Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 181

هل فات الأوان للندم ؟+


في مكان ما داخل الغابة بالقرب من الأطلال القديمة.

"بحق الجحيم ، لِمَ فعلتِ ذلك ؟! "

تردد صوت "لوسيان " في الأرجاء بنبرة غضبٍ لم تعهدها "سيليس " منه من قبل.

وللمرة الأولى ، بدا الأمير الذي لطالما كان طيّعاً وكأنه على وشك أن يلكم جداراً ، أو ربما يلكمها هي. وقف بقبضتين محكمتي الإغلاق ، وعيناه البنفسجيتان تضجان بمشاعر متضاربة ، بينما كان قلبه يخفق بعنفٍ من شدة الغيظ.

"أجيبيني " قالها آمراً.

رفعت "سيليس " نظرها إليه كانت عيناها متسعتين وشفتاها ترتجفان ، ويداها تهتزان بوضوحٍ كافٍ ليرصده. بدت هيئتها بالكامل أصغر حجماً وأكثر ضعفاً.

همست بصوتٍ متهدج "أنا... أنا أردت فقط إنقاذك لم يكن أمامي خيار آخر ".

انخفض كتفاها قليلاً كأنّ وطأة الذنب أثقلت كاهلها ، وتابعت "أتظن أنني أردت ترك أورايليا خلفنا ؟ لقد كانت... كانت محاصرة. حيث تملكني الذعر ، وظننتُ أنها ستلحق بنا مباشرة... ".

ترقرقت الدموع في عينيها ، بمقدارٍ كافٍ لإظهار تأثرها.

حدق فيها "لوسيان " وهو يتنفس بصعوبة ، ولم يجب.

اقتربت خطوة ، وخفضت صوتها أكثر "لو لم أسحبك ، لكان بإمكانك... يا لوسيان ، كنت قد تموت ".

كزّ على فكّه ، ثم استدار قائلاً في نهاية المطاف "سأعود لإنقاذها ".

"لوسيان توقف ، أرجوك ". مدت "سيليس " يدها لتشد كم ثوبه ، وارتفع صوتها "لا يمكنك ذلك! ستلقي بنفسك إلى التهلكة! "

لكن أفكارها في قرارة نفسها كانت مختلفة تماماً.

*أحمق. هل ستلقي بنفسك مجدداً إلى هناك ؟ ومِن أجل ماذا ؟ من أجل بضع نقاط بطولة ؟ تباً... يا لك من أحمق مغفل.*

لم تكن هذه الفوضى خطأها ، كالعادة. حيث كانت فرقتهم تتجول في الأطلال لإجراء أبحاثهم ، حين ابتعد "داين " في منتصف الطريق متذرعاً بوجود عمل مهم. وفجأة ، اهتزت الأرض بانفجارٍ وهاجمهم أتباع الطائفة.

في البداية كان الوضع تحت السيطرة ؛ إذ لم يكونوا سوى مجرد "مبتدئين " لا يمثلون تهديداً حقيقياً. حيث كانت هي و "لوسيان " -وكلاهما في ذروة رتبة المبتدئ- يصمدان بشكل جيد ، وكانت "أورايليا " -التي تنتمي للرتبة المتوسطة- تدعمهما. ثم ظهر عدوان آخران لم يكونا من صغار الأتباع ، بل كانا من رتبة "المتدربين " ويرتديان عباءات سوداء قاتمة.

لم تكن "سيليس " ممن يلقون بأنفسهم إلى الهلاك ، فقد كانت تعرف كيف تستشعر الخطر. سحبت خلسةً إحدى أدواتها السحرية ؛ خاتم انتقال آني يستخدم لمرة واحدة ، يمكنه نقلها ومعها قلة من الناس إلى بر الأمان. لم ترغب في إهداره ، لكنها لم ترغب في الموت أيضاً ، و "لوسيان " كان أثمن من أن تتركه خلفها.

لكن الأداة كانت ذات أثر جانبي ، فكلما زاد عدد الأشخاص ، قصرت المسافة المقطوعة. قررت أن تأخذ "لوسيان " و "أورايليا " معها ، وهو ما سيقلص المسافة بشكل كبير ، لكن الأمر كان يستحق.

لمحت أضعف طالب في مجموعتهم ؛ الابن الثاني لإحدى عائلات فرع "درافن " وكانت قد أضافته إلى مجموعتهم لمجرد زيادة العدد. حيث كان هادئاً وغير ملحوظ ، من ذلك النوع من الشخصيات الهامشية التي لن يفتقدها أحد حقاً. قررت أن تستخدمه كطعم لتفتح الطريق لهروب الثلاثة الآخرين.

عندما اقترب الهجوم ، صرخت "انبطحوا! " ثم دفعت "لوسيان " للخلف ، ودفعت -عن طريق "الخطأ " المزعوم- ذلك الطالب الآخر في الاتجاه المعاكس ، مباشرة إلى طريق المهاجمين.

أطلق صرخةً ، فاندفعت "أورايليا " -بنبلهما الساذج- لإنقاذه.

كان قراراً أحمق حقاً. و لكن "سيليس " لم تملك خياراً آخر ؛ فقد كانت قد فعّلت الأداة بالفعل. لم ترغب في ترك "أورايليا " لكنها لم تكن تملك خياراً.

وها هم الآن ، في أمانٍ بعيدٍ عن العدو ، باستثناء ذلك الأحمق صاحب عقدة البطولة الذي يحاول العودة.

"لوسيان ، أرجوك " قالت مجدداً بصوتٍ منكسر ووجهٍ ملأته الدموع "لم أقصد تركها ، ظننت أنها ستتمكن من الخروج معنا ، أنا خائفة أيضاً... ". تصدع صوتها "أنا فقط لم أرغب في خسارتك ".

توقف "لوسيان " واستدار ببطء ، وعيناه تمسحان وجهها.

قال بمرارة "كان بإمكانك استخدام الأداة لإنقاذها ، فقد كانت أقرب إلى الانفجار مني ".

انتفضت "سيليس " -تعمداً- "لم أفكر ، تصرفت بدافع الغريزة فقط. رأيتك تُصاب ، ولم أفكر في أي شيء آخر... ".

التفت أصابعها على فستانها. *أقنعيه. اجعليه يشعر بالذنب. اجعليه يبقى.*

نظرت إلى الأسفل "إذا أردت الذهاب... لا أستطيع منعك ، ولكن أرجوك لا تجعلني أخسرك أنت أيضاً ".

تردد "لوسيان ".

ثوانٍ قليلة إضافية.

ثم زفر زفرة طويلة ، وجلس على صخرة بجانبهما ، ودفن وجهه بين كفيه.

أخفت "سيليس " ابتسامتها خلف كمّيها.

*ولدٌ مطيع.*

__

في جزءٍ من الأطلال ، وقفت فتاة ذات شعر أزرق ، ترتجف عصاها السحرية في يدها ، ليس من الخوف ، بل من الغضب الذي يعتمل في صدرها. بجانبها كانت ترقد جثة الطالب الشاب ؛ أحد رفاق مجموعتها الذي اندفعت لإنقاذه ، لكنه قُتل قبل أن تدرك ذلك.

على الجانب الآخر ، وقف شخصان يرتديان عباءات. حيث كانا من رتبة "المتدربين " مبتدئان ولكنهما يفوقان مستواها الحالي بمراحل.

"ههه ، إذا استسلمتِ بهدوء ، سنجعل الأمر غير مؤلم " قال أحدهما ، وكان ندبة تمتد على طول فكه. لم تكن نبرته ودودة بأي حال. همس في أذن رفيقه "اسمع ، اذهب أنت وحاول العثور على أولئك الذين هربوا لتوهم. سأتعامل أنا معها ".

أومأ الآخر وغادر المكان.

"الآن بقينا نحن الاثنان " قال صاحب الندبة.

لم تجب "أورايليا " بل رفعت عصاها ، وقد توقفت يداها عن الارتجاف. لم تكن تتوهم الانتصار ، فالفجوة في القوة كانت حقيقية ، لكنها لم تكن لتستسلم دون مقاومة. ليس الآن. وليس أبداً.

"إذاً ، ستُقاومين ؟ " ابتسم بسخرية "يعجبني ذلك. يجعل الأمر أكثر متعة ".

شعرت "أورايليا " بالاشمئزاز ، لكنها كانت ممتنة لنجاة "لوسيان " و "سيليس ". لم تلمهما على الهروب بمفردهما ؛ بل شعرت بالسعادة لأن أصدقاءها سينجون على الأقل.

زفرت برفق ، ثم تدفق "المانا " في عروقها.

__

لم تدم المعركة طويلاً ، فالفجوة كانت شاسعة.

قاتلت "أورايليا " بكل ما أوتيت من قوة ، لكنها سقطت قريباً على ركبة واحدة وهي تلهث. استُنزف "المانا " لديها ، وارتجفت أطرافها من الإرهاق.

وقف الخصم أمامها غير مبالٍ ، ورفع سيفه "هل من كلمات أخيرة ؟ "

قبضت "أورايليا " على يديها. حيث كانت خائفة ، بل مذعورة. ومع ذلك لم ترغب في الاستسلام.

أغمضت عينيها ، ومرّت الذكريات في مخيلتها ؛ وجوه عائلتها: ابتسامة أمها الدافئة ، يد أبيها الحازمة ، وتشجيع أخيها. ثم الآخرون ، أصدقاؤها ؛ يضحكون ، يتجادلون ، ويتدربون.

وأخيراً... برز صوتٌ واحد.

صوته. خطيبها.

كانا يوماً ما صديقي طفولة ، لا يفترقان.

ولكن بعد أن رتبت عائلتاهما الخطبة السياسية ، بدأ يبتعد. لم يتصل بها قط ، ولا حتى مرة واحدة. وحتى الآن ، في الأكاديمية كان يتصرف كغريب.

بارد. متباعد. كأن تلك الأيام الخوالي لم تعنِ شيئاً.

"ما الذي ستفعلينه بدوني ؟ "

تردد صوته المتغطرس مجدداً ، وهذه المرة... لم يبدُ كذكرى.

بدت حقيقية. كادت تضحك.

ثم قطبت حاجبيها. *لماذا يبدو حقيقياً جداً ؟*

حدث شرخ في الهواء ، وتغير الضغط.

فتحت عينيها فجأة.

وواقفاً أمامها -بينها وبين المعتدي- كان فتىً يغلفه طاقة غامضة. حراشف سوداء تلمع عبر جسده مع عروق ذهبية متوهجة. حيث كانت عيناه الذهبيتان تحدقان في العدو كسيّد ينظر إلى حشرة.

"زفير ".

خطيبها.

ماذا... ماذا يفعل هنا ؟

ولكن رغم حيرتها كان ثمة شيء واحد واضح.

في اللحظة التي رأت ظهره يحميها...

شعرت بالأمان.

"ابتعد " قال "زفير " للمعتدي بنبرة باردة "هي ليست ملكك لتلمسها ".

تردد المعتدي للحظة ، مستشعراً الخطر من فتى كان للتو في رتبة "المبتدئ المتقدم ".

"من بحق الجحيم أنت ؟ "

"أنا خطيبها " أعلن "زفير " ثم تلاشى ليظهر أمام المعتدي كدوي الرعد.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط