لم تكن في ذلك الوجه اليافع أدنى إشارة لروح قتالية ؛ بل كان خلوه منها يزيده توجساً واضطراباً.
«هل كان ينبغي عليّ أن أباغته بهجوم مباغت وأنهي الأمر برمته ؟»
بعد فوات أوان الندم ، بدأ "أوه غويسيونغ " بجمع طاقته الداخلية في هدوءٍ وقال:
«إذاً أنت لست حقاً واحداً من أولئك الداويين المنعزلين في الكهوف كما ادعيت ؟»
أجاب الفتى: «أجل ، أنا تلميذ "قصر الأرواح الثلاثة " وهي طائفة تكرس نفسها لزراعة الطاو. ومع ذلك فقد أصررتُ -خلافاً لرغبة الشيوخ- على مواصلة المسار القتالي».
«همف. تقصد أن المسار السماوي لم يُلائم طبيعتك ، فاستبدلته ببعض فنون القتال. و لكن هل تدعي أنك قوي بما يكفي لتتحلى بكل هذه الثقة ؟»
«أخشى أنني لا أستطيع تقييم مستواي بالشكل الصحيح ؛ ولهذا أنوي -هنا والآن- أن أختبر ذلك».
«أتريد أن تقيس مهاراتك القتالية... في مواجهتي ؟»
أومأ "كواك يون " برأسه وقال: «هذا صحيح. وقبل ذلك هناك بعض الأمور أود معرفتها عنك».
وجد "أوه غويسيونغ " المُلقب بـ "قاتل الليل الإلهي " في هذا الطلب سخافةً تثير العجب ، فسأل:
«ما الذي قد ترغب في معرفته عني ؟»
حينها ، فتح "كواك يون " عينيه أخيراً ونظر إليه مباشرة في وجهه:
«أحتاج أن أقرر ما إذا كنتَ شخصاً يستحق أن أستل سيفي لقتله أم لا».
جاب "أوه غويسيونغ " عالم الفنون القتالية لثلاثين عاماً ، لكنه لم يسمع قط شيئاً بمثل هذا الغرابة. أن تقرر ما إذا كنت ستقتل أحداً عبر محادثته أولاً ؟
«أي ضربٍ من الجنون هذا ؟»
ومع ذلك كانت عينا الداوى المنعزل هادئتين تماماً ، صافيتين ، وتنمّان عن رزانة العقل. فسأله "أوه غويسيونغ ":
«حسناً ، ماذا تريد مني أن أخبرك ؟»
«أي شيء ترغب في البوح به».
شعر "أوه غويسيونغ " بفضول خفيف ، وأراد أن يرى كيف سيكون رد فعل هذا "الفرخ " حين يعلم حقيقة من يقف أمامه.
«أُعرف بـ "قاتل الليل الإلهي " وأنا أحد أمهر القتلة المأجورين على قيد الحياة. أعمل وحيداً ، ولا أنتمي لأحد. و لقد توقفت منذ زمن عن عدّ ضحاياي ، لكنني بالتأكيد قتلت أكثر من مائتي شخص خلال الثلاثين عاماً الماضية».
توقع الفتى أن يرتعد هذا الناسك الشاب خوفاً ، لكن بدلاً من ذلك:
«هل كانوا جميعاً ضحايا لعمليات اغتيال مأجورة ؟»
أزعجه الهدوء في تعابير الفتى ؛ فهو لم يرتجف ، ولم يتراجع ، ولم يبدُ عليه حتى أي انبهار.
«بالطبع لا. أظننتَ أن أجور الاغتيالات من الدرجة الأولى تنمو على الأشجار ؟ نصفهم قتلتهم ربما من أجل التسلية فقط».
«قتلتَ الناس... من أجل المتعة ؟»
مع الارتجافة الخفيفة في نظرة "كواك يون " رسم "أوه غويسيونغ " ابتسامة بطيئة وسمجة:
«أشعر بالنشوة حين أقتل ، ولهذا أصبحت قاتلاً. المتعة والربح ؛ ماذا قد يبتغي المرء أكثر من ذلك ؟ المشكلة أن العقود لا تأتي كل يوم ، فما الذي على المرء فعله ؟ حتى وإن كان الأمر بلا مقابل ، عليّ أن أبقي نصل سيفي دافئاً».
«هذا يكفي».
بمجرد أن رأى "كواك يون " ينهض ، استل "أوه غويسيونغ " سيفه ذا الشفرة الورقي.
«حسناً ، هذا نوع جديد من المرح. و من الآن فصاعداً ، سأحكي قصتي قبل أن أبدأ في التقطيع ؛ فمشاهدة المرء وهو يرتعد رعباً يجعل الأمر أكثر إمتاعاً».
لكن تلك الفكرة قُدّر لها أن تموت بعد لحظات.
«تباً».
بجذعٍ نُصفَ شطرين -من الكتف إلى الخصر- لن يعود قادراً على قتل أحد ، ولا حتى على البقاء حياً.
— "كوهك! كوهك! "
بينما كان يسعل دماً أسود كثيفاً ، حاول "أوه غويسيونغ " استرجاع اللحظة التي سارت فيها الأمور على نحو خاطئ. لم يشعر بأي ضغينة تجاه قاتله ، ولا بأي ندم على حياته ؛ فعندما تواجه سيداً لـ "دمج النار والسيف " -شخصاً استيقظت هالة سيفه بالكامل- تصبح مثل هذه المشاعر ترفاً لا طائل منه.
«هل كان يجدر بي ألا أقول ذلك ؟»
عندما اعترف بأنه يقتل للمتعة ، قال الناسك إن ذلك يكفي. حيث كان يأمل أن يزعزع ثقة هذا المبتدئ ، أن يجمده بالخوف ، لكن الأمر انتهى به إلى هذا المصير.
نظر "أوه غويسيونغ " إلى سيفه الحبيب ؛ مقطوعاً ، محطماً ، غارقاً في دمه. لم يُكسر ذلك الشفرة النفيس قط طوال سنين خدمته ، والآن استحال حطاماً كغصنٍ نخر.
قال "كواك يون " بصوتٍ لطيف: «تركتك حياً لفترة أطول قليلاً ، لكي تستوعب للحظة ما قد يكون شعر به أولئك الذين اغتلتهم».
— "غرك ".
ارتجف "أوه غويسيونغ " من وقع هذا اللطف في نبرته.
«لا ترهق نفسك بمحاولة الشعور بالذنب أو التوبة ، فأنا لم أتوقع منك ذلك أبداً».
أخرج "كواك يون " من رداءه كيساً من الذهب ، فاتسعت عينا "أوه غويسيونغ ".
«لا تسيء الفهم ، أنا آخذ فقط ما وُعِد به مقابل رأسي ، والباقي سيذهب لمن سيتولى تنظيف جثتك».
دسّ الكيس في كمّه ووقف.
«الليل لن يدوم طويلاً ، ولن أنتظر لأراك تلفظ أنفاسك الأخيرة ؛ فلدى شخص ما عليّ زيارته قبل بزغ الفجر».
— "غرهك ".
بالنسبة لـ "أوه غويسيونغ " كانت تلك العبارة الأخيرة هي البقعة المضيئة الوحيدة في بؤسه ؛ إذ تمنى أن يزور ذلك الداوى ذلك القائد العصاباتي اللعين الذي أرسله إلى هنا ، ربما يموتان معاً.
«مع ذلك ينبغي لي أن أشكرك» ، قال الداوى المنعزل ، «لقد منحتني فرصة لتكون ضربتي الأولى بالسيف موجّهة ضد الشر».
لم يكن لدى "أوه غويسيونغ " أدنى فكرة عما يقصده بذلك.
«اشكرني... على ماذا ؟»
ومع ذلك السؤال الذي لم يجد إجابة ، أغمض قاتل الليل الإلهيّ عينيه للمرة الأخيرة.
— "فوششش... "
توهجت الجمرة الأخيرة في الموقد للحظة ، ثم تلاشت. وانطفأت النيران تماماً.
***
استيقظ "ساغونغجين " زعيم عصابة "الأفعى السوداء " مذعوراً ، وسرى شعور بالبرد في عموده الفقري. ظن في البداية أن ابنه يتحرك ، فألقى نظرة سريعة على السرير ، لكن "سا دويونغ " كان مستلقياً بلا حراك كتمثال حجري.
«... ؟»
مدّ "ساغونغجين " يده غريزياً نحو سيفه عند خصره.
«لِيمنح "بوذا " اللانهائي السلام. وليكن المكان خالياً من الضجيج غير الضروري».
أدار رأسه ، وتجمد في مكانه.
فقد كان يجلس بهدوء على الطاولة أمامه شاب يرتدي رداءً يحمل شعار "التايجي " المميّز.
داخل المخدع الداخلي -بعد اجتياز طبقات وطبقات من الحراس- دون أن يطلق إنذاراً واحداً. حتى "ساغونغجين " بصفته سيداً في ذروة القوة لم يشعر بدخوله. و في تلك اللحظة ، أدرك "ساغونغجين " الحقيقة: أن لقب "الداوى المنعزل " لم يكن سوى قشرة ظاهرية.
زفر نفساً وأومأ برأسه ، وكان وجهه متصلباً.
«إذاً ، هكذا هي الأمور».
تحدث "كواك يون " ملاحظاً التقييم السريع الذي يليق برجل في منصب القيادة:
«ألن تأتي لتجلس ؟»
جلس "ساغونغجين " مقابل الداوى. أشار "كواك يون " قائلاً:
«إن لم يكن الأمر يمثل عبئاً ، فسأقدر لك كوباً من الشاي».
«إذا كنت لا تمانع أنه بارد ، سأصب لك واحداً بكل سرور».
بإيماءه من "كواك يون " رفع "ساغونغجين " إبريق الشاي وملأ الكوب حتى حافته. تجرع "كواك يون " الشاي في جرعة واحدة بلا تكلف.
«أتساءل ، هل يستقبل أهل المسار المظلم ضيوفهم بطقوس الشاي أيضاً ؟»
أجاب زعيم عصابة الأفعى السوداء بوقار: «المسار المظلم ما زال جزءاً من عالم الفنون القتالية».
«إذاً يبدو أنه ما زال هناك مجال للحوار».
أدخل "كواك يون " يده في كمّه ووضع كيساً على الطاولة ، وقد طُرّزت عليه أفعى سوداء. تجمدت ملامح الزعيم ؛ فقد عرف تماماً ما يعنيه أن يُعاد ذلك الكيس سليماً دون أن يُلمس.
«ما الذي تريده ؟»
كان صوته يرتجف. و لقد فهم سبب قدوم شخص قادر على قتل "قاتل الليل الإلهي " للقيام بزيارة كهذه. ومع ذلك فإن حقيقة حديثه عن التفاوض أعطته بصيصاً من الأمل.
«ماذا أريد ؟ حياتك بالطبع. حين أصدرتَ الأمر باستلال السيف ، ألم تتقبل حتماً هذا الخطر ؟»
التوى وجه الزعيم.
«قرار إرسال القاتل لم يكن له علاقة بابني. إنه فاقد للوعي منذ عودته إلى المجمع».
— "طاق! "
حلّ الزعيم سيفه من خصره ووضعه مسطحاً على الطاولة.
«تصرفتُ بمفردي. خذ حياتي كما نويت ، وارحل بسلام. لن يلاحقك أحد في هذه العصابة. فإحدى الميزات القليلة للمسار المظلم هي أنه لا يملك من الولاء ما يكفي للانتقام لقائد ميت».
قال "كواك يون " ببرود: «بالنسبة لشخص يحمي حياة ابنه بشراسة ، فأنت بالتأكيد لم تحسن تربيته».
احمرّ وجه "ساغونغجين " غضباً.
«اسمع هنا ، أيها الداوى "كواك ". حتى وإن كنت تمتلك الأفضلية ، فهذا تجاوز للحدود. خاصة عندما تتحدث إلى الرجل الذي حكمتَ على ابنه بالبقاء طريح الفراش مدى الحياة».
«...»
«لم أغض الطرف يوماً عن الأفعال الدنيئة التي ارتكبها ابني. و لقد دفعت التعويضات ، وعاقبته».
«وتظن أن إلقاء بضع عملات على شخص ما يمحو العار الذي لحق به ؟ أنت تقنعني أكثر فأكثر بأنني لا يجب أن أظهر لك الرحمة».
«أيها الداوى "كواك "...»
«بصفتي ضيفاً قُدّم لي الشاي ، سأطرح عرضين ، والخيار لك».
«...»
«الأول بسيط: سأكمل ما بدأه ابنك المثير للشفقة ، وأنهي حياته».
«لا يمكن أن يحدث هذا. و لقد فقد بالفعل كل ما يجعله رجلاً. أليس ذلك عقاباً كافياً ؟»
«والثاني هو هذا: حلّ عصابة الأفعى السوداء».
حدق فيه "ساغونغجين " بذهول:
«هذا سخيف. لو طلبت مني إفراغ خزائني وتقديم اعتذارات علنية ، لربما فكرت في الأمر».
استل "كواك يون " سيف "تشنجغانغ ". اندفعت موجة من طاقة السيف الزرقاء ، وقطعت الحجر المزخرف على الطاولة إلى نصفين بدقة.
«لست هنا لأتفاوض خارج هذين الخيارين».
اسودّ وجه "ساغونغجين " كالسواد القاتم للموت. حيث كانت تلك أول مرة في حياته يشهد فيها طاقة سيف مكثفة وحادة إلى هذا الحد ؛ هالة سيف تجسدت على أرض الواقع. حيث كانت الرسالة واضحة تماماً.
تحدث الزعيم وهو يرتجف:
«حلُّ هذا المكان لن يغير شيئاً يا داوى "كواك ". ستظهر عصابة أخرى مكاننا قبل وقت طويل. و لقد قضيت حياتك على الجبل ، لذا لا تعرف ، لكن هكذا يعمل هذا العالم».
«لقد رأيت ما يكفي في الأيام القليلة الماضية لأفهم ذلك القدر ؛ فالنور يلقي بظلاله ، بعد كل شيء».
«إذاً ، لماذا ؟»
«لكي يشعر أولئك الذين يتسللون تحت الظل التالي ، ولو للحظة ، بالخوف».
غمد "كواك يون " سيفه ونهض.
«إذا اخترت الخيار الثاني ، سأقلص فترة تعافي ابنك إلى عشر سنوات. و لقد فات الأوان ، لكن ربما لا تزال حياً لترزق بحفيد».
عضّ "ساغونغجين " شفته للحظة ، ثم سأل:
«أيها الداوى "كواك " هل لي بسؤال واحد فقط ؟»
«... ؟»
«هل كانت هذه خطة "شينغووغوان " ؟»
«لا أعرف ما الذي تقصده».
« "شينغووغوان " -الفرع العلماني لـ "وودانغ "- يدعم فصيلاً من المسار المظلم يسمى "عصابة صوت الشبح ". يريدون طردنا والسيطرة على السوق السوداء. وليس هنا في "غيانغ-هيون " فقط ، بل يحدث هذا في أماكن أخرى أيضاً».
انتفض "كواك يون ". كان قد سمع تذمراً من القرويين ، واستياءً غامضاً تجاه طائفة "وودانغ ". والآن فهم أخيراً السبب.
«إذا كان هذا بتدبير من "شينغووغوان " فقد يثير ذلك اضطرابات حقيقية. مهما بدت عصابتنا صغيرة ، فنحن لا نزال جزءاً من "التحالف الشيطاني "».
«وما المشكلة في ذلك ؟»
«لأن ذلك من شأنه أن ينتهك الميثاق بين التحالف الشيطاني والتحالف القتالي: بأن تدعي الطوائف الصالحة حكم النهار ، وتسيطر الطوائف المظلمة على الليل».