إنَّ إثباتَ المرءِ كفاءتَه أمام والديه كان -على الدوام- نزعةً فريدةً تتملَّكُ الشبابَ ، وجزءاً حتميَّاً من مراحلِ نضجِهم.
لقد تبنَّى كثيرٌ من الناسِ هذه العقيدةَ في مقتبلِ العمر ، وكان أكثرُ تجلياتِها وضوحاً هو ذلك الإصرارُ الذي يتوقدُ في نفوسِهم حين يُقالُ لهم إنهم عاجزون عن فعلِ شيءٍ ما ، مما لا يزيدُهم إلا عزيمةً وإقداماً.
قد تبدو طريقةُ التفكيرِ هذه ساذجةً في نظرِ البعض إلا أنَّها عينُ ما يضفي على تلك المرحلةِ من العمرِ خصوصيتَها ؛ إذ لم تكن صروفُ الدهرِ قد نالت منهم بعد ، ولا أثقلت كواهلَهم متطلباتُ المجتمعِ أو قسوةُ العالم ، فظلوا محتفظين بحدَّتهم ، وبشغفِهم وقناعاتِهم الجريئة التي لا تقبلُ المساومة.
لقد تجرَّأوا على تحدي "المستحيل " وقول "لا " لكلِّ سلطةٍ غاشمة ، وبغضِّ النظرِ عن مآلِ هذه المحاولاتِ بالفشلِ أو النجاح ، فقد امتلكوا -على الأقل- شجاعةَ الإقدام.
إلا أنَّ هذه الشجاعةَ سرعان ما تذوي بالتدريجِ بعد بلوغِ سنِّ الأربعين ؛ فالزمنُ والخبراتُ تصقلُ حوافَّهم ، وتجعلُهم يندمجون في نسيجِ المجتمعِ بانسيابيةٍ ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ منه.
وهذا أمرٌ يحملُ في طياتِه وجهاً محموداً ، وآخرَ محزناً في آنٍ معاً.
نظرت زوجةُ "والدريك " إلى ابنتِها ، ومَدَّت يدَها لتلمسَ وجنتَها ، فاستشعرت نعومةَ ملمسِها تحت أناملِها مما أورثَها شيئاً من الغبطة.
ففي مثلِ سنِّها لم يكن أمامَها للحفاظِ على مظهرِها وقوامِها ومنعِ تدهورِها السريعِ سوى إنفاقِ مبالغَ طائلةٍ على جسدِها.
لقد استُخدمت عليها شتى المنتجاتِ التقنيةِ المتطورة ، مما مكنها من الظهورِ وكأنها لا تزال في الثلاثينياتِ من عمرِها.
لكنَّ الفتاةَ التي أمامَها لم تكن بحاجةٍ إلى مثلِ هذه العنايةِ لتُبرزَ أجملَ ما فيها. حقاً ، كم كان الزمنُ قاسياً ، إذ يُحوّلُ الحاضرَ إلى ذكرياتِ الغدِ دون أن يدرك أحدٌ ذلك.
أكدت لها قائلةً "لقد فعلتِها. أنتِ لا تدركين مدى ذهولِ والدِكِ لرؤيتِكِ هنا. و لقد نجحتِ ".
هذه الكلماتُ أثارت في "سيفيريلا " شيئاً من الحماس. فالكثيرون يعتقدون أنَّ الولادةَ في كنفِ عائلةٍ مرموقةٍ كهذه لا بد أن يكون حظاً لا يُضاهى ، وهذا صحيحٌ بالطبع ، لكنه لا يعني خلوَّ الحياةِ من المتاعب.
فكلما قدَّمَها الناسُ للآخرين ، يقولون "هذه ابنةُ السيدِ والدريك ، الآنسةُ سيفيريلا ". لم تكن تمانعُ اقترانَ اسمِها باسمِ والدِها ، لكنها كانت تكرهُ أن يُعترفَ بوجودِها من أجله فقط.
كانت كمن يكتبُ الكتبَ ، ويديرُ دائرتَه الاجتماعيةَ الخاصة ، بل وتمتلكُ متجراً صغيراً للإكسسواراتِ العصريةِ غيرِ المعروفةِ كثيراً ، حيث كانت هي المصممةُ فيه أيضاً. فعلت كلَّ هذا لتنالَ التقدير ، ولتُثبتَ للناسِ -بمن فيهم والداها- أنها حتى إن لم تكن "ابنةَ السيدِ والدريك " فإنَّ بمقدورِها أن تنجح!
مع أنَّ هذه الفكرةَ بحدِّ ذاتِها كانت ضرباً من الحماقة ، فكلُّ ما كانت تقومُ به الآن قائمٌ في جوهرِه على كونِها ابنةَ السيدِ والدريك.
لقد كان كلُّ نجاحٍ حققتْه نابعاً من عائلتِها واسمِها.
لكن... أحياناً يقدمُ الناسُ على فعلِ أشياءَ حمقاء ، ليس لأنَّ الفعلَ بحدِّ ذاتِه أحمق ، بل لأنَّ الشخصَ الذي يؤديه هو كذلك.
شعرت "سيفيريلا " بسعادةٍ غامرةٍ حين سمعت ثناءَ والدتِها ، وسرعان ما تحولَ حديثُهما بعيداً عن "لينش " إلى العملِ الصغيرِ الذي تديرُه "سيفيريلا " وكأنهما نسيتا وجودَ "لينش " من الأساس.
في مكانٍ آخر كان "ترومان " يتبادلُ أطرافَ الحديثِ مع بضعةٍ من مساعدي الرئيسِ ومستشاري الشؤونِ الدولية ، وما زالون يتداولون الموضوعاتِ المتعلقةَ بما ذكره "لينش " آنفاً.
ظاهرياً ، رأوا أنَّ كلماتِ "لينش " كانت متطرفةً أكثرَ مما ينبغي ، ولا تتناسبُ مع المناخِ الحالي أو البيئةِ المحلية.
فقد كان الرئيسُ قد صححَ للتوِّ مسارَ الإدارةِ السابقةِ من "الانعزالية " إلى "الهروبية " وكان الناسُ ما زالون في مرحلةٍ انتقالية.
لقد كان الاتحادُ يشاركُ بفاعليةٍ في الشؤونِ الدولية ، ولكن قبل أن يقطفوا ثمارَ ذلك -ثمراتٍ يراها العامةُ ويلمسونها- لم يكونوا مقتنعين تماماً بأنَّ الانخراطَ في الشؤونِ الدوليةِ كان الخيارَ الصائب.
كانوا ما زالوا في ريبٍ وتردد ، فلو تحولَ مفهومُ الانخراطِ الدوليِّ فجأةً إلى شنِّ حربٍ اقتصاديةٍ على المجتمعِ الدولي ، فقد يثيرُ ذلك ردَّ فعلٍ شعبياً عنيفاً.
لقد كان هذا هدفاً بعيدَ المدى ، يستحيلُ تحقيقُه على المدى القريب.
قال "ترومان " "مؤخراً ، طبقت (جيفرا) سياسةً نقديةً جديدةً في منطقة (أميليا). أعتقدُ أنهم أدركوا أيضاً مدى محوريةِ الاقتصادِ لأيِّ دولةٍ أو منطقة ".
كانت "جيفرا " التي أشار إليها "ترومان " إحدى أكبرِ المنتصرين في الحربِ العالميةِ وأكثرِ الدولِ نفوذاً في تحالفِ المنتصرين.
لقد نجحوا في السيطرةِ على منطقةِ "أميليا " وتنازلَ خصومُهم عن نحو 920 ألفَ كيلومترٍ مربعٍ من الأراضي كتعويضٍ عن هزيمتِهم ، مع منحِ "جيفرا " حقَّ استئجارِها لمدةِ 120 عاماً ، والاعترافِ بسيادتِهم عليها خلال تلك الفترة.
سارعت "جيفرا " بإنشاءِ مقاطعةِ "أميليا " وعيَّنت دوقاً حاكماً لها ، وكان أولُ قرارٍ اتخذَه الحاكمُ الجديدُ عند تولي منصبِه هو إلغاءُ جميعِ العملاتِ القانونيةِ السابقةِ للمنطقة.
وبالطبع كان أسلوبُهم لبقاً ؛ إذ استبدلوا العملاتِ القديمةَ بعملةِ "جيفرا " وفقاً لسعرِ الصرفِ الدولي ، موحدين بذلك النظامَ النقديَّ المحلي.
علاوةً على ذلك كانت "جيفرا " تمارسُ ضغوطاً على الدولِ المنتصرةِ الأخرى لتنضمَّ إليها في الدفعِ نحو جعلِ عملةِ "جيفرا " -أو عملةٍ دوليةٍ جديدة- المعيارَ للتجارةِ العالمية. إلا أنَّ الأمرَ ما زال في مرحلةِ الدعوةِ ولم يُنفَّذ بعد.
ورغمَ بلاغةِ دبلوماسيي "جيفرا " وإمبراطورِهم في مخاطبةِ المجتمعِ الدولي إلا أنَّ الجميعَ شعروا بالفطرةِ أنَّ ثمةَ خللاً ما ، وإن عجزوا عن تحديدِه بدقة.
بدت مبرراتُهم مقنعةً بما يكفي ؛ إذ أشاروا إلى أنَّ التجارةَ الدوليةَ قد تنطوي على تبادلِ عملاتٍ متعددة ، مما يؤدي لاحتماليةِ خسائرَ لا يمكن التنبؤُ بها بسببِ تذبذبِ أسعارِ الصرف. أما إذا وُجدت عملةٌ دوليةٌ مشتركة ، فسيحلُّ هذا الإشكال ، ويضمنُ للرأسماليين والدولِ التي تُجري التبادلاتِ التجاريةَ ألا تتأثرَ بتقلباتِ العملة.
كما نوهوا إلى أنَّ الدولَ المهزومةَ تطبعُ النقودَ بجنونٍ لسدادِ تعويضاتِ الحربِ لكلِّ الدولِ المنتصرة.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ تلك النقودَ ستغدو عديمةَ القيمةِ بحلولِ وقتِ اكتمالِ طباعتِها ، وستتبخرُ كلُّ المكاسبِ التي انتُزعت بصعوبةٍ من على طاولةِ المفاوضاتِ بفضلِ هؤلاءِ المارقين.
لقد جعلَ هذا الطرحَ مغرياً للغاية ، رغم أنَّ الجميعَ ظلوا يشعرون غريزياً بأنَّ ثمةَ أمراً مريباً.
ظلت "اتحاد بايلور " على الحيادِ مع ميلٍ طفيفٍ لتأييدِ المقترح ؛ إذ رأى الرئيسُ أنهم بما أنهم عادوا لتوِّهم إلى الساحةِ الدولية ، فلا ينبغي عليهم إظهارُ سلوكٍ معادٍ للمجتمعِ أو قطعُ العلاقاتِ بسرعةٍ كبيرة.
وحتى إن لم يصوتوا لصالحِ القرار ، فلا يمكنُهم التصويتُ ضدَّه -لا سيما ضدَّ حليفٍ استراتيجيٍّ مثل "جيفرا ". كانت نيةُ الرئيسِ الحفاظَ على ودِّ هؤلاءِ القوم.
لكنَّ "ترومان " وبعد تفكيرٍ عميق ، أدركَ أنَّ هناك مشكلةً جسيمةً وليس مجردَ خللٍ عابر.
"سوف نحجمُ عن إصدارِ أيِّ تصريحاتٍ حول هذا الأمرِ في الوقتِ الحالي ، وسنعملُ على تعزيزِ بعضِ أدواتِ الرقابةِ الاقتصاديةِ المحليةِ لدينا ، وحين تتضحُ الرؤيةُ أكثر ، سنحددُ موقفَنا... "
قاطعه أحدهم قائلاً "لمَ لا نجلسُ ونتحدثُ إلى (لينش) ؟ أنا متأكدٌ أنه سيكونُ مستعداً لمشاركتِنا ما لديه من معلومات ".
هزَّ "ترومان " رأسَه "ليس هذا الوقتَ المناسب. فما قالَه اليومَ سينتشرُ لا محالة ، ولو التقينا به الآن فسيكونُ ذلك إشارةً على تغيرِ مواقفِنا ، وقد يثيرُ ذلك متاعبَ لا طائلَ منها.
فبرغمِ رحيلِ الرئيسِ السابق إلا أنَّ الكثيرين ما زالوا يدعمونَه. ولو طرحنا الآن فكرةَ المواجهاتِ الدوليةِ غيرِ القائمةِ على الحرب ، فقد نمنحُه فرصةً للعودةِ أو نفتحُ البابَ لظهورِ (الهروبية) من جديد.
أيها السادة ، لقد حققنا ما وصلنا إليه اليومَ على أساسِ أنَّ كلَّ سياساتِهم كانت خاطئة ، ولا يمكنُنا منحُهم أدنى فرصةٍ للنهوضِ مرةً أخرى. أتفهمون ذلك ؟ ".
أومأ الآخرون موافقين ، مدركين أنَّ الوقتَ ليس وقتَ تعزيزِ التواصلِ مع "لينش ".
"ولكن هل يعني هذا أن نبقى مكتوفي الأيدي ؟ " سأل أحدهم ، غيرَ راغبٍ في التخلي عن الفكرة.
ابتسم "ترومان " ونظرَ إلى "لينش " الذي كان يتبادلُ الحديثَ مع السيدِ "والدريك " وبدا أنَّ "لينش " قد استشعرَ ذلك فالتقت عيناه بعيني "ترومان ".
أما "والدريك " فقد لاحظَ انصرافَ انتباهِ "لينش " المفاجئ ، فلحقَ بنظراتِه.
تلاقت أعينُهم في الهواء ، ورفعَ الثلاثةُ كؤوسَهم إقراراً وتقديراً.
وبعد أن ارتشِفَ "ترومان " نبيذَه ، صرفَ بصرَه وقال "الشبابُ يمتلكون دائماً رغبةً لا تنتهي في الاستعراض ، وحتى إن لم نبحثْ عنه ، فسيجدُ هو سبيلاً ليخبرَنا بما يصبو إليه ، وما يعتزمُ القيامَ به ، وما يخططُ لتنفيذِه بعد ذلك! ".
وربما إدراكاً منه أنَّ الآخرين لم يستوعبوا قصدَه تماماً ، استطرد "ترومان " موضحاً "أذكرُ أنَّ هناك طلباً قُدِّمَ من ولاية (يورك) ؟ ".
أومأ مساعدُه على الفور "أجل ، لقد قدمَ بعضُ التجارِ طلباً للحصولِ على تصريحِ تجارةٍ دولية ".
أومأ "ترومان " "تحققوا ما إن كان (لينش) بينهم ، فإن كان كذلك فوافقوا على تصريحِ تجارتِه الدولية. وإن لم يكن ، فأرسلوا من يقنعُه بالتقديم.
وما إن يبدأَ بالانخراطِ في التجارةِ الدولية ، فكلُّ ما علينا فعله هو مراقبةُ أفعالِه!
وحينها سنقومُ بتحليلِ تصرفاتِه ، ودوافعِها ، وأساليبِه ، وأهدافِه ، وسنعرفُ كلَّ ما قد يرغبُ في قولِه ولم يجد مكاناً يعبرُ فيه عن مكنونِ صدرِه ".