Switch Mode

كود بلاكستون 156



الفصل 156:

لو كان خرق بعض القوانين العمالية قد يؤدي إلى خلق مزيد من فرص العمل ، عندها...

نحّى العمدة هذه الفكرة عن ذهنه سريعاً ؛ فقد كانت خطوة محفوفة بالمخاطر ، لا سيما في ظل الظروف الراهنة. فبمجرد أن يُهدم ذلك الرابط الذي يمثل التعايش السلمي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية ، فمن المرجح جداً أن يُفضي ذلك إلى عواقب وخيمة وتداعيات مروعة.

وقبل الوصول إلى مثل هذه الحافة لم تكن لدى العمدة أدنى نية للنظر في أفكار "لينش " السابقة. ومع ذلك كانت هناك فكرة أخرى تستحق الدراسة ؛ وهي تصدير البضائع.

فبعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها كانت الدول تعكف على إعادة إعمار المدن التي دمرتها النزاعات. لم تكتفِ الحرب بتحويل المدن إلى أطلال ، بل أجهزت أيضاً على البنية التحتية والمصانع التقليديه.

كان الجميع يدركون أن هذا هو الوقت الذهبي للتجارة الدولية. غير أن هذا التوجه تعارض مع سياسات الانعزال التي وضعتها سابقاً حكومة الرئيس والحزب الحاكم ، فقد كانوا يخشون أن تُفسر الأنشطة التجارية على أنها انحياز لطرف ما ، وهو ما قد يُفهم كاصطفاف سياسي في زمن الحرب.

خلال الحرب كانت القوات البحرية لكلا المعسكرين تفرض حصاراً على طرق الملاحة البحرية للطرف الآخر ، بل وكانت تشين هجمات على السفن التجارية في مياه العدو.

وحتى ظهور وسائل نقل أكثر تطوراً ، ظل الشحن البحري هو الخيار الأمثل للنقل لمسافات طويلة بلا منازع. وفي بعض الأحيان كانت مهاجمة السفن التجارية أكثر فاعلية من تدمير سفينة حربية.

وهذا ما سلط الضوء على حقيقة أن التجارة قد تُعتبر اصطفافاً.

أما الآن ، وقد انتهت الحرب العالمية لم تعد هناك حاجة للانعزال ، وصار الانفتاح على التجارة الدولية ضرورة ملحة. ومع ذلك بدا أن لدى حكومة الرئيس وجهة نظر مغايرة.

"ربما تكون هذه فرصة " هكذا فكر العمدة. إذ يمكنه استغلال هذه المسائل كوسيلة لمهاجمة سياسات الحزب الحاكم ، لجذب قسم من الجمهور المتذبذب إلى صفه.

كان يسبق الأحداث في تفكيره ، لكن سرعان ما عاد للتركيز على المهام العاجلة بين يديه.

لقد بدأ مصنع "مارك " بالفعل في شراء المواد الخام من المزارع والمراعي المجاورة. والحقيقة أن قطاعي الزراعة وتربية الماشية هما الأكثر صموداً بلا أدنى شك ؛ فالناس يحتاجون دائماً إلى الطعام ، وما دام هذا الطلب قائماً ، ستجد منتجاتهم الزراعية من يشتريها.

وعلى النقيض من منتجات هؤلاء الحمقى التي ينتهي بها المطاف مكدسة في المستودعات دون أي اهتمام حتى إنهم يعجزون عن بيعها بأسعار مخفضة.

كانت "بطاقات الطعام " على وشك أن تُطبع ، لكنها لم تكن حلاً جذرياً للمشكلة ؛ فالحل الوحيد لتحقيق الاستقرار في حياة الناس هو توفير الوظائف لهم. استقرت نظرة العمدة على "لينش " الذي لاحظ ذلك هذه المرة فابتسم وأومأ برأسه للعمدة في احترام.

رد العمدة بإيماءه خفيفة ، إقراراً منه ببادرة "لينش ".

انتهى الاجتماع الذي استمر لأكثر من ساعة ، دون حماس يُذكر. ففي الجزء الأخير منه ، طرح البعض اقتراحات لا طائل منها -مثل الدعوة إلى إلغاء ضرائب متنوعة من الآن فصاعداً واخذ ما دُفع من ضرائب سابقاً- وذلك لتخفيف الضغوط المالية والحفاظ على استمرار أعمالهم لأطول فترة ممكنة.

نعم ، لقد تحول الاجتماع من مناقشة حل القضايا الاجتماعية وخلق مزيد من فرص العمل إلى رأسماليين يتناقشون حول كيفية إبقاء شركاتهم واقفة على قدميها لأطول وقت وجني المزيد من المكاسب من الحكومة.

ومع عدم صدور أي أفكار بناءة ، أنهى العمدة هذه المسرحية الهزلية للاجتماع بشكل مفاجئ. ومع ذلك بدأت أصداء هذا الاجتماع العقيم تنتشر في أرجاء المدينة بهدوء.

بعد الاجتماع ، وجد البارون "رينولدز " "لينش " مرة أخرى. حيث كان مهتماً جداً بتشكيل فريق رجبي للسيدات ، وكان "لينش " أيضاً بحاجة إلى شخص مثله. والحق أن تأسيس فريق رجبي للسيدات يمكن اعتباره خلقاً لفرص عمل للمجتمع ، وهو أمر إيجابي.

دعا "لينش " البارون "رينولدز " إلى ناديه لمناقشة المزيد من التفاصيل ، كما كانت فرصة له ليلتقي بالفريق التدريبي الجديد.

قرابة الساعة الثالثة والنصف ، وصلا إلى النادي. ولدهشة "لينش " كان هناك طابور طويل خارج النادي يضم رجالاً ونساءً. حيث كان المدير "كاين " ينتظر بجانب الطريق منذ وقت مبكر ، وعندما رأى سيارة "لينش " الفارهة تقترب ، تقدم بسرعة وفتح له الباب بمجرد توقف السيارة.

"رئيسي... "

بعد أن ترجل "لينش " وهندم ملابسه ، استفسر عن طابور الناس على جانب الطريق "ما الذي يحدث ؟ "

حك "كاين " رأسه وقال "نحن نوظف رياضيين... "

كان الوضع الحالي في النادي أن "كاين " قد شكل فريقاً تدريبياً من برنامج الرجبي في إحدى الجامعات المرموقة. حيث كان كبير المدربين في هذا البرنامج يشعر بأنه لم يأخذ حقه في الدوريات الجامعية ، وكان يتطلع إلى آفاق أوسع في دوري الرجبي للمحترفين.

كل عام ، يراود الكثير من المدربين طموحات مماثلة ، لكن أغلبهم لا يحققونها أبداً. فالأندية الناجحة لديها أطقم تدريب مستقرة ، وما لم تنشب صراعات لا يمكن احتواؤها بين المدربين والمديرين ، فإنهم يظلون عادةً في مواقعهم.

علاوة على ذلك نادراً ما كانت أندية الرياضة للمحترفين ، سواء في الرجبي أو غيره ، تغامر بطاقم تدريب غير مُجرّب من دوريات غير احترافية. فلا أحد يرغب في المراهنة بمئات الآلاف أو حتى الملايين على مجموعة من المبتدئين.

إن دوري المحترفين والدوري الجامعي مفهومان مختلفان تماماً ، رغم اعتقاد مدربي الدوري الجامعي بوجود تشابه بينهما.

وهكذا ، ورغم تطلعاتهم كان هؤلاء المدربون يجدون أنفسهم عالقين في التدريس بالجامعات لعدم رغبة أحد في منحهم الفرصة.

بعد انتشار الخبر عبر "رابطة الرياضيين " بأن مدينة "سابين " تخطط لتأسيس نادٍ جديد للمحترفين ، بدأ بعض الفرق التدريبية الساعية للارتقاء بمسيرتها في إبداء اهتمامها. وكان هذا هو المسار الحتمي للانتقال من دائرة صغيرة إلى أخرى أكبر.

كثير من المدربين الممتازين بدأوا من أدنى الدوريات أو عملوا كمساعدين لمدربي المحترفين. ومن بين ترشيحات كثيرة ، وجد "كاين " فريقاً اعتبره واعداً وأخبر "لينش " بذلك.

في السابق كان "لينش " قد أشار إلى أنه إذا رأى "كاين " الأمر جيداً ، فيمكنه المضي قدماً دون حاجة لموافقة "لينش ". فقد كان "لينش " يدرك تماماً أنه لا يفقه الكثير في هذه الأمور ، وأن تدخله لن يؤدي إلا إلى تعقيد الموقف ، لذا قرر تفويض السلطة لـ "كاين ".

وبصفته مديراً محنكاً للأندية ، عرف "كاين " كيف يستخدم سلطته بفعالية.

هذا التفويض جعل "كاين " يتأمل الموقف ؛ فعلى الأقل شعر أن "لينش " لا يستخدم إحياء النادي كواجهة فقط ، بل ينوي فعلياً إحياءه ، وإلا لما منحه مثل هذه الصلاحيات الكبيرة.

ومع ذلك لم يتذكر "كاين " أنه نسي إبلاغ "لينش " إلا عندما سأله الأخير عما يحدث. وبشعور بالقلق ، بادر بشرح السبب.

في الواقع كان السبب بسيطاً: الميزانية التي قدمها "لينش " لـ "كاين " لم تكن تكفى لتمكينهم من شراء رياضيين محترفين بشكل مباشر. فحتى في ظل ركود السوق كان سعر انتقال لاعب الرجبي المحترف العادي يبدأ بعشرات الآلاف.

لم تكن فكرة بناء فريق تنافسي بسرعة عبر الشراء المباشر عملية. فهي تتطلب استثماراً يتجاوز المليون دولار للحفاظ على فريق محترف من الدرجة الثانية ، وهو مبلغ لم يكن "لينش " مستعداً لإنفاقه من أجل نتائج قد تكون متوسطة.

أما بالنسبة لفريق من النخبة ، فإن أموال الانتقالات وحدها يجب أن تتجاوز الثلاثة ملايين ، ناهيك عن رواتب البدلاء واللاعبين.

لذا قرر "كاين " والفريق التدريبي توظيف عمال عاديين شباب واعدين كلاعبين تحت النجم "شركاء تدريب ". ومن ثم سينافسون فرق الدوري الجامعي المحلية والمجاورة لتحديد أفضل العناصر.

كانت هذه خطة وضعها كبير المدربين الذي كان يتمتع ببعض الشهرة في الدوريات الجامعية ؛ فمعارفه جعلته مناسباً لهذه المهمة ، واتفق "كاين " معه على أنها مقاربة جيدة.

كان عليهم حسم تشكيلة أولية قبل بدء العام الدراسي في سبتمبر ، لذا أعلنوا في الصحف ، مما أدى إلى تدفق المتقدمين.

عكس هذا الأمر مخاوف الناس الحالية بشأن مستقبل حياتهم وأوضاعهم الراهنة ؛ فلكن وظيفة تدريب بأجر منخفض ، اصطفت طوابير المتقدمين على الرصيف. وكان تقدير أولي يشير إلى وجود ما لا يقل عن مئتين إلى ثلاثمئة شخص ، مع استمرار توافد المزيد وهم يحملون الصحف.

كان "رينولدز " قد نزل من السيارة وسمع شرح "كاين ". فسأل بفضول بعد أن أنهى "كاين " كلامه "هل التوظيف لفريق رجبي السيدات يسير على المنوال نفسه ؟ "

لم يكن "كاين " يعرف "رينولدز " ولكن بعد أن قدمه "لينش " فهم فوراً مغزى "لينش " وأومأ مسرعاً "نحن نركز على الفتيات الشابات المفعمات بالحيوية والنشاط والجذابات لفريق السيدات. ففي النهاية و كلنا نفضل الفتيات الجذابات... "

أنصت "رينولدز " باهتمام ، وبدا وكأنه مهتم حقاً. لم يستطع "لينش " أن يجزم ما إذا كان "رينولدز " يمزح أم أن هناك سبباً أعمق لاهتمامه.

دخلت المجموعة إلى النادي. وفور سماعهم بوصول مالك النادي ، اعتذر كبير المدربين عن إكمال عمله فوراً.

كان كبير المدربين في أوائل الأربعينيات ، في أوج عطائه. لقبه السابق كمدرب بطل في الدوريات الجامعية حفزه للسعي نحو الانتقال إلى دائرة المحترفين.

إن عالم المحترفين والدوري الجامعي دائرتان مختلفتان تماماً ؛ ليس فقط من حيث الرياضيين ، بل أيضاً في الإدارة التنظيمية. وببساطة ، يمتلك المستثمرون (أصحاب النادي) السلطة المطلقة ، يليهم مديرو الأندية ، وغالباً ما يأتي المدربون في مرتبة أدنى من اللاعبين النجوم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط