Switch Mode

الساحر: بدءاً من شجرة المهارات 816

كل واحد يهرب للنجاة بحياته (الجزء الثاني) +


الفصل 816: الفصل 750: لِيَنْجُ بِنَفْسِهِ مَنْ اسْتَطَاع (الجزء الثاني)

تتدلى جذورُ الشجرةِ في الهواء و كلٌّ منها أغلظُ من خصرِ رجلٍ.

أوراقُ الشجرةِ العملاقةِ ذاتُ لونٍ ذهبيٍّ داكنٍ ، وكلُّ ورقةٍ تسقطُ تتركُ خلفها أثراً لاهباً في الأفق.

كائنٌ من المستوى الثالث.

كائنٌ حقيقيٌّ من المستوى الثالث.

في اللحظةِ التي تجلّت فيها الشجرةُ العملاقة ، اجتاحَ ضغطٌ غيرُ مرئيٍّ أرجاءَ المكان. تعثر ليون ومَن معه مراراً وتكراراً ، بينما سقط إدموند جالساً على الأرضِ من هولِ الموقف. حتى "سيان لوتس " أوقف هجومه في تلك اللحظة ، وتراجع نصفَ خطوةٍ إلى الوراء. رفع نظره إلى الشجرةِ العملاقة ، ولأولِ مرةٍ ظهرت مسحةٌ من الجديةِ في عينيه الزرقاوين.

"مثيرٌ للاهتمام. "

ظلَّ صوته هادئاً ، لكن نبرته تبدلت.

وقفت فيرا ساكنةً ، وقد غمر جسدها بالكامل ضوءٌ ذهبيٌّ خافتٌ. كان وجهها شاحباً كقرطاسٍ ، وخيطٌ من الدمِ يسيلُ من زاويةِ فمها ، وكأنَّ كيانها على شفا الانهيار. و لكنها ظلت واقفةً.

"اذهبوا... " كان صوتها ضعيفاً لدرجةٍ لا تكادُ تُسمع "الآن... "

احتقنت عينا ليون بالدماء ، وحدق في ظهرِ فيرا بقوةٍ ، وعضَّ على شفته حتى سال الدمُ منها. ثم التفتَ ، ممسكاً بماركوس المصاب. حيث كان إيد وإيلي يترنحان خلفه ، بينما كان سلمان يستخدمُ ما تبقى من قدرته على الإدراكِ بستماتةٍ ليوجههم.

أما ديوك فلم يتردد.

تلاشى جسده في لحظةٍ ، متحولاً إلى ذراتٍ رمليةٍ ذهبيةٍ داكنةٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى ، لتندمجَ مع التربةِ تحت قدميه.

"التحولُ لعنصرِ الأرض " في مثلِ هذه الأوقات ، هو دوماً أيسرُ السبلِ للهربِ بالنسبةِ لساحرِ العناصر. و انطلقت ذراتُ الرملِ تخترقُ أعماقَ الأرضِ بجنون ، فارّةً في الاتجاهِ المعاكسِ لساحةِ المعركة.

خلفهم ، بدأت أغصانُ وأوراقُ الشجرةِ العملاقةِ ترتجف. شدَّ "سيان لوتس " قبضته على سكينه الطويل. حجبت الشجرةُ العملاقةُ عنانَ السماء ، وانحدر الضوءُ الذهبيُّ بين أغصانها كشلالاتٍ من لهب. و امتدت جذورها بجنونٍ تحت الأرض و كلٌّ منها أغلظُ من أفعى عملاقة ، وكلُّ ضربةٍ منها قادرةٌ على شقِّ الأرضِ لتُحدثَ فجواتٍ سحيقة.

رفع "سيان لوتس " رأسه ناظراً إلى هذا الكيان الضخم ، وكانت عيناه الزرقاوان كقطعتي ثلج. قبض على سكينه ، ووثب في الهواء. و في تلك اللحظة لم يبقَ بين السماءِ والأرضِ سوى بريقِ نصلِ سكينه.

تراقص طيفُ "سيان لوتس " بجنونٍ حول الشجرةِ العملاقة ، وكلُّ ومضةٍ كانت مشفوعةً بضربةٍ زرقاءَ خاطفة. تشابكت ضرباتُ الشفرةِ لتُشكّلَ شبكةً لا مفرَّ منها ، تقطعُ الشجرةَ من الجذورِ إلى القمة ، ومن الجذعِ إلى الأغصان.

زأرت الشجرةُ العملاقة.

تخبطت جذورها بعنف ، واشتعلت أغصانها بنيرانٍ ذهبية ، واتسع ضغطها ليشملَ المناطقَ المحيطة. و في دائرةٍ قطرها بضعةُ أميال ، انهارت الأرض ، وتفتتت الصخور ، بل واهتزَّ الهواءُ ذاته.

ومع ذلك كانت ضرباتُ الشفرةِ أسرع.

بعد ثلاثِ ثوانٍ ، حطَّ "سيان لوتس " عائداً إلى الأرض. وقف وسط الأطلال ، وأعاد سكينه ببطءٍ إلى غمده.

"تك. "

صوتُ استقرارِ الشفرةِ في الغمدِ كان جليًّا وسط سكونِ الخراب.

في اللحظةِ التالية ، انشطرت تلك الشجرةُ العملاقةُ من منتصفها. سار صدعٌ مستقيمٌ من القمةِ إلى الجذور و تبعهته شقوقٌ معقدةٌ لا حصرَ لها تتشعبُ للخارج. اهتزت الشجرةُ بعنف ، وأطلقت زئيراً أبِيًّا قبل أن تنهارَ أخيراً مدويةً. انقسم الجذعُ إلى نصفين ، وتحولت الأغصانُ إلى ذراتٍ لا تُحصى من الضوءِ الذهبي ، وتفتتت الجذورُ قطعةً قطعة.

تلك البقايا الضوئية سقطت على الأرضِ المُثخنةِ بالجراح ، لتكشفَ عن ندوبِ المعركة ؛ الفجواتِ السحيقة ، والصخورِ المهشمة ، وبقايا الشجرةِ الملتوية ، وتقلباتِ الطاقةِ المرعبةِ التي لا تزالُ عالقةً في الأجواء.

لقد صار العالمُ بأسره أشلاء.

وقف "سيان لوتس " في مكانه ، أنفاسُه مستقرةٌ وهادئة. ألقى نظرةً على ذراعه ، حيث كان خدشٌ طفيفٌ يلتئمُ ببطء. حيث كان ذلك الأثرُ الوحيدَ الذي خلّفه آخرُ هجومٍ للشجرة ، الإصابةُ الوحيدةُ التي نالها في هذه المعركة.

رفع "سيان لوتس " بصره ، ماسحاً المكانَ بعينيه. فلم يكن ثمة أثرٌ للمرأةِ التي استدعت الشجرةَ العملاقة. و حيث بقيت آثارُ دماءٍ خافتةٍ على الأرض تمتدُ حتى حافةِ الغابةِ البعيدة ، ثم اختفت تماماً.

اقترب "سيان لوتس " وجلس القرفصاء ، ومدَّ يده لِيلمسَ آثارَ الدماء. حيث كانت الدماءُ لا تزالُ تحملُ عَبَقَ المرأةِ الخافت. و لكن سرعان ما تلاشى ذلك الأريج ، وكأن شيئاً ما قد محاه عمداً.

"القوةُ التي استبدلتها بحرقِ الحياة. " نهض "سيان لوتس " ناظراً إلى الأفق "هربت بسرعة. "

أغمض عينيه ، تاركاً إدراكه يتسعُ في الأرجاء. حيث كانت النباتاتُ في الغابةِ تهمسُ له ، تروي كلَّ ما حدث للتو. و لقد اختفت رائحةُ المرأةِ تماماً هنا ، وكأنها لم تكن يوماً. و من بين الستة ، فرَّت خمسُ روائحَ نحو الشرق ، بينما الأخرى...

فتح عينيه ، ونظر إلى الأرضِ تحت قدميه.

في أعماقِ الأرض كان تيارٌ من الرملِ الذهبيِّ الداكنِ يندفعُ بجنون ، فارًّا في اتجاهٍ مختلفٍ تماماً.

رفع "سيان لوتس " رأسه باتجاهِ الشرق. هناك كانت خمسُ روائحَ تفرُّ بيأسٍ ، وتبتعدُ عنه أكثر فأكثر. ولكن بالنسبةِ لـ "سيان لوتس " لم تكن هذه المسافةُ شيئاً يُذكر.

خطا خطوةً للأمام.

خطوةٌ واحدةٌ قطعت مئاتِ الأمتار.

خطوتانِ عبرتا التلَّ المنهار.

ثلاثُ خطواتٍ ، وكان قد تلاشى عند حافةِ الأطلال.

كانت الرياحُ تعوي بجانبِ أذنيه ، والغابةُ تتراجعُ من تحت قدميه. همساتُ النباتاتِ كانت ترشده كلما مرَّ ، كاشفةً عن مواقعِ الفارّينَ أمامه.

فجأةً ، برز طيفٌ من الغابةِ أمامَه ، سادًّا الطريقَ الذي يقصده.

ماركوس.

كان جسده مغطىً بالجروح ، وذراعه اليسرى تتدلى بزاويةٍ غريبة ، مكسورةً بلا شك. ومع ذلك وقف هناك ، ممسكاً بمطرقةٍ حجريةٍ ضخمةٍ بكلتا يديه ، حيث كانت الرموزُ الصفراءُ الترابيةُ عليها تشتعلُ بشراسة. حيث كان يعلمُ أن إصابتَه تمنعه من الهرب ، وأنه لن يكونَ سوى عبءٍ يعيقُ ليون ومَن معه ، لذا اختار البقاء.

"تعالَ-!! " زأر ماركوس ، رافعاً المطرقةَ الحجريةَ عالياً ، وقد بلغت هالةُ عنصرِ الأرضِ ذروتها.

لم يُكمل كلامه.

كان "سيان لوتس " قد مرَّ من جانبه بالفعل.

خطوةٌ واحدةٌ تجاوزت مكانَه.

بريقُ نصلٍ ومضَ سريعاً.

ولم يتوقف الرجل.

توقف زئيرُ ماركوس بغتةً.و حيث بقي واقفاً ، والمطرقةُ مرفوعةً في الهواء ، وعيناه مفتوحتانِ على وسعهما. فظهر خطٌّ دقيقٌ من الدمِ ببطءٍ على عنقه ، ثم انزلقت رأسه ، وسقط جسده على الأرضِ مدوياً.

تلاشت هالةُ عنصرِ الأرضِ المشتعلةُ فوراً ، متلاشيةً في ذراتٍ من الضوءِ اختفت في الهواء.

لم يلتفت "سيان لوتس " للخلف ، ولم يُبطئ خطواته.

"واحد. "

همس بذلك وتلاشى طيفُه في أعماقِ الغابة.

في الأفق.

توقف ليون فجأةً عن الركض ، ملتفتاً بنظره من فوق كتفه. ذلك الزئير... كان صوتَ ماركوس. ثم ساد الصمت. حيث كان وجهه شاحباً كالموت ، وقبضتاه مشدودتانِ حتى ابيضت مفاصلُ أصابعه. و لكنه لم يملك وقتاً للحزن ، ولا لحظةً واحدةً للالتفات. لأن تلك الهالةَ المرعبةَ كانت تقتربُ بسرعةٍ لا يمكنُ تصورُها.

"تفرقوا واهربوا. " صكَّ ليون على أسنانه ، بصوتٍ منخفضٍ وكأنه يخرجُ من بينهما "إنه شخصٌ واحد ، التفرقُ قد يتيحُ للبعضِ النجاة. "

عضّت إيلي على شفتها بقوة ، وتجمعت الدموعُ في عينيها ، لكنها منعت نفسها من البكاء. تنفس سلمان الصعداء ، وأومأ برأسه "على بُعد ثلاثينَ ميلاً شرقاً ، هناك مستنقع ، الهالةُ المضطربةُ هناك يمكنها أن تحجبَ الإدراك. و إذا تمكنا من الوصولِ إلى هناك... "

"كفى حديثاً. " قاطعه ليون "الآن ، اهربوا. "

لم يلتفت مرةً أخرى ، بل انعطفَ مسرعاً نحو الغابةِ الكثيفةِ على اليمين. حيث كانت طاقةُ القتالِ الفضيةُ البيضاءُ تشتعلُ حوله بجنون ، ليتحولَ جسدُه بأسره إلى خيطٍ من الضوء ، متلاشياً في ظلِّ الشجرةِ العملاقة.

أربعةُ أشخاصٍ ، في أربعةِ اتجاهات.

هبّت الرياحُ عبر الغابة ، حاملةً معها آخرَ صدىً لصوتٍ بشري.

وقف "سيان لوتس " في مساحةٍ مفتوحة ، وتوقف.

أغمض عينيه ، تاركاً إدراكه يتسع.

خمسُ روائح ، واحدةٌ قد اختفت.

الأربعُ المتبقياتُ انطلقنَ في أربعةِ اتجاهاتٍ مختلفةٍ تماماً.

اختار "سيان لوتس " أحدَ الاتجاهاتِ عرضاً ، ثم انطلق....

في أعماقِ الأرض ، واصل تيارٌ من الرملِ الذهبيِّ الداكنِ فرارَه المحموم.

لم يكن ديوك يعلمُ كم من الوقتِ أمضى في الهروب.

اخترق تيارُ الرملِ طبقاتِ الصخور ، ومرَّ عبر التربة ، وعبر جذورَ تلك الأشجارِ العملاقة. حيث كان وعيُه يتوزعُ بين كلِّ ذرةٍ من الرمل ، مُدركاً كلَّ ما حوله.

أتاه صوتُ ماءٍ خافتٍ من الأمام.

توقف تيارُ رملِ ديوك ، ثم اندفع نحو ذلك المصدر.

نهرٌ جوفيٌّ مظلم.

كان الماءُ بارداً كالثلج ، يتدفقُ بسرعةٍ ، ويزأرُ في العتمة. وبمجردِ ملامسةِ سطحِ الماء ، تلاشى تيارُ رملِ ديوك فجأةً ، لتندمجَ ذراتُ الرملِ التي لا تُحصى مع الماء ، متحولةً إلى قطراتٍ لا تُعدُّ امتزجت بمجرى النهر.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط