حفاظاً على استقرار الكائنات القاطنة على مقربة من مدخل عالم الفناء، تسلّم تشين جيولو "قسيمة النمر" الخاصة بباي يان، وانتقى مائة ألف من عُتاة محاربي الشياطين لمغادرة ذاك العالم.
وبحكم قيادته الطويلة لمحاربي الشياطين، كان تشين جيولو -إلى جانب باي يان- الأدرى ببأسهم وقدراتهم؛ لذا كان يدرك يقيناً كيف يطوع هؤلاء المئة ألف مقاتل لدحر جيش "الياو" الجرار الذي يربو قوامه على عشرة ملايين جندي.
لم يكتفِ باي يان باشتراط الفوز في هذه الملحمة فحسب، بل أرادها هزيمةً نكراء للعدو ونصراً مؤزراً يخلده التاريخ، وهذا هو المسعى الذي كان تشين جيولو يصبو إليه في تلك اللحظة.
ومع انقضاء ثلاثة أيام، كان من المفترض منطقياً وصول جحافل "الياو" إلى تخوم عالم الفناء، بيد أن الكائنات القاطنة هناك لم تلحظ أي أثر لجيش الملايين العشرة؛ ففي البقعة التي شهدت انكسار جيش المليون بقيادة شيطانة وحيد القرن، تم اعتراض زحف "الياو" مجدداً.
صاح أحد المستطلعين: "أبلِغوا نيو دالي، ثمّة مئة ألف من جنود البشر في مواجهتنا!"
فقهقه نيو دالي مستهزءاً: "مئة ألف؟ أتوا لحتفهم؟ أشرع بنو آدم أخيراً في التخلص من خصومهم؟ هه! سأرد لهذا المدعو باي الجميل! ائتوني برؤوس هؤلاء المئة ألف، وتذكروا: استبقوا أولئك القادة القلائل أحياء؛ فأنا أتوق لرؤية ردة فعل ذاك "الباي" حين يبصرهم ذليلين مجدداً!"
ثم انفجر نيو دالي ضاحكاً بملء فيه، وبعث بقائده المخلص على رأس مئتي ألف مقاتل من قوات "الياو" لخوض المعمار. ومن وجهة نظره، كان يظن واهماً أن باي يان قد ألقى بهؤلاء القوم ككباش فداء للتخلص منهم، وإلا فإن الزج بمئة ألف من البشر ضد جيش قوامه عشرة ملايين لا يعني إلا أن صواب باي يان قد جُفي. ومع أنه تمنى في قرارة نفسه أن يكون الاحتمال الثاني هو الصواب، إلا أن خبرته وتقديره للموقف رجحا كفة الاحتمال الأول.
غير أن الحقيقة المرة تجلت في زيف ظنونه؛ فلم يبقَ لمئتي ألف جندي وحاشيته المقربة سوى الهلاك والنديب في لُجّة بحر النجوم السرمدي.
هتف لي شو، ذاك الشغوف بالقتال الذي ضاق ذرعاً بمنازلة أسياد الشياطين في الهاوية: "أخي تشين، لقد ضاق صدري من الانتظار، أتأذن لي بالبدء؟". تملكه الحماس وهو يرقب أساطيل "الياو" الضخمة وهي تنشر مقاتليها. لكن تشين جيولو لم يمنحه الفرصة، بل آثر التريث في صمت مطبق حتى يستكمل جيش "الياو" ترتيب صفوفه وتشكيلاته.
على متن السفينة الأم "شيطان الحوت"، راقب نيو دالي المشهد وازداد ثقةً بتقديره الخاطئ، فصاح ساخراً: "هاهاها! قائد هؤلاء البشر جاهل بفنون الحرب! ها هم ينتظرون حتى استكملنا تشكيلاتنا، فلن يقووا على الهجوم ولو أرادوا!".
تعالت صيحات التملق من جنرالات "الياو" المحيطين به: "هنيئاً لك النصر السريع يا نيو دالي! بهذا ستعلو معنويات جندنا، وسنطأ عالم الفناء لا محالة، وستنال من التشريف والترقية عند عودتك ما يليق بك!".
وأضاف آخر: "نعم، نعم يا نيو دالي، لا تنسَ فضلنا حينئذٍ!".
كان نيو دالي يغرق في ضحكاته، محاطاً بوجوه تطفح بابتسامات النفاق.
وفي تلك اللحظة، أصدر تشين جيولو أول أوامره: "جيش الأرواح الشيطانية، تأهبوا!".
لقد أفسح المجال لجنود "الياو" كي يصطفوا بانتظام؛ لأن تشكيلاتهم تفتقر في الغالب للتماسك الذي تمتاز به تشكيلات البشر، ورغم تمتعهم بمزايا فطرية، إلا أنهم لم يضاهوا دقة تنظيم بني آدم. ومع ذلك، كان لهذا التشكيل المنظم ميزة واحدة صبت في صالح تشين: وهي تركيز الجنود في حيز ضيق، مما يسمح لتعويذة واحدة من جيش الأرواح الشيطانية أن تحصد أكبر عدد منهم.
"الموجة الأولى! أطلقوا السحر!"
"انطلقوا!"
بأمر من تشين جيولو، أمدّت الشياطين المندمجة والمعززة محاربي الشياطين بطاقة شيطانية عاتية. استجابت طاقة الفراغ لندائهم، وتجسدت تعاويذ نكراء تلو الأخرى: "مضاعفة الجاذبية!"، "تفاقم الجراح!"، "حظر الاستشفاء!".
توالت هذه التعاويذ السلبية على رؤوس جيش "الياو"، فأوهنت قواهم دون أن تزهق روحاً واحدة في البداية.
سخر جنود "الياو" قائلين: "هاهاها! هؤلاء البشر حمقى حقاً، لم تقتل ضربتهم الأولى أحداً منا!".
"يبدو أن النصر سيكون نزهة يسيرة!".
"أيها الرجال، حافظوا على التشكيل! هجوم!".
وبأوامر من جنرالاتهم، اندفع مئتا ألف جندي من "الياو" في هجوم مسعور نحو محاربي الشياطين، عازمين على إبادتهم. وبمجرد بدئهم بالركض، أدركوا هول الموقف؛ فعلى الرغم من أن الوهن لم يكن ظاهراً وهم وقوف، إلا أنهم عجزوا عن بذل حتى نصف قوتهم المعهودة عند الاندفاع.
حينها، وقف تشين جيولو في الطليعة، ورفع يمناه مجدداً وصاح: "الموجة الثانية! أطلقوا السحر!".
هذه المرة، لم تكن التعاويذ لإضعاف الخصم، بل بدأت طاقة هائلة تتجمع صوب جيش الأرواح الشيطانية المكون من عشرين ألف جندي في المؤخرة.
دوى انفجار مهول، وتطايرت الشرارات! ألسنة لهب قرمزية! برق أرجواني عاتٍ! وجليد أزرق داكن غامض!
انفجرت التعاويذ كالألعاب النارية وسط جيش "الياو" المذعور؛ أولئك الجنود الذين كان يُفترض أن يصمدوا، أبيدوا في لمح البصر على يد هؤلاء الفرسان السحريين بسحرهم الشيطاني الفتاك.
"الموجة الثالثة! أطلقوا السحر!"
دوّى صوت تشين جيولو الخالي من المشاعر في أرجاء الساحة. أما قائد "الياو"، الذي كان يُعد من أعتى المحاربين، فقد سقط صريعاً من هول الفاجعة قبل أن يراوده خاطر الفرار.
"الموجة الرابعة!..."
"الموجة الخامسة!..."
وبعد جولات من القصف السحري المركز، تشتتت قوات "الياو" وتمزقت كقطع الخزف المحطم، ولم يبقَ منهم سوى بضع مئات من المحظوظين الذين وقفوا مذهولين في قلب المعركة.
"لي شو، أجهز عليهم وأنهِ الأمر."
دوى صوت تشين جيولو مجدداً، وحانت لحظة تألق لي شو الشغوف بالنزال. اختفى من مكانه في رمشة عين، ثم عاد بعد ثلاث ثوانٍ فقط. أما مئات الجنود الذين كانوا وقوفاً، فقد بدأت أجسادهم تتفكك وتتهاوى من بحر النجوم السرمدي نحو المجرات السحيقة.
"كيف حدث هذا! مستحيل! كيف يكون هذا ممكناً؟!"
"ألم يكن من المفترض أنهم وقود للمدافع تخلص منهم باي؟ كيف يمتلكون هذه القوة الغاشمة؟ هذا هراء!"
على متن سفينة القيادة، شُدِه نيو دالي مما رأى؛ فقد أُبيد مئتا ألف من جنده في لمحة بصر، ولم يُمهله القدر حتى لإرسال المدد. اشتعل غيظه وصاح محتقناً: "يا عقرب! أرسلي مليون مقاتل فوراً! اسحقوهم! أرفض أن أصدق أنهم سيصمدون أمام نسبة مليون إلى واحد!".
"أمرك سيدي! سأنفذ في الحال!"
وفي عيني شيطانة العقرب، كاتمة أسراره، لمع بريق أسود قاتم وهي تتأهب للانقضاض.