الفصل 2526-2527: تقييم دوكس
"أتتركهم هنا هكذا؟ أهذا حقاً من الصواب؟" اقتربت السيدة "ميلو" من "أنجيل" بصوت خفيضٍ متهدج فور عودته إلى الحانة.
كان من الجليّ أن زمرة الموهوبين الذين وفدوا إلى الحانة لم يستردوا عافيتهم بعد؛ إذ كانت أمارات الذعر لا تزال ترتسم على محياهم، وكان جلُّهم يقبعون حول الطاولة في حالة من الذهول والشتات.
وعلى الرغم من إيصاد أبواب الحانة اليوم، إلا أن الحاجز عند المدخل لم يكن ليحجب الرؤية عمن بالخارج؛ لذا استبدَّ القلق بالسيدة "ميلو" خشية أن تمرَّ دوريات الحراسة فتبصرهم، مما قد يثير جلبةً وفوضى لا تُحمد عقباها.
أجابها "أنجيل" بهدوء: "لا ضير في ذلك، فلا تقلقي، لن يقع مكروهٌ قط".
من وجهة نظر "أنجيل"، حتى لو فطن الحراس لوجودهم، فلن يشكل ذلك شأناً ذا بال. أسيجرؤون حقاً على الإقدام على أي فعلٍ هنا؟ فضلاً عن ذلك، حتى لو فعلوا، فلن يغير ذلك من الواقع شيئاً.
بيد أنه، وفي نهاية المطاف، كانت هذه البقعة تقع ضمن نطاق نفوذ الحارس العجوز، وهي ركيزة خفية وضعتها "كهف البرابرة" هنا؛ وحتى لو لم تكن ذات أهمية كبرى، فإن "أنجيل" سيظل حريصاً على تجنب كشف هويته أو لفت الأنظار.
لذلك، وعلى الرغم من أن قلبه كان يفيض جراءةً وعدم اكتراث، إلا أن عقله كان يعمل بكياسةٍ وتحفظ.
وكان ذلك هو "منهج الوهم".
أرسى "أنجيل" طبقةً من تقنيات الوهم خارج الحانة، بوسعها التأثير على نحوٍ غير محسوس في وعي أي شخصٍ يطأ ذلك النطاق.
كان هذا تدبيراً احترازياً أحكمه "أنجيل".
وبعد أن أتمَّ إعداد تقنية الوهم، أوعز إلى السيدة "ميلو" بأن تقتفي أثر البواب العجوز، بينما استقرَّ هو في الردهة الأمامية، يتبادل أطراف الحديث مع "دوكس" على نحوٍ عارض.
كانت محادثةً اعتيادية تفتقر إلى مواضيع محددة، إلا أن "أنجيل" تعمّد، سواء بعلمٍ أو بغير علم، التطرُّق إلى التحولات الجارية في مملكة "غومان"، سابراً بذلك أغوار نوايا "دوكس".
وعلى الرغم من أن "دوكس" لم يفصح جهاراً عن رغبته في التدخل في شؤون مملكة "غومان"، إلا أن أفعاله السابقة كانت توحي ضمناً وبشكلٍ مواربٍ بميله للتدخل.
ولا غبار على ذلك التدخل، فجماعة "المتجولة" -المعروفة أيضاً بـ "المتحررين"- لا تقيدهم الأغلال وبوسعهم فعل ما يحلو لهم. لكن "أنجيل" كان يتساءل عن مدى عمق انخراط "دوكس" في هذا الأمر وما يربو إلى تحقيقه من ورائه.
استجابةً لأسئلة "أنجيل"، بدا "دوكس" شارد اللبِّ إلى حد ما، يجيب تارةً وينظر حوله تاراتٍ أخرى بارتِياب.
سأله "أنجيل": "عما تبحث؟ أتبحث عن الببغاء المتوّج؟"
أومأ "دوكس" برأسه على الفور قائلاً: "لقد كنتُ أسترجع كل الإهانات التي تجرعتها آنفاً، وقد صغتها في عباراتٍ لاذعة ومنمقة، ولا بد لي من استخدامها لتلقين ذلك الببغاء النذل درساً لن ينساه، وإلا فلن يقرَّ لي قرار".
علاوة على ذلك، وفي طريقهم إلى هنا، طلب "دوكس" من "أنجيل" أن يرقب أداءه، واعداً إياه بالوفاء بعهده.
