الفصل 119:
داخل النادي ، وقف كين في مواجهة زملائه ، أولئك الذين زامل بعضهم لبضع سنوات ، بينما قضى مع آخرين أكثر من عقد من الزمان. حيث كان وجهه شاحباً كالموت.
أما نظراتهم إليه فكانت مزيجاً غريباً ومعقداً ، مفعمةً بالاشمئزاز والبغضاء ، ومشاعر أخرى لا تُفسر ، تداخلت فيها مسحة من التوجس مع تملقٍ تشوبه مرارة الحقد.
لقد أُقيل الجميع ولم يبقَ سوى كين ، وما زاد من مرارة الأمر وصعوبة تقبله هو أن كين قد صار الجلاد المسؤول عن تنفيذ حكم الفصل النهائي.
كان مفهوماً لماذا أبقوا على السباكين والكهربائيين ؛ فتلك طبيعة المهن الفنية و كلما زادت ساعات عملهم ، صقلت مهاراتهم ، وصار العثور على عمل مُرضٍ أمراً يسيراً. أولئك الحرفيون المتمرسون كانوا يتعاملون مع أي مشكلة ، كبيرة كانت أو صغيرة ، بسلاسة تامة.
لكن البقية لم يحالفهم الحظ ، فقد استدعاهم كين جميعاً ليُطفئ بيده آخر بصيص من الأمل لديهم.
أصبح الجو في النادي ثقيلاً كأنه مجلس عزاء ، والجميع يرتدي وجوهاً كليحة ، وكأنهم يندبون شيئاً دُفن في أعماقهم. وببصره الذي طأطأه أمامهم تمتم كين بكلمات اعتذار خافتة. لم يرد عليه أحد ؛ بل اكتفوا بالنظر إليه أو إشاحة وجوههم عنه.
بعد وقت قصير ، نهض المدرب ؛ كانت الزجاجة التي في يده فارغة ، وفوح منه عبق الكحول. و قال بلهجة متذمرة "ألن نرحل ؟ هل سنبقى هنا... لنكون أضحوكة للآخرين ؟ " وبعد أن أشار إلى تلميذه ، ساعده مدرب مساعد على الخروج وسط تمتماته الغاضبة.
كان رحيل المدرب أمراً توقعه الجميع ، لكنهم لم يتوقعوا أن يكونوا هم أنفسهم جزءاً من خطة التسريح. وبالتدريج ، بدأوا ينهضون واحداً تلو الآخر ويغادرون في صمت. فجلهم كان لديه أعمال أخرى ، ولم يكن وجودهم في النادي نابعاً من شغف ، بل طلباً للدعم المادي.
رابطة الرياضيين لم تتوقف قط عن دعم الرياضيين المحترفين ، لكن الأمر يخضع لإجراءات ، إذ يتعين عليهم الانتساب لنادٍ حتى وإن كان نادياً للهواة. ومع أن خسارة الدعم كانت خيبة أمل إلا أنهم لم يكونوا ممن يسألون الناس إلحافاً ، فخسارته لا تعني المجاعة ، ونيله لن يغير حياتهم جذرياً ؛ لذا اختاروا الانصياع لرغباتهم والرحيل دون إبطاء.
أما من بقوا ، فكانوا شديدي التعلق بالنادي أو لا ملجأ لهم غيره ، فظلوا يأملون في لقاء "لين تشي " لعلهم يجدون باباً للتوبة أو اخذ مكانتهم.
في فترة ما بعد الظهيرة ، اقتحمت تسع شاحنات ضخمة موقف سيارات النادي ، وكان مشهد اصطفافها بجانب بعضها البعض يبعث على الرهبة. أجرى كين نقاشاً مقتضباً مع قائدها "كوك " تركه في حيرة من أمره.
وبعيد الساعة الثالثة والنصف ، دخلت سيارة "لين تشي " الفاخرة إلى النادي ، فقاد كين الاثني عشر عضواً المتبقين لاستقباله.
لم يتصرف "لين تشي " كمن قطع لتوّه فرص هؤلاء في الاستمرار ، بل فاضت منه دفء المشاعر ، كأنه شخص مألوف من ذكريات الجميع ؛ كابن الجيران أو قريبٍ محبوب ، شابٌ مشرق ، مليء بالحيوية ، وابتسامة تعلو محياه.
هذا التناقض الصارخ أورث الجميع شعوراً باللاواقعية ؛ أيمكن لهذا الشاب الوسيم المشرق أن يصدر مثل هذه الأوامر القاسية ؟
"كل واحد منكم هو بطل من أبطال هذا النادي. "
في غرفة الاجتماعات الصغيرة كانت هذه أولى كلمات "لين تشي " وهو يثمن مساهماتهم ؛ كان تعبيره صادقاً ، وصوته مشحوناً بعاطفة عميقة.
بعض الحساسين منهم اغرورقت عيناه بالدموع ، مستذكرين المعجزات التي صنعها النادي في الماضي ، وشاهدين على صعوده وأفوله. وكلما أمعنوا في التفكير ، زاد ألمهم.
أطال "لين تشي " النظر في كل واحد منهم وقال "إن قيام إمبراطورية جديدة يبنى حتماً على أنقاض القديمة ، والأمر سيان بالنسبة لهذا النادي ".
"إن الهيكلية غير المنطقية ، ونظام الإدارة ، ومعايير التوظيف ، قادتنا إلى مجد زائف تبعته هوة سحيقة ".
"أنا هنا لأنتشله من القاع. لا أهزل بأموالي ؛ فلكي أعيد إحياءه ، ولكي أقدم نادي 'سابين مدينة ' للرجبي للناس من جديد ، عليّ أن أجتث جذور الفساد ".
"في الحقيقة ، يؤلمني هذا بشدة ، وأشعر بالأسى أيضاً! "
"كل واحد منكم ثروة غالية للنادي ، لكننا أمام خيار صعب ".
"تحدثت مؤخراً مع العمدة ؛ سينتقل نادينا ، وسأؤسس مركزاً رياضياً أكثر احترافية ، بفريق كفء ليتولى المهام ، ورياضيين أكثر تواضعاً وموثوقية ".
"سنصنع أمجاداً جديدة ، وتاريخاً جديداً ، وسنكتب معجزاتنا في الدوريات الوطنية ".
"أنتم جميعاً شهود ، وحتى لو لم تكونوا هنا في النادي ، فأنتم شهود على هذه المعجزات ".
كانت كلمات "لين تشي " تنبع من القلب دائماً. صمت هنيهة ثم خفتت نبرته قليلاً "امتناناً لما قدمتموه سابقاً ، سأؤسس منذ اليوم قاعة للمشاهير ، تُحفر فيها أسماؤكم ، وتصبحون أعضاءً شرفيين مدى الحياة ".
"كلما خضنا مباراة ، سواء في الرجبي أو التنس أو البولو أو البيسبول أو الهوكي... " مسح ببصره عليهم مجدداً "كلما كانت لدينا مباراة ، يمكنكم الدخول مجاناً ومشاهدتها من أفضل المقاعد ".
"يمكنكم القدوم للنادي متى شئتم ، لمراقبة تقدمنا وتجربته يوماً بعد يوم ".
"وبالطبع ، رغم أنكم فقدتم وظائفكم مؤقتاً ، سأعيد فتح باب التقديم للعامة ؛ فإذا استوفيتم متطلبات الفريق الجديد ، فأهلاً بكم في هذه العائلة... "
فجأة ، تلاشت نقمة هؤلاء على "لين تشي " بل صاروا أكثر رضاءً ، وشعروا أن ما يفعله منطقي وهو القرار الصواب. فقد كان في النادي جو لا يُطاق ، وكثيرون كانوا يؤدون أعمالهم كأنهم "يؤذنون في مالطة " بل أهملوا واجباتهم.
كان انتسابهم للنادي طلباً للمال فحسب ؛ لم يكترثوا لمصيره ، بمن فيهم الطاقم التدريبي. وبالنظر إلى الماضي كان جلياً أنهم لو استطاعوا النهوض بأنفسهم حين واجه النادي التحقيقات والأزمات ، لما وصلوا إلى هذا الحال.
كانت رابطة الرياضيين تضمن لهم أبسط سبل العمل ، وما داموا يسعون للفوز ، فمستقبلهم بخير. و لكن أولئك الذين أرادوا التكاسل هم من أوردوا النادي هذا المورد. ولن تلوح بارقة أمل ما لم تُقطع تلك الأيادي الفاسدة.
حتى إن بعضهم ظن أن "لين تشي " فعل ذلك متعمداً ، وأيقنوا أن بإمكانهم الاندماج في النادي الجديد ورفع رؤوسهم فخراً.
تحت وطأة خطاب "لين تشي " الصادق والمؤثر ، بدأ الجميع يشعر بمدى تقديره للنادي وتفهموا نواياه الحسنة. بل ظنوا أن هدفه هو طرد البعض ليُعاد توظيفهم من جديد ويقودوا النادي لأمجاد أكبر.
فجأة لم يعودوا يحقدون عليه. و بالطبع ، بقي في نفوسهم بعض الضيق من كين ، لكنهم في المحصلة كانوا راضين جداً. فسواء كانوا في النادي أو خارجه ، هم اليوم في قاعة المشاهير ، ويتمتعون بامتيازات رفيعة ؛ فماذا يريدون أكثر من ذلك ؟
بعد أن رسم "لين تشي " لهم ملامح المستقبل وناقشهم في التحديات الحالية ، انصرف كل منهم بامتنان وحماسة ، مصافحين إياه. وبالطبع لم يلحظوا أن كل ما دار كان مُسجلاً بعدسات الكاميرات.
بعد توديعهم تملكت كين مشاعر متقدماً ؛ فكثير مما ذكره "لين تشي " كان خافياً عليه. لم يجرؤ على السؤال آنذاك ، لكنه الآن لم يتمالك نفسه "يا رئيس ، ذكرت أننا سننتقل لمكان جديد... "
التفت "لين تشي " إليه وأومأ برأسه "على الأقل ثلاثين فداناً أو أكثر ، ربما أكثر بكثير. لن يقتصر النادي على الرجبي ، بل سنخوض في مختلف الرياضات الشهيرة ".
لم تكن قيمة الرياضة والعلامات التجارية المرتبطة بها جلية في هذا العصر ، ولم يدرك الناس إمكاناتها بعد. و لكن "لين تشي " كان يعي ذلك.
أخبار من يمتشقون السلاح لسرقة الأحذية في الشوارع كانت خير دليل ؛ لم يطمعوا في المال ، بل أرادوا أحذية بعينها. و في هذا العالم "القاحل " كانت الكثير من الأمور في مهدها ، مما يجعلها لحظة مثالية للوضع الصناعي.
قد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لرؤية نتائج مُرضية ، ولكن بمجرد نضوج هذه الصناعات ، ستدر أرباحاً هائلة وتأثيراً لا يمكن غض الطرف عنه.
لم يكن كين يدرك أبعاد خطط "لين تشي " العميقة. و في تلك اللحظة ، شعر فقط أن تحمّل النقد من أجل "لين تشي " كان يستحق العناء. فلم يكن لديه مآرب أخرى ؛ فجلّ همه هو الرجبي.
في هذه اللحظة ، ظن أن "لين تشي " في مزاج جيد ، فسأله بتردد "يا رئيس ، ذكرت أنك ستوظف أولئك الزملاء مجدداً... "
ضحك "لين تشي " ضحكة جعلت كين يشعر بعدم الارتياح "بالطبع ، لكن عليهم أولاً تلبية متطلبات الفريق الجديد. نحن لا نحتفظ بالسجل الميت... بل لا نحتفظ بمن لا نفع فيه ".