأمر الهين ، لا سيما للشباب الذين لم تتجاوز حصيلتهم العلمية شهادة الثانوية.
فالإيجار والكهرباء والماء ونفقات التدفئة ، إضافة إلى المصاريف الضرورية الأخرى ، وكل هذا مع شخص واحد فقط يعمل لإعالة شخصين ، جعل من ادخار ما يزيد على أربعمائة دولار إنجازاً بالغ الصعوبة حقاً.
فجأة ، غلب على الأجواء ثقلٌ غريبٌ ، كأنه يجثم على صدري كليهما.
لم ينبس أحدهما بكلمة حتى فرغت كاثرين من إعداد العشاء.
وكالمعتاد كانت البقايا اللحمية مصحوبة ببيض مقلي ، وبعض أوراق الخضراوات الممزقة ، وقطع من المعكرونة المكسورة. حيث كانت هذه هي الأصناف التي يتخلص منها المتجر الكبير يومياً ، وهي الآن تقيم أود العديد من الأسر المعوزة.
"جاءت أمي لزيارتي اليوم " قطعت كاثرين الصمت وهي تتناول طعامها. "إنها لا ترغب في أن نستمر على هذا المنوال ، لكني لم أستطع إقناعها... "
وضع لين تشي شوكته وسكينه ، وهو يراقب كاثرين وهي تضيف "بهاراً " طازجاً إلى طبقها – كان شفافاً ، يميل إلى المرارة ، بلمحة ملوحة خفيفة.
في الواقع كانت كاثرين قد أوضحت موقفها بجلاء. فعدم قدرتها على إقناع والدتها كان يؤشر إلى أن أحد الطرفين سيتعين عليه إقناع الآخر. وبدا من المرجح أنها هي التي كانت على وشك الإقناع.
فالوجبة التي كانت بالفعل لا تفتح الشهية ، أضحت أقل جاذبية على الطبق. تنهد لين تشي بعمق. "متى ترحلين ؟ "
كانت كاثرين على شفير الانهيار. "غداً. ستأتي أمي وأخي لاصطحابي. و أنا آسفة ؛ لا أرغب في هذا ، لكن... "
"لا بأس ، لستِ بحاجة إلى الاعتذار. و أنا من يجب عليه الاعتذار. " مد لين تشي يده ، ولامس خد كاثرين المبلل بالدموع. حيث كان عليه أن يتحمل مسؤولية الأفعال التي ارتكبها المالك السابق لجسده الحالي.
لأكثر من عامين كانت جميع أعباء الحياة تثقل كاهل هذه الفتاة اليافعة التي لم تتجاوز العشرين من عمرها.
مما لا شك فيه ، أن لين تشي كان وغداً ، بل وغداً بشعاً.
هذا النمط من الحياة أخذ ينحت تدريجياً في مُثُل الفتاة الرومانسية وأحلامها المستقبلي. و لقد خاضت هذه التجارب وشرعت في الإذعان للواقع والقدر ، وإن كانت في أعماقها ، قد تتشبث بقايا من الخيال.
مثل أن...
لم يكن هنالك "مثل هذا ". لن يطلب لين تشي من الفتاة أن تمكث. فسواء قررت المغادرة أولاً ، أو استمرا في حياة محفوفة بالشكوك والمخاطر ، فإن ذلك لم يكن ليناسب هذه الفتاة.
ورغم أن ذلك قد يبدو قاسياً إلا أنه كان محض الحقيقة.
بعد ليلة لا تُنسى ، غادرت كاثرين في صباح اليوم التالي باكراً ، تاركةً خلفها شيئاً للين تشي.
دفتر حسابات مصرفي ومفتاح الشقة.
وبفضل عدم اكتراث البنك بمن يطلع على الأموال المودعة في دفتر الحسابات المصرفي ، أصبح هذا شاهداً على وداع كاثرين لحياتها الماضية.
وبعد أن أنهى ترتيباته ، سحب لين تشي كل المال من دفتر الحسابات المصرفي صباحاً – أربعمائة وتسعة وأربعين دولاراً وخمسة وثلاثين سنتاً. و بعد ذلك التقى بمالك العقار وتجاذب أطراف الحديث معه لنحو نصف ساعة. وفي الختام تمكن من اخذ مائة دولار مقابل نصف الشهر المتبقي من الإيجار. و في الأصل كان المبلغ المسترد يجب أن يكون خمسة وسبعين دولاراً ، لكن لين تشي لم يأخذ أياً من ممتلكاته. و شعر مالك العقار أن هذه الصفقة لم تكن خسارة فادحة ، فوافق في نهاية المطاف ، مانحاً الإضافي خمسة وعشرين دولاراً.
يرجى عدم حذف هذا. كيفية العثور على قائمة الفصول: يرجى العثور على تسمية الفصل بجوار اسم مترجمك المفضل ، وانقر على التسمية.