Switch Mode

كود بلاكستون 384

هدية لقاء +


الفصل 384: هدية اللقاء

الإبحار في عرض البحر تجربةٌ تتسم بالرتابة. و في البداية ، قد تبدو التجربة منعشةً بل ومثيرةً للرهبة ؛ ولاسيما لأولئك الذين عاشوا حياتهم في الداخل ولم يتخيلوا يوماً أن تكون الأمواج بهذا الجلال أو بهذه الشراسة. قد يستند المرء منهم إلى حاجز السفينة ، يحدق في الأفق اللانهائي حيث يلتقي البحر بالسماء ، مأخوذاً بجمال العالم وعجائبه.

إن كل ما هو جديدٌ جميل ، ومُسكرٌ ، بل وشاعريٌ في آنٍ واحد. سيارةٌ جديدة ، علاقةٌ عاطفيةٌ مستجدة ، تجربةٌ وليدة ؛ كلها تثير في النفس حماسةً متشابهة.

لكنَّ شعور الحداثة سرعان ما يتبدد. فالمشهد الذي لا يتغير والحركة المستمرة قد يجعلان حتى بيضةً مسلوقةً تتدحرج على طبقٍ أمراً مثيراً للأعصاب ؛ لدرجة أنك قد تود تحطيمها فقط لكي تتوقف عن الحركة.

تغدو الرحلات البحرية مملةً ، رتيبةً ، ومحبطةً أسرع مما يتوقع المرء. وبمجرد تجاوز مرحلة التأقلم الأولية ، استقرت الحالة المزاجية للجنود ، ويعود الفضل في ذلك إلى القساوسة على متن السفينة الذين دأبوا على الحديث مع أي بحار تظهر عليه علامات الاضطراب العاطفي.

ساعد هذا الكثيرين منهم على التخلص من سرعة الغضب والحيرة التي تعتريهم.

في تلك اللحظة كان أحد جنود البحرية يدون مذكراته ، وهي هوايةٌ يبدو أن البحارة يفضلونها أكثر بكثير من جنود المشاة. فمذكرات البحارة غالباً ما تظهر بين حطام السفن ، بينما قلما يسمع المرء عن جنودٍ على اليابسة بهذا الشغف بالكتابة.

يعود ذلك إلى أن قوات البر يمكنها إشغال نفسها بطرقٍ شتى حتى بالتسلل للقاء النساء. أما في البحر ، فلا شيء يفعله المرء سوى الكتابة أو إعادة تنظيف أسطح السفينة التي سبق تنظيفها.

وبينما كان البحار يخطُّ آماله حول المستقبل ، اخترق الهواء فجأةً صوت صفيرٍ حاد ، كأنه غلايةٌ تغلي. اهتزت السفينة بعنف ، ففقد البحار توازنه ، وارتطم بجدارٍ جانبي ليسقط على الأرض.

"مواقع القتال! " انطلق جرس الإنذار فوراً ؛ فقد تعرضوا للهجوم.

"أبلغونا بحجم الأضرار... " صاح القائد من غرفة القيادة ، وهو يمسح بصره عبر مجموعةٍ من الشاشات. وقف ضابط الإبلاغ خلفه ، ولم تكن تظهر أي إشاراتٍ جديدة بخلاف النقاط الخضراء المعتادة.

تقنيةٌ لا نفع فيها.

أظلم وجه القائد ؛ ففي كل عام ، يضخ الجيش التمويل في شركات التقنية ومصنعي الأسلحة. بعض الابتكارات كانت نافعة ، وأخرى -مثل أنظمة تحديد المواقع القائمة على الراديو- كانت عديمة الجدوى تماماً.

كان من الواضح أن العدو يلتزم بصمتٍ لاسلكي. والأسوأ من ذلك أنهم وصلوا قبل الموعد المتوقع بثلاثة أيامٍ تقريباً ، مما يعني أنهم زادوا من سرعة إبحارهم.

"تمت إصابة المؤخرة. هناك ثغرة في سطح السفينة الخلفي. إصلاحات الطوارئ جارية... " هكذا جاء التقرير.

هز القائد رأسه أمام هذه الحقائق التي لا رجعة فيها ، وتمتم قائلاً "إنهم يستخدموننا لضبط مدافعهم. فليغير الأسطول الخلفي تشكيلته ".

تردد بعض المشغلين "سيدي القائد ، سيؤدي هذا إلى كشف إحداثياتنا ".

كان كلٌ من "جيفرا " والاتحاد يطوران أنظمة تحديد مواقع لاسلكية ، لكن "جيفرا " كانت تسبق بخطوة ، مدفوعةً بطموحها للهيمنة على البحار. ولم يكن بوسعهم تحمل التخلف تقنياً.

كان أسطولهم يلتزم بصمتٍ لاسلكيٍ دوري ، بإجراء اتصالاتٍ موجزةٍ كل 45 دقيقة. واستخدام الراديو الآن سيكشف موقعهم فوراً.

وفي هذا العصر لم يكن الكشف عن موقعك في البحر يُقابل بضرباتٍ جوية أو طوربيدات ، فلم تكن أيٌ من التقنيتين تملك المدى أو الموثوقية التي تكفي بعد.

لكن المدفعية ؟ كان ذلك أمراً آخر.

لم تكن هذه طلقةً تجريبيةً واحدة. فبالنظر إلى مناطق الارتطام ، فقد أُطلقت ست قذائف على الأقل. حيث كان العدو يجمع بيانات التصويب لسفنهم الحربية.

وإن كشفوا عن أنفسهم الآن ، فستكون العواقب كارثية.

"نفذوا الأمر! " صرخ القائد وهو يضع يده على سلاحه الشخصي. فلو قاوم المشغلون ، فسيقوم بنار عليهم وإيجاد بدلاء لهم.

أدرك الطاقم خطورة الموقف فامتثلوا للأمر. وفي غضون ثوانٍ ، انطلقت موجات الراديو لتجوب البحر ، والتقطها أسطولهم ، لكن التقطتها أيضاً سفن الأعداء التي أصبحت الآن على مرأىً من أعينهم.

عدل القائد زيه الرسمي ، وخلع قبعته البحرية العريضة ليرتب شعره ، ثم أعاد وضعها بهدوء. "المحركات بأقصى سرعة ، مناورات مراوغة. و على جميع أفراد الطاقم التوجه لمواقع القتال ، ابحثوا عن ساتر واستعدوا لإخماد السنه اللهب ".

رفع منظاره ، ورأى أسطول العدو بوضوحٍ الآن. لم يتوقع وصولهم بهذه السرعة. فهذه "البحرية التي لا تقهر " لم يكن يصح الاستهانة بها.

وعندها ، سواء كان ذلك وهماً أو قدراً ، لاحظ شيئاً غريباً: الغيوم في السماء بدت وكأنها تتحرك بسرعةٍ أكبر. وقبل أن ينطق بكلمة ، سقطت أول دفعةٍ ناريةٍ كاملة.

لا توجد كلمات تصف هذا الشعور ؛ فإطلاق سفينتي حربٍ في وقتٍ واحد يشبه اللحظة التي تسبق صاعقة الرعد. تجمد الهواء ، وتباطأ الزمن ، وتوقفت كل ردود الفعل.

رأى القذائف ، لكنه لم يستطع الكلام ، ولم يستطع إصدار أي أمر ؛ وكأن يداً خفيةً أطبقت على عنقه.

لم يشعر قط بمثل هذا العجز ، وبمثل هذا الضآلة.

ثم فجأةً ، دُفعت المدمرة التي كانت يقودها إلى الخلف بقوةٍ غير مرئية. مالت السفينة بعمقٍ نحو البحر ، واندفعت موجةٌ هائلةٌ اكتسحت فرق الإصلاح في المؤخرة ، وسحبتهم مع المياه المرتدة.

تصاعد الدخان بسرعة ، وبعد ثانيةٍ واحدة ، انفجر مخزن الذخيرة. ابتلعت النيران السفينة ، فانشطرت إلى نصفين وغرقت دون أي فرصة للنجاة.

خلفهم ، أطلقت المزيد من سفن الاتحاد سلسلةً من مناطيد المراقبة ذات اللون الأسمر. ومع أنها كانت بدائية إلا أنها أثبتت فعاليتها أكثر من التتبع اللاسلكي.

حمل كل منطادٍ مراقباً مزوداً بمنظار وهاتفٍ سلكي للإبلاغ مباشرةً إلى القيادة. حيث كانت تقنيةً بسيطةً وعملية ، وتتفوق بمراحل على التقنية غير الموثوقة.

من أحد المناطيد ، رأى المراقب خمس عشرة سفينةً تقترب في تشكيل "مسماري " مكسور. وبعد لحظات تماماً كما رأى قبطان العدو قبل مماته ، شهد المراقب المشهد المرعب التالي.

ارتجفت سفن العدو العظيمة ، ثم امتلأت السماء بالقذائف السوداء. حيث كانت الدفعة الثانية أسرع مما كان متوقعاً.

ربما لهذا السبب كانت "جيفرا " تحكم البحار: خبرتهم ، استراتيجيتهم ، وتنفيذهم البارع. حيث كان بحارتهم نخبةً ، يحسدهم الآخرون على كفاءتهم.

على سطح سفينة "الفارس المقدس " الحربية التابعة للبحرية الملكية ، ابتسم القائد بمزيجٍ من الفخر والغطرسة. فإغراق سفينةٍ صغيرةٍ في دفعةٍ واحدة لم يكن يستحق الاحتفال حتى.

ومع ذلك كان فضولياً "لطالما اعتمد الاتحاد على الحيل الذكية ، لكن تلك المناطيد... إنها مفيدةٌ حقاً ".

أدرك على الفور ميزتها: نقاط رؤيةٍ أعلى وأوضح فوق سطح البحر المنحني. إن رصد العدو قبل 30 ثانيةٍ فقط قد يعني الفارق بين النصر والهزيمة.

ولو استطاعوا إطلاق مناطيد مماثلة ، لتمكنوا من الضرب من مسافاتٍ أبعد.

ثم فكر في مشروع "جيفرا " السري: تطوير طائراتٍ ذات أجنحةٍ ثابتةٍ تستخدم لمرةٍ واحدة ، قادرةٍ على الإقلاع من سطح المحيط ؛ لتكون كشافاتٍ جويةً مبكرةً في الحروب البحرية.

كان المشروع قد قطع نصف الطريق. وادعى المهندسون أن الطائرات يمكنها بالفعل الإقلاع من البحيرات والأنهار الهائجة. وقريباً ، سيغزون عرض البحر.

عند التفكير في هذا ، استرخى القائد ، بل وطلب من ملازمٍ شابةٍ أن تحضر له القهوة والمعجنات.

قال وهو يستمتع بالقهوة الغنية في كأسه الفضي "معركةٌ واضحة. بمجرد أن يفقدوا بضع سفنٍ حربيةٍ أخرى ، سيغادرون باكيين على الأرجح... ".

هكذا كان يصف الاشتباك البحري ؛ فلم يهزم أحدٌ من قبل البحرية الملكية التي لا تقهر. و لقد فشل أعداء الماضي ، وسيفشل الاتحاد كذلك.

ما لم يدركه هو أن هذه المعركة ستكون أبعد ما تكون عن السهولة. فبينما كانوا يندفعون نحو المياه الساحلية لـ "أميليا " كان الناس في الجانب الآخر من البحر قد استعدوا بالفعل للموت هناك.

في مكانٍ أبعد داخل أسطول الاتحاد ، بدأت الغواصات الطافية على سطح البحر في الغوص. حيث كان كل فردٍ من الطاقم قد كتب رسالةً أخيرةً قبل المغادرة.

وبسبب محدودية التصميم والتقنية لم تحمل كل غواصةٍ سوى عددٍ قليلٍ من الطوربيدات.

وبخلاف تلك المشحونة بالفعل في أنابيب الإطلاق لم يتبق سوى القليل من الذخيرة الاحتياطية. ولو نفدت تلك وظل مسار المعركة دون تغيير ، فإنهم سيلجؤون إلى الهجمات الانتحارية ؛ بصدم غواصاتهم في سفن العدو.

ولضمان تنفيذ هذه الخطة ، احتفظت كل غواصةٍ بآخر طوربيدٍ لإطلاقه لحظة التصادم حتى يغرقوا هم وسفينة العدو معاً ؛ فالموت مع الجماعة رحمة ، وكما يقال "نارُ الصديق ولا جنةُ العدو ".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط