Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 182

نهاية الفوضى ؟+


تحرك "زيفير " وحيداً بين الأطلال ، فقد كان قد ألقى بمهام البحث على عاتق أتباعه ، فالتجول في الخرائب لكتابة أبحاثٍ مملة لم يكن يوماً من هواياته. وفجأة ، دوّى صوت انفجارٍ في الأرجاء ، وما لبث أن انقضّت عليه بضعُ شخصياتٍ مسجّاة بأثوابٍ غامضة من بين الظلال. لمعت عيناه حماساً ، فقد ظفر أخيراً بما يكسر رتابة يومه ، لكن سرعان ما خبا ذلك الحماس ؛ فالأعداء كانوا مثيرين للشفقة ، في رتبة "المبتدئ " التي لا تكاد تستحق التفاتة منه. ببضع لكماتٍ خاطفة ، تهشمت رؤوسهم كالبطيخ الناضج ، ولم يكلّف نفسه عناء بذل أي مجهود.

في تلك اللحظة ، توهجت قلادةٌ كان يرتديها دائماً بضوء أحمر ، ونبض نورٌ خافتٌ لكنه ملحٌّ من التميمة المعلقة حول عنقه. حيث كانت "تميمة الغسق " قطعة أثرية مترابطة ، تستقر توأمتها لدى خطيبته "أورايليا ". لقد كانا صديقين منذ الطفولة ، ثم رُبطا معاً بزيجةٍ سياسية. فلم يكن زيفير يميل لتلك الخطبة ، لكنه لم يكن يكرهها في المقابل ، بل كان يكنّ لها مشاعر عميقة ، فهي واحدةٌ من أغلى الناس على قلبه ، غير أنه لم يدرِ يقيناً إن كان ذلك حباً ، وكان يرفض بشدة أن يقيم علاقةً قائمة على الواجب. ومع ذلك فقد كانت تلك القلادة هديته لها ، ولها قاعدةٌ واحدة: إذا توهجت ، فهي في خطر. حيث كانت القلادة قادرة على نقله إلى موقعها مرة واحدة في اليوم ، شريطة أن تكون ضمن نطاقٍ معين. لم يتردد "زيفير " بل فعّلها على الفور واختفى.

ظهر "زيفير " في ساحةٍ خالية ، فارتعد أحد المنتمين للطائفة حين رآه يظهر بغتةً. استشعر زيفير القوة التي تشعّ منه كانت رتبة "المتدرب " في مرحلتها الأولى ، فلم يأبه لأمره. تجاوزت عيناه العدو لتستقرا على الفتاة ذات الشعر الأزرق خلفه "أورايليا ". كانت جاثيةً على ركبتيها ، جسدها ملطخٌ بالدماء ومثخنٌ بالجراح. غلى الدم في عروقه ، وأطبق على قبضتيه غضباً. "من ذا الذي تجرأ... "

كانت قد أغمضت عينيها مستسلمةً للموت. همس لنفسه "ما عساكِ فاعلةً من دوني ؟ " وهي الكلمات ذاتها التي كانت يمازحها بها قبل سنوات ، لكنه الآن لم يكن في حالٍ تسمح له بالضحك ، فقد تملكه غضبٌ عارم.

تصدّع الهواء ؛ ومع غضبه ، تدفقت قوته وتفعلت قدرته غريزياً. برزت حراشف داكنة على جسده ، سوداء كحجر الأوبسيديان وتتخللها عروقٌ ذهبية ، بينما توهجت عيناه الذهبيتان ببريقٍ بارد. و قال بصوتٍ خافتٍ صارم "ابتعد عنها ، هي ليست ملكاً لك لتلمسها ". تردد المنتمي للطائفة وهو يستشعر الخطر ، وسأل "من الجحيم أنت ؟ ". تقدم "زيفير " خطوةً وقال "أنا خطيبها ".

وفي لمح البصر ، اختفى. دوّى صوت الرعد ، وظهر مجدداً أمام الرجل بينما كان ما زال في منتصف جملته. و انطلقت قبضته المسجاة بهالةٍ ذهبية لتنغرس في أحشاء خصمه مع صوت تهشمٍ مكتوم. حيث طار الرجل إلى الخلف ليصطدم بعمودٍ نصف متهدم. لم يشعر زيفير بالرضا ، فخصمه كان ضعيفاً ، ورغم أنه لا يفصل بينهما سوى مرتبة واحدة إلا أن الأمر كان ليكون شاقاً على أي شخصٍ عادي ؛ إذ كان ينبغي لرتبة "المتدرب " أن تمنح خصمه الأفضلية ، لكن "زيفير " لم يكن عادياً. وقبل أن يتمكن الخصم من النهوض ، تحرك زيفير مجدداً ؛ صوت رعدٍ آخر.

استحضر المنتمي للطائفة حاجزاً في يأسٍ تام. لمعت عينا زيفير وهو يمسح الدرع ، وفي لحظةٍ أبصر نقطة ضعفه. و في منتصف ركلته ، غيّر زاويته ؛ فسمع صوت تهشم. ارتطمت قدمه بالنموذج الهش ، وتناثر الحاجز كأنه زجاج. لم تدم بقية المعركة -أو بالأحرى المجزرة- طويلاً ، إذ أجهز "زيفير " على خصمه ، ثم استدار وسار نحو الفتاة التي كانت تراقبه بذهول. و قال لها "تباً.. ابحثي عن أصدقاء أفضل " ثم استدار للمغادرة. وقبل أن تنبس "أورايليا " ببنت شفة ، اختفى عن أنظارها. أو على الأقل ، تظاهر بالمغادرة بينما توارى عن الأنظار على مسافةٍ قريبة ؛ فلم يكن ليسمح لها بالتجول وحيدةً في منطقة تعج بأتباع الطائفة ، لكن كبرياءه منعه من الاعتراف بذلك فقرر حمايتها من بعيد حتى تنجلي الأزمة. "حقاً ، هي لا تستطيع فعل شيءٍ من دوني ".

في مكانٍ آخر ، وعلى سطح مبنى متهالك كانت شخصية تجلس في استرخاءٍ تتناول الفشار ، يغطي وجهها قناعٌ أبيض مرسومٌ عليه ابتسامة. "يا للرجل ، هؤلاء التابعون للطائفة عبءٌ ثقيل ، لا يقوون حتى على هزيمة بعض الصبية " هكذا قال بصوتٍ مشوه. ثم أضاف وهو يخاطب الهواء "ما اسم هذه الطائفة مجدداً ؟ " فأتاه الرد من صوتٍ مشوهٍ آخر انبثق من العدم "ميثاق الغريق ". تمتم صاحب القناع "ما الذي كان يدور في خلد تلميذ الطمع حين أوكل مهماتٍ كهذه لحثالة من المستوى المتدني ؟ ".

أجابه الصوت مجدداً "لا بد أنهم كانوا يبيتون لأمرٍ ما ".

اتكأ صاحب القناع إلى الخلف وقال "ومع ذلك ما الذي يفعله تلميذ الطمع الضعيف هذا في النطاق البشري أصلاً ؟ ".

قال الصوت "الأمر لا يعنينا ، لا تستهلك خلايا عقلك في التفكير به ".

تنهد صاحب القناع "لم يعد هناك ما يستحق المشاهدة ، يبدو أن الهجوم يلفظ أنفاسه الأخيرة ". وقف وقال "قادة الطائفة رفيعو المستوى ينسحبون ".

بدأ ضبابٌ أبيض يلتف حوله ، وبينما كان يتلاشى ، قال للمرة الأخيرة "أنا عائدٌ أدراجي ". ثم اختفى.

في قلب الأطلال القديمة ، حيث يقع مركز القيادة الرئيسي كانت معركة ضارية تشتعل. حيث كان "سورين " يخوض قتالاً مع خصمٍ مقنّع يضاهيه في القوة ، وعلامات التجهم ترتسم على وجهه. و لقد وقعوا في كمينٍ نصبته طائفةٌ مجهولة ، وتناثرت جثث القتلى من الطلاب والموظفين في أرجاء المعسكر. ورغم كل محاولاته لم يستطع إنقاذ الجميع. حيث كان موظفو الأكاديمية منشغلين بمواجهة قادة الطائفة من رتبة "السيد " بينما كان أتباع الطائفة الأضعف يستهدفون الطلاب. وحسب ما سمعه ، فإنهم كانوا يبحثون عن الأميرة "أميرا ".

بدأ الهجوم قبل ساعةٍ بانفجاراتٍ مدوية ، واندفع التابعون للطائفة من تحت الأرض. والأسوأ من ذلك أن بعض موظفي الرابطة قد خانوا العهد ، كما قُطعت كل وسائل الاتصال داخل الأطلال. حيث كان "سورين " قد أرسل بالفعل أحد الأسياد المساعدين من رتبةٍ منخفضة ليتواصل مع المدير ، لكنه لم يدرِ كم سيصمدون. ثم شقّ صافرةٌ حادةٌ هواء المكان ، فتوقف التابعون للطائفة عن القتال ، وبدأوا في الانسحاب دون كلمة ، حيث فعّل أصحاب الرتب العليا منهم قطعاً أثرية غامضة واختفوا الواحد تلو الآخر. وقبل أن يظفر "سورين " بأيٍّ منهم كانوا قد تواروا ، ولم يبقَ سوى أصحاب الرتب الدنيا.

نظر "سورين " إلى جثث الطلاب ، وأطبق على قبضتيه. "كم من الأرواح الشابة قد زُهقت قبل أن تبدأ حياتها حقاً... وكل ما استطعت فعله هو البقاء على قيد الحياة لأحمل ذكراهم ".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط