تزعم "شيطان العقرب العتيق"، ذو المرتبة السامية، جيشاً جراراً من الجنس الشيطاني يربو قوامه على مليون مقاتل؛ حيث انقضّوا من فيالق سفن "الحيتان الشيطانية" الضخمة، وسرعان ما انتظموا في تشكيلٍ عسكريٍّ فضفاض في ردهات الفضاء.
كان جيش السلالة الشيطانية في هذه الكرة يتألف من عتاةٍ يتمتعون ببنية جسدية فارعة ومراسٍ صلب، إذ فاق حجم كل جنديٍّ منهم حجم أقرانهم من محاربي الشياطين بأشواطٍ بعيدة. حتى إن "تشين جيولو" أبصر في مقدمة الجند ثلاثة صفوف من عمالقة الجنس الشيطاني، نافت أطوالهم على مئة متر. وعلاوة على ذلك، كان أفراد هذه السلالة يتقنون "فن التحول"، بيد أنهم احتفظوا بضخامة أجرامهم حتى بعد تبدل هيئاتهم.
وقف "لي شو" إلى جوار "تشين جيولو"، يلعق شفتيه في نهم، وقد ارتسمت على محياه ابتسامةٌ قاسية تنضح بالإثارة، وقال: "أخي (تشين)، أزفت ساعتي في هذه الجولة، أليس كذلك؟". أجابه "تشين جيولو" بزهو: "هيا بنا، لننقضَّ عليهم معاً!".
وبأمرٍ من "تشين جيولو"، استنفر محاربو الشياطين قواهم الطاغية، وانطلقوا كالصواعق المرسلة نحو جيش العدو. وبما أن الخصم قد اعتمد تشكيلاً يقاوم السحر، لم يكن ثمة داعٍ لانتهاج استراتيجياتٍ تستنزف الطاقة؛ فما من أحدٍ بَلغ من الجرأة مبلغاً يجعله يتحدى بأس هؤلاء المحاربين في نزالٍ مباشر "وجهاً لوجه".
وفي تلك الآونة، كان الشيطان الثور "نيو دالي" يعتلي ظهر سفينة القيادة "الحوت الشيطاني"، وقد كست ملامحه غبرةُ غضبٍ عارم. صرخ محتداً: "كيف يجرؤون على المبادأة بالهجوم؟! بلّغوا (شيطان العقرب) أن يضرب بيدٍ من حديد! لا يعد إليّ إلا وقد صيرهم جثثاً هامدة!".
نُقِل الأمر إلى "شيطان العقرب"، فاستشاط حماساً فوق حماسه، ونادى في جنده: "يا رجال! أمرنا اللورد (نيو) بأن نسحقهم سحقاً حتى يلفظوا أنفاسهم! هاجموا!!".
ومع أن تشكيل السلالات الشيطانية لم يضارع دقة محاربي الشياطين، إلا أن زحفهم انبعثت منه هالةٌ من "الحديد والنار"، تشي بخبرتهم العريضة في ساحات الوغى. بيد أنهم، مقارنةً بهؤلاء المحاربين الذين صقلتهم نيران "الهاوية" لآمادٍ لا تُحصى، ظلوا في عِداد الغرار الذين لم يحنكهم الصراع بعد.
"اقتلوا!!"؛ زأر "تشين جيولو"، وشق سيفه الطويل الفضاء ببريقٍ ساطع، ليقود الهجوم الكاسح نحو قلب جيش العدو. وتبعه محاربو الشياطين كالسيل العرم الذي لا يُبقي ولا يذر، منقضين على جيشٍ يفوقهم عدداً بعشرة أضعاف.
توارت "باي يان" في طيات الفراغ، ترقب المشهد ببرودٍ تام، فلم يساورها قلق؛ إذ لم يكن تواجدها إلا درعاً واقياً ضد أي محاولة "لاغتيال القادة" من جانب الخصم، فقد كان "تشين جيولو" ساعدها الأيمن الذي تخشى عليه غدر الكمائن.
"اقتلوا!! قاتلوا من أجل سيدنا!"
"قاتلوا من أجل سيدنا!"
"قاتلوا من أجل سيدنا!"
تلألأ عتاد المحاربين بضياءٍ غامض، يمدُّهم بالقوة والسرعة والمنعة الجسدية. فقد أضحى كل محاربٍ منهم في ذروة "مقام القديسين"، وبفضل هذا التطور، بات بمقدورهم مجابهة أعتى الخصوم من المراتب العليا في أتون المعركة. ورغم أن القوة الإجمالية للعرق الشيطاني كانت تتفوق على متدربي العشائر البشرية العاديين، إلا أنهم كانوا في مواجهة "محاربي الشياطين" الأشد بأسًا، وليسوا حيال خصمٍ هين.
وحين التحم الجمعان للمرة الأولى، كان هجوم محاربي الشياطين كالموج العاتي، فدكّ حصون جيش السلالات دكاً! وبدا للمراقب من بعيد كأن عشرة آلاف محارب قد طبقوا الحصار على مليون مقاتل! أما أولئك العمالقة، فقد غدوا "كالأخشاب المسندة"، إذ أعاقهم عظم أجرامهم وصعوبة مناورتهم عن الصمود، فاقتنصهم المحاربون وأردوا قتلاهم دون أن يمنحوهم فرصةً للثأر.
لقد واجه هؤلاء المحاربون شتى صنوف الشياطين في أعماق الهاوية، بما في ذلك العمالقة، فكانت خبرتهم القتالية أرسخ جذوراً من جنود العدو، وبفضل قوتهم الفطرية الفائقة، أبادوا أعداداً غفيرة من السلالة الشيطانية بيسرٍ شديد، مخلفين وراءهم دماراً واسعاً.
مزق هجوم المحاربين تشكيلات العدو كسكينٍ حامية في زبد، ولم يمضِ غير دقيقتين حتى اخترق "تشين جيولو" و"لي شو" وصحبهم قلب ذلك الجيش المليوني، مخلفين وراءهم هوةً سحيقة في معنويات الخصم الذي تزلزلت الأرض من تحت أقدامه، وغرست الهيبةُ أنيابها في قلوبهم.
"أسرعوا! لا تدعوهم يفلتون من أيديكم!"
استدار "تشين جيولو" نحو جنود السلالة الشيطانية الذين صمدوا أمامه، وهز رأسه في استخفاف، ثم استأنف المذبحة. في بادئ الأمر، ظن أن لدى هؤلاء تشكيلاتٍ حصينة أو فنوناً سرية، لكن تبين أنهم لا يملكون من ذلك فتيلاً؛ فلم يكن هذا الجيش المليوني مجهزاً بأسلحةٍ مريعة، ولا حتى بوسائل لصد هجمات المحاربين.
ولم يعرف المحاربون للرحمة سبيلاً، بل عملوا "كالمصفاة" التي تعزل الضعفاء، فأسقطوا نصف الجيش في جولةٍ واحدة.
"الفرار.. الفرار! إنهم شياطين من مردة الجن!"
"بسرعة! تراجعوا! لا طاقة لنا بقتالهم!"
"أعني.. أنقذني.. خذني معك.."
دبَّ الخور في صفوف الجنس الشيطاني بعد أن ثابوا من هول الصدمة، وأدركوا أن رفاقهم يُحصدون حصداً، فتبددت شجاعتهم وحل محلها رعبٌ جاثم. وبعد عشر دقائق، كان جميع المحاربين قد اخترقوا خطوط العدو، ملحقين خسائر فادحة في صفوفهم، حيث هلك أكثر من نصف الجند العاديين، ولم يبقَ سوى القادة في معزلٍ هش.
"هلمّوا! أطبقوا عليهم! من أجل سيدنا!"
"من أجل سيدنا!"
استنهضت صرخة "تشين جيولو" العزائم، فاستدار المحاربون لشن كرةٍ ثانية لا تُصد ضد جيشٍ فقد كل وسائل الدفاع. ومع بدء الهجوم الثاني، خبت جذوة المعركة لتصبح رتيبةً إلى أبعد حد؛ فرغم أنها بدأت كصدامٍ بين جيشين، إلا أنها استحالت إلى "مذبحةٍ نكراء" من طرفٍ واحد! اندفع المحاربون يقطعون الرؤوس ضربةً تلو ضربة، ودوت أصداء الفتك في أرجاء الفضاء. ومع كل هويةٍ لنصل السيف، كان الزئير والصراخ يملآن الساحة، ويفتّان في عضد الجميع.
"اقتل! اقتل! هاهاها!"
لوّح "تشين جيولو" بسيفه يمنةً ويسرة، مستهدفاً الرؤوس الكبيرة التي قد تشكل خطراً على رجاله، فقضى عليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم. وكان المحارب الواحد كفيلاً بدحر عشرةٍ من جنود السلالة، مبيدين إياهم فرداً فرداً.
وعلى متن سفينة القيادة، وقف "نيو دالي" مبهوتاً، وقد ألجمت الدهشة لسانه وهو يرقب فناء جيشه، ويردد: "أنى لهذا أن يحدث؟! كيف عادت الدائرة علينا مرة أخرى؟ ومن أين لهم بهذه القوة الضاربة؟!". لم يستوعب عقله كيف تهاوت جيوشه الجرارة، ولم يصدق أن الغلبة آلت لخصومه بهذه السرعة الخاطفة.