الفصل 153:
"سيادة الرئيس ، نحن نواجه في الوقت الراهن جملةً من المشكلات... "
بدا كبير مساعدي الحكومة متلعثماً بعض الشيء وهو يلقي نظرة فاحصة على التقرير الذي بين يديه ، ثم أردف قائلاً "لقد رفض التحالف المنتصر هذه المرة الوفاء بسندات الحرب الخاصة بنا ، متذرعين بضائقة مالية ، في حين أشارت الدول المهزومة إلى حاجتها لمزيد من الوقت ، قد يمتد لعدة أشهر ، لسداد مستحقاتنا ".
لان تعبير وجه الرئيس الصارم قليلاً ، فقد رأى في هذا النبأ بصيص أمل. "عدة أشهر ؟ لا مشكلة في ذلك ما داموا عازمين على سداد ديونهم ، فالأمر هين ".
غير أن كبير المساعدين لم يشاركه التفاؤل ، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة "لكن بعض التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن عدداً من الدول المهزومة قد بدأت بالفعل في طبع كميات إضافية من العملة لمواجهة عثراتها المالية الحالية ".
استحال وجه الرئيس جاداً من جديد ، بل طغى عليه شيء من السخط ؛ فقد أدرك مغزى هذا الكلام جيداً ، ولا أحد أكثر منه درايةً بتبعات التوسع في طبع العملة. و لقد كان من الواضح أن تلك الدول المهزومة تضمر النية للتنصل من ديونها ، وإن اختلفت أساليبها عن أساليب الدول المنتصرة.
لنفترض أن حكومة اتحاد "بايلور " قد اشترت سندات حرب بقيمة عشرة مليارات من دولة مهزومة كانت عملتها يوماً ما تعادل عملة الاتحاد "الثور " ؛ فبعد الحرب ، ستلتزم تلك الدولة بسداد هذه السندات بناءً على قيمتها الاسمية ، ولنقل مائتي مليار "ثور " أو أي رقم آخر بعملتها المحلية.
ولكن الآن ، وبسبب طبع المزيد من النقود ، بدأت قيمة عملة تلك الدول تتهاوى في السوق الدولية ، وإذا أضفنا إلى ذلك "هزيمتهم " العسكرية ، فإن العملة التي كانت تساوي "واحداً لواحد " مقابل "الثور " قد تنهار لتصل إلى "مائة لواحد " أو حتى "ألف لواحد " تحت وطأة الأخبار السلبية والتضخم.
وبحلول الوقت الذي تصبح فيه أموالهم بلا قيمة ، قد لا تساوي سندات الحرب المائة مليار أكثر من مليون "ثور " واحد!
كانت الدول المنتصرة ترفض الوفاء بالتزاماتها بصلف ، بينما وجدت الدول المهزومة سبلها الخاصة لتجنب المزيد من الخسائر ، مما أصاب الرئيس وطاقمه الحكومي بحالة من الصداع المزمن.
ولم يكن هذا هو الجزء الأسوأ ؛ فقد وردتهم معلومات تفيد بأن بعض سندات الحرب الخاصة بالدول المنتصرة قد تم صرفها بالفعل. فقد كانت الدول الصغيرة التي اتخذت موقفاً متحالفاً دون أن تكون في الخطوط الأمامية للحرب هي أول من تلقى مدفوعاتها.
لو لم يحصل أحد على أي مستحقات ، لكان بوسع الحكومة الفيدرالية التذرع بالوضع الداخلي للتحالف المنتصر ، وبأنهم لم يستطيعوا توفير تلك السيولة في وقت قصير ؛ فتعويض ملايين القتلى بحد ذاته يمثل عبئاً ثقيلاً ، ناهيك عن إعادة إعمار المدن المدمرة.
ولكن ما دامت قد جرت بعض عمليات الدفع ، فإن الموقف الدولي لاتحاد "بايلور " قد أصبح حرجاً للغاية ، مما أعطى انطباعاً مباشراً بأن الاتحاد يُستهدف بعينه.
ومع هذه المقارنة ، بات من الممكن أن يتدهور الوضع الداخلي سريعاً. والأسوأ من ذلك أن كل هذا كان نتيجة لسياسات الانعزال التي انتهجها "حزب الحاكمين " طويلاً. ولو اعتقد الناس أن سياسات الرئيس هي السبب في هذا المآل ، لتعرض الحزب وطاقم الرئيس لضغوط هائلة.
إن ما اعتبروه سابقاً أنسب سياسة للاتحاد على الساحة الدولية ، قد يتحول في لمح البصر إلى أكبر خطأ فادح ترتكبه هذه الإدارة بسبب تلك العلاقات الدولية.
فمواطنو الاتحاد الذين اعتادوا العيش في أمن وسلام لن يتعاطفوا مع طاقم الرئيس ، بل قد ينقلبون ضدهم ، محملين الإدارة مسؤولية الانحدار الحالي. و كما أن العاطلين عن العمل قد يكيلون الاتهامات للحكومة ، معتبرين أن سياسات الانعزال حولت الاتحاد إلى "جزيرة " منعزلة ، مما تسبب في شتى المشكلات التي يواجهونها الآن.
إن إرادة الناس لا تستقر أبداً ، فهي تتقلب دائماً لتلبي أهواءها الضيقة ومصالحها الأنانية.
وعندما فكر الرئيس في الحشود الغفيرة التي تتظاهر خارج القصر الرئاسي ، اعتراه صداع شديد وقال "في الوقت الراهن ، لا تدعوا هذه الأخبار تتسرب ، واطلبوا من دبلوماسيينا مواصلة المفاوضات معهم ، فحتى إن لم نحصل على كامل مستحقاتنا ، فإن أي استجابة إيجابية ستفي بالغرض ".
هنا ، تنحنح وزير الخارجية بخفة ، فنظر إليه الرئيس بشيء من الامتعاض. ابتسم الوزير ابتسامة ساخرة وتساءل "سيادة الرئيس ، بأي حجة سنقنعهم ؟ "
سؤال واحد كفيل بتحويل امتعاض الرئيس إلى ألمٍ دفين ، وبدأ هو نفسه يشك في جدوى سياسة الانعزال ؛ فبينما كانت تبدو صائبة قبل بضع سنوات لم يعد متأكداً من ذلك الآن.
سرعان ما تسربت تفاصيل الاجتماع المصغر في القصر الرئاسي. ففي اتحاد "بايلور " و كلما زادت سرية الأمر ، قلّت حقيقته كسرّ ؛ فهذا ديدن الأمور وواقعها.
فمن المرجح أن لكل مسؤول ممولين ماليين أو رأسماليين كباراً يقفون وراءه ، بخلاف الرئيس. و لقد كان صعودهم للسلطة بفضل دعم الرئيس ، ولكن بفضل اتفاقات أبرمت بين أقطاب المال والتكتلات الاقتصادية الكبرى أيضاً.
لقد ساعدوا الرئيس في الفوز بالانتخابات ، فكان طبيعياً أن يضعوا وكلاءهم في الحكومة.
وما داموا قد قدموا العطايا السخية للأشخاص المحوريين ، فهل يُعقل أن يُرفض طلبهم بتعيين وزراء أو نواب ؟
وهكذا لم يعد هناك سر يخفى على أحد داخل الحكومة. سرعان ما علمت التكتلات الكبرى بهذه القضايا ، وإن لم تبادر فوراً لتنفيذ خططها ، بل بدأت في التنسيق لإعادة هيكلة مصالحها الصناعية.
لم يكن التسرع مقبولاً لأن العديد من التكتلات الكبرى لم تكن قد سحبت استثماراتها بعد ، ولو تحركوا قبل أوانهم لتعثروا. لذا كانوا بحاجة للوقت للتخلص من الأجزاء غير الضرورية بانتظار إشارة البدء.
في ظهيرة السبت كان من المقرر أن يحضر "لينش " اجتماعاً استشارياً صغيراً للمضيفهية مدينة "سابين ".
لقد دعت البلدية نخبة المجتمع لمناقشة سبل تحسين الوضع الراهن ومستقبل المدينة.
بطبيعة الحال كان "لينش " ومصرفيون أمثال "جوغلمان " من بين المدعوين. وبناءً على طلب موحد من وزارة المالية في اتحاد "بايلور " بدأت البنوك الكبرى الستة في تجربة نشاط جديد يتمثل في "قروض نقاط الانجاز " لمواجهة الأزمة الحالية.
سيحصل كل فرد على "درجة نقطه انجازية " بناءً على مساهماته في التأمين الاجتماعي ، وسجله السابق في المجتمع ، وما يملكه من أصول وثروة. وبناءً على هذه الدرجة و يمكنهم الحصول على مستويات متفاوتة من قروض نقاط الانجاز غير المضمونة من البنوك.
كان الهدف من هذه السياسة مساعدة العاطلين عن العمل الذين يواجهون صعوبات ، بشرط أن يكون لهم سجل جيد وبعض المدخرات ليتجاوزوا هذه الأوقات العصيبة.
أما المشردون أو من لا يملكون شيئاً ، فلم يكونوا مشمولين في هذه الخطة.
قبل الاجتماع كان "لينش " يتحدث مع آخرين عن ناديه ؛ فقد وجد "كين " فريقاً تدريبياً محترفاً له ، وبدأوا في استقطاب لاعبين جدد ، مما أعاد إحياء اهتمام البعض بالنادي.
يحب الناس مشاهدة الأزهار المتفتحة ، وبطبيعة الحال يحبون البراعم التي توشك على التفتح. و لكن قلة من الناس يرغبون في فهم الخطوات التي تتطلبها تلك الزهور لتنمو من بذرة إلى زهرة كاملة ، أو كيف تُنفذ كل خطوة. إنهم يريدون الاستمتاع بالنتيجة النهائية ، لا تحمل عناء العملية والمسؤولية. والأمر ذاته ينطبق على رياضة "الرجبي ".
في الواقع كان الناس يأملون أن تمتلك مدينتهم فريقاً رياضياً محترفاً ، سواء كان في الرجبي أو البيسبول أو غيرهما. وكانوا يتوقون لسبب يجعلهم يخلعون قبعاتهم ويلوحون بها وهم يشاهدون تلك المنافسات.
سابقاً لم يكونوا مستعدين لتحمل هذه المسؤولية ، لكنهم الآن صاروا يطمعون في الاستمتاع بها لأن شخصاً آخر قد تولى عنهم عناء المشاكل.
وبينما كانوا يتجاذبون أطراف الحديث حول فرص انضمام النادي للدوري المحترف العام المقبل ، اقترب "جوغلمان " من المجموعة ، وحيا الجميع ، ثم نظر بوضوح إلى "لينش " وقال "هل ندخن ؟ "
أومأ "لينش " بالموافقة قائلاً "بالطبع... " ثم اعتذر من الجميع وذهب مع "جوغلمان " إلى ركن خارج قاعة الاجتماع ليدخنا.
لم يكن هذا "لقاءً " عابراً ؛ فبينما كان كلاهما يشعل سيجارته ، التفت "جوغلمان " حوله قبل أن يتحدث بصوت خافت "إذا كنت بحاجة إلى قرض ، فمن الأفضل أن تنجزه قبل أكتوبر. فبعد أكتوبر ، سترفع البنوك معايير المخاطر والموافقة ، ولن يكون الحصول عليه بالأمر السهل ".
كانت البنوك شديدة الحساسية تجاه السياسات والأوضاع الوطنية والدولية ، ولديها أكثر من قسم بحثي مخصص لهذه المسائل.
وبعد تسرب أخبار طاقم الرئيس ، توصلت البنوك بسرعة إلى استنتاج مخيف ؛ فقد قرروا عدم الموافقة على القروض بسهولة بعد الربع الثالث ، وخفض جميع مبالغ القروض لضمان سلامة أصول البنك.
تلقى "جوغلمان " أيضاً إخطاراً منفصلاً ؛ فابتداءً من الربع الرابع ، ستتم مراقبة سلطته في الموافقة.
لم يكن الإخطار المنفصل نابعاً من عدم ثقة الفرع الإقليمي للبنك به ، بل لأنه قد ضمن بالفعل جائزة الأداء لهذا العام. حيث كانت رسالة الإدارة له أنه إذا كانت لديها أي مخالفات ، فعليه تسويتها سريعاً. بالإضافة إلى ذلك كانت هناك تعليقات ساخرة من البعض ، وحتى يظهروا العدالة ، ستخضع موافقاته للمراجعة بدءاً من الربع الرابع.
أما عن متى سينتهي هذا ، فإما أن تتم ترقيته ، أو أن يتحسن الوضع الراهن ؛ فبخلاف ذلك لن يطرأ أي تغيير في المدى القريب.
نظر "لينش " إليه بعد أن سحب نفساً عميقاً من سيجارته وقال "وماذا عن القروض السابقة ؟ "
هز "جوغلمان " رأسه "تلك رُفعت تقاريرها بالفعل إلى الفرع الإقليمي والمقر الرئيسي. لذا إذا كنت بحاجة لأي شيء ، فلتنجزه الآن ما دمت أملك بعض النفوذ ، فلن أتمكن من مساعدتك لاحقاً ".
تحدث بنبرة تحمل شيئاً من جلد الذات ، لكنه كان واقعاً في وضع لا حول له فيه ولا قوة ؛ ففي غضون شهرين فقط ، انتقل من كونه موظفاً عادياً إلى متصدر لقوائم الأداء. وفي الداخل والخارج ، ثارت شكوك بأن ما حققه كان عبر طرق غير مشروعة.
ففي نهاية المطاف حتى مجلس الإدارة في المقر الرئيسي ذكر اسمه ، بل اقترح البعض أن يتجاوز الإجراءات المعيارية للعمل بين الفرع الإقليمي والمقر الرئيسي التي تتطلب سنتين من المراقبة ، ليُعين مباشرة كمدير بنك على مستوى المنطقة. فكيف لا يثير هذا غيرة الآخرين أو يدفعهم للجنون ؟