ومع ذلك، وبالرغم من وصولهم، لم يكن للببغاء المتوّج أثرٌ في المكان.
لهذا السبب كان "دوكس" مشتت الفكر أثناء حديثه مع "أنجيل".
ولما استبان لـ "دوكس" غياب الببغاء، وكان يتوق لنفث تلك الشتائم البليغة، قال لـ "أنجيل": "لمَ لا تنظر في جودة ما صغتُه من مقذعات؟"
ابتسم "أنجيل" معتذراً: "إن المعارك الكلامية ترتهنُ بالبديهة والمواجهة المباشرة، فما يُعدُّ سلفاً قد لا يفي بالغرض حين تشتدُّ الوطيس".
"هذا صحيح، ولكن… آه، أتظنني أريد الجدال حقاً؟ إنني أفضل أن أقصم رقبته مباشرة". كان نصف ما نطقه "دوكس" همهمةً خافتة، لكنها كانت موجهةً لـ "أنجيل".
لولا أن "أنجيل" كان يكبح جماحه، لآثر "دوكس" على الأرجح انتهاج سبلٍ أكثر فتكاً ومباشرةً في التعامل مع ذلك الببغاء.
قال "أنجيل": "أرى من وجهة نظري أن التغلب عليه في الميدان الذي استنهض فيه تحديك، وإثبات تفوقك هناك، هو أمرٌ يبعث على غبطةٍ أكبر".
"أي غبطةٍ وأي إنجاز؟" لعن "دوكس" في سريرته؛ فلو أن ذلك الببغاء الخسيس استهدف "أنجيل" بدلاً منه، لكان "أنجيل" قد أذاقه الويلات وبطش به دون هوادة.
"ألم تقل أيضاً إن الببغاء المتوّج ربما كان يتبع ساحراً حكيماً في غابر الأزمان، ولعل من استدعاه شخصيةٌ فذة؟ ألا تخشى أن تضعك تلك الشخصية في مرماها؟"
ارتشف "دوكس" من قدحه بضيقٍ جليّ.
لو كان صاحبه ذا شأنٍ، لكان على الأغلب قد قضى نحبه أو سئم من عقده معه فأعفاه منه من فرط الإحباط. وإلا، فكيف تسنّى لذلك الشخص المدعو "أبولي" أن يبرم معه عقداً؟
ورغم أن "دوكس" كان يقلب هذه الأفكار في روعه، إلا أنه لم ينطق بها. ولأن الببغاء لم يكن حاضراً، لم يشأ الاسترسال في الحديث عن هذا الأمر، خشية أن يزداد حنقاً على حنقه.
"فلنتحدث في شأنٍ آخر". غيّر "دوكس" دفة الحديث فجأة: "أنا أفهم مرادك من تلميحاتك، لكنني أرى أنه لا داعي لاستقصاء ما سأفعله".
سأله "أنجيل": "ماذا تعني بقولك هذا؟"
أجاب "دوكس": "نحن المتجولون نسير مع التيار حيثما جرى، بخلافكم أنتم أصحاب التنظيمات الذين يتحتم عليكم مراعاة الصورة الكلية والمصالح العامة في كل شاردة وواردة. ألا تجدون في ذلك ضيقاً وعنتاً؟"
أجاب "أنجيل" بشيءٍ من التردد، فتابع "دوكس": "بطبيعة الحال، أنت من سيحصد الثمار الكبرى في النهاية، لكنني مجرد متجولٍ لا ينظر إلا إلى المغانم الوشيكة، وقد لا أعيرها اهتماماً حتى؛ فالأهواء تتقلب بين ثانيةٍ وأخرى. بالأمس، كنتُ في سوق 'دودة الرمل'، واليوم، من كان يتوهم أنني سأكون هنا في مدينة الأميرة بصحبة شخصيةٍ روحانية ذائعة الصيت لنرقب هذا المشهد الدرامي؟"
غمز "دوكس" لـ "أنجيل" قائلاً: "لذا، لا حاجة للاستفسار، ولا تشغل بالك بي. إن تدخلتُ فعلياً، فسيكون أثري محدوداً. وفوق هذا وذاك، فبعد عودتي معك إلى سوق 'دودة الرمل'، من يدري إن كنتُ سأطأ أرض مملكة 'غومان' مجدداً. كل الاحتمالات واردة، وأنا أؤمن بحرية الاختيار المطلقة".
ضحك "أنجيل"؛ فقد كانت كلمات "دوكس" ملتوية، لكن فحواها بسيط: "أنا مجرد عابر سبيلٍ ثانوِي، فلا تأبهوا لأمري، فلستُ بمن يغير موازين القوى. سأكتفي بأخذ ما تيسر والرحيل دون الغرق في رمالها المتحركة".
كان "أنجيل" يدرك يقيناً أن "دوكس" لا يملك التأثير في الصورة الكلية، وكان جلُّ تساؤله يدور حول سبب اهتمام "دوكس" المفاجئ بالانخراط في هذه المعمعة. هل عثر على نفعٍ ملموس في قلعة الأميرة؟
ومع ذلك، اتضح من ثنايا كلام "دوكس" أنه لم يكن ينوي الخوض في التفاصيل مع "أنجيل".
أعمل "أنجيل" فكره للحظة ثم طرح الأمر جانباً.
كانت عقليته الراهنة تقارب عقلية "دوكس" إلى حد بعيد؛ فقد كان يصبُّ تركيزه على المكاسب الآنية بدلاً من المآرب طويلة الأمد. ومع ذلك، وعلى النقيض من "دوكس"، كانت "مكاسبه الآنية" جزيلةً وطافحة: الأنماط الخضراء، والمعارف المكانية، والكيمياء الغامضة، وسلطة "برية الأحلام"، ورفقاء العناصر في عالم المد والجزر، وما شابه ذلك. فبالمقارنة، حتى لو وجد "دوكس" شيئاً نفيساً في قلعة الأميرة، فإنه يبدو ضئيلاً أمام ما يملكه "أنجيل".
إذن، لا داعي للتقصي. أما فيما يخص المصالح بعيدة المدى… ألم يكن هذا هو الدافع وراء إرسال البواب العجوز إلى "برية الأحلام" للتواصل مع "اللورد رين"؟ كان لزاماً عليهم بطبيعة الحال وضع هؤلاء الأشخاص في الحسبان.
وبعد أن كفا عن الاستجواب، استرسل "أنجيل" و"دوكس" في حديثٍ عفويّ تماماً.
لكن حتى تلك المحادثات العابرة كانت لها حدودٌ مرسومة؛ فلم يكن بوسعهم تداول المعارف من "عالم الساحرة" جهاراً أو الخوض في شؤون السحرة الآخرين في الردهة الأمامية؛ لم يكن الأمر يتعلق فحسب بوجود الأغيار، بل أيضاً باختيار المقام والزمان الملائمين لـ "تبادل" المعارف. لم تكن هذه البقعة، ولا تلك الليلة، صالحتين لمثل هذه التبادلات المعرفية.
لذا، انحصرت مواضيع حديثهما في شؤون بلدة الأميرة الصغيرة.
وفي نهاية المطاف، انتقى "دوكس" موضوعاً وشرع في تقييم الزمرة الجديدة من الموهوبين المنتمين لـ "كهف البرابرة" من منظوره الخاص.
أخذ "دوكس" يحلل كل واحد منهم على حدة، ولم يتوانَ عن إطلاق أحكامه اللاذعة. فانجذب إليه أولئك الموهوبون الذين كانوا يكابدون لجمع شتات أنفسهم على الفور.
ورغم أنهم لم يفصحوا عن ذلك، إلا أن الفضول كان ينهشهم لمعرفة كيف يبدون في عين مسؤولٍ رفيع.
في الحقيقة، لم يلقِ "أنجيل" بالاً لهذا الموضوع؛ فمن بين هذه المجموعة، لم يكن ثمة من يلفت الأنظار بتميزه. فعلى الأقل، وبالمقارنة مع دفعتهم في ذلك الحين، كانوا بالفعل أقل كفاءةً ودراية.
لكن بما أن "دوكس" قد استرسل في الحديث، لم يجد "أنجيل" مسوغاً لمقاطعته.
ولم تكن تقييمات "دوكس" مفاجئةً بأي حال؛ فكل ما تناهى إلى مسامع "أنجيل" لم يخرج عن توصيفات مثل "ضعيف"، و"أحمق"، و"مندفع"… وما إلى ذلك.
وكان كلُّ مَن ناله نصيبٌ من تعليقات "دوكس" يرتسم على وجهه تعبيرٌ ممتقعٌ من فرط الاستياء.
كانت "أميشا" هي الوحيدة بين الحاضرين التي لم تنل تقييماً سلبياً صارخاً من "دوكس". ومع ذلك، حتى في حق "أميشا"، قال "دوكس": "إنها توحي بشيءٍ من سمات الساحرات، لكن صلابتها المفرطة تجعلها أكثر عرضة للانكسار والانهيار. وعلاوة على ذلك، إذا لم تسعَ للمنافسة، فإنها حقيقةٌ بالمعاناة".
كان مفهوم "عدم المنافسة" يشير بوضوح إلى عدم إقدام "أميشا" على ملاحقته لاستدراج "أنجيل" إلى القتال.
كانت هذه النقطة مشوبةً ببعض التحيز الشخصي، لكن بقية التقييمات كانت موضوعيةً إلى حد كبير.
حتى "أنجيل" استشفَّ في "أميشا" بعضاً من خصال "ناوسيكا"، لذا كان أكثر تفاؤلاً بمستقبلها؛ بيد أن "ناوسيكا" كانت تتسم أيضاً ببعض الصلابة في طباعها. ورغم أن الصلابة ليست عيباً في ذاتها، إلا أن العجز عن التكيف مع المتغيرات قد يحول دون بلوغ الغايات الكبرى.
وبعد أن فرغ من تقييم الحاضرين، انتقل "دوكس" لتقييم الغائبين.
لم يكن تقييمه لـ "نصل" رفيعاً؛ فقد رآها شابةً غارقةً في كبريائها، لا تدرك من حقائق العالم إلا النزر اليسير، ومن المحتمل أن تُجبرها صدمات الواقع على النضوج قسراً.
أما بخصوص الشخصين اللذين تليا "نصل"، فقد اكتفى "دوكس" بتقييمات مقتضبة للغاية.
أما بخصوص "غولوس"، فكان التقييم: "مثير للاهتمام".
أما بخصوص "برويزر"، فكان: "رجل صغير مضحك".
لم يسهب "دوكس" في بيان مكامن الاهتمام أو الضحك في هذين الشخصين. لكن تلك التقييمات التي بدت "إيجابية" في ظاهرها أثارت حفيظة الموهوبين الآخرين القريبين.
ولم يحرك "أنجيل" ساكناً لمنع "دوكس" من إثارة تلك الضغائن؛ فأحياناً، لا يكون التضييق والاستهداف نقمةً محضة، بل قد ينقلب نعمة.
بيد أن تقييم "دوكس" كان يتسم بالغرابة؛ فقد كان "أنجيل" يعي ما يعنيه بـ "مضحك" حيال "برويزر"، أما فيما يخص "غولوس"، فقد بدا أن "دوكس" يرى فيه ما خفي عن بصر "أنجيل".
فعلى الأقل، لم يلحظ "أنجيل" في تلك اللحظة ما يجعل "غولوس" "مثيراً للاهتمام".
ربما أبصر "دوكس" أمراً ما حين تسلل إلى قلعة الأميرة جعله يرى في "غولوس" ذلك التميز؟
وبينما كان "أنجيل" يغالب فضوله، خرجت السيدة "ميلو" من الردهة الخلفية في تلك اللحظة، فكفَّ عن تساؤله.
لكن لم يظهر للبواب العجوز أثرٌ خلف السيدة "ميلو"، بل لم يكن معها سوى "أبولي" و… "توم الصغير".
هَمَّ "أنجيل" بمخاطبة السيدة "ميلو"، بيد أن "دوكس" كان أسبق منه قولاً.
برقت عينا "دوكس" وهو ينتصبُ واقفاً، رامقاً "أبولي" بنظرةٍ حادة: "عجّلي بالقول، أين ذلك الببغاء القبيح؟ ألم يكن يتشدق بالكلام آناء الليل؟ هذه المرة سألقنه فنون القول تلقيناً!"
تراجعت "أبولي" إلى الوراء، وقد تملكها الوجل والارتباك.
لم تطق السيدة "ميلو" رؤية هذا المشهد، فذادت عن "أبولي" برفقٍ قائلة: "يا سيد 'السيف الأحمر'، إن 'أبولي' فتاةٌ خجول، فإذا كانت ثمة مشكلة، فلعلكما تجلسان وتتفاهمان بالتي هي أحسن؟"
رد "دوكس" بتهكم: "خجول؟ هه، لو كانت بتلك الرقة والخجل، أكانت تجرؤ على إطلاق عنان ذلك الببغاء النذل ليستفزني ويهينني؟"
قالت "أبولي" بصوتٍ واهنٍ خفيض: "لم أكن أملك من أمره شيئاً، ولم أستطع كبح جماحه…"
أدرك "دوكس" حقيقة وضع "أبولي"، فزفر ببرود: "أفصحي عن مكانه، أين هو؟ أرددته إلى عالمه الأصلي؟"
هزت "أبولي" رأسها نفياً، وتلعثمت برهةً قبل أن تقول: "أنا نفسي لا أدري أين ولى وجهه".
ومع إلحاح "دوكس" في السؤال، كشفت أن الببغاء المتوّج انطلق طائراً من الحانة فور مغادرتهم، وأسرَّ لـ "أبولي" بأنه ينشد بقعةً هادئة للرقاد وسيعود مع تباشير الصباح.
ولأن "أبولي" كانت عاجزةً عن تطويع الببغاء، لم يكن أمامها سوى تركه يمضي لشأنه.
"أخرج وحده حقاً؟" بدت الدهشة على محيا "دوكس". فحتى لو لم يكن الببغاء المتوّج وحشاً مستدعى فائق القوة، فإنه يظل كائناً استثنائياً. وهذه هي "مملكة الببغاء"، حيث لا يترك الطامعون أي ببغاءٍ متوجٍ يفلت من قبضتهم.
ضيق "دوكس" عينيه وقال: "إنه لَأمرٌ محفوفٌ بالجسارة والتهور".
وعلى الرغم من قوله هذا، إلا أن "دوكس" استشعر أن خروج الببغاء بمفرده لم يكن مجرد طيشٍ أو جراءة.
فباعتباره مخلوقاً مستدعى، من المفترض أنه ينهل من معارف مستدعيه السابق، وكان إدراكه لعالم السوق جلياً لا لبس فيه. علاوة على ذلك، استبان من ديدنه السابق أنه كائنٌ ذو دهاءٍ مفرط وبصيرةٍ نافذة؛ فكيف لمثل هذا المخلوق ألا يعي الأخطار المحدقة بالسوق؟
ومع ذلك، تجرأ على الخروج وحيداً؛ فلا بد أن في الأمر سراً دفيناً.
سكن "دوكس" فجأة، وجلس في مكانه بتمهل، وبما أن الفجر لم يتبقَّ عليه سوى سويعاتٍ قليلة، وقد وعد الببغاء بالعودة حينها، فقد رأى أن الانتظار هو الخيار الأمثل لاستجلاء الحقيقة.
وأمام صمت "دوكس" المباغت، تنفست كل من "أبولي" والسيدة "ميلو" الصعداء، في حين غشي "أنجيل" شعورٌ خفيٌّ بخيبة الأمل.
فقد كان يمني النفس برؤية سجالٍ لغويٍّ ومعركةٍ كلامية بين "دوكس" والببغاء المتوّج.
وفي ظل وجود هذا الحشد من الموهوبين، لو انكسرت شوكة مسؤولٍ وقور مثل "دوكس" أمام ببغاءٍ متوجٍ على مرأى ومسمع من العامة، ألن يكون ذلك مشهداً يثلج الصدر ويدعو للاستمتاع؟
"يا للأسف، الببغاء ليس هنا…" هز "أنجيل" رأسه، وخمّن أن للببغاء أسراراً تطويها جوانحه، لكنه لم يشغل باله بها، بل ترك الأمر لـ "أبولي" لتتدبره. فإذا كانت "أبولي" عاجزةً عن السيطرة عليه، فإن تركه يؤثر في شخصيتها قد لا يكون وبالاً على فتاةٍ بائسةٍ وخجولةٍ مثلها.
وبعد أن كفَّ "دوكس" عن الكلام، التفت "أنجيل" إلى السيدة "ميلو" قائلاً: "ألم يحضر البواب العجوز؟"
هزت السيدة "ميلو" رأسها وأجابت: "بلى، هو هنا… لكنني سأترك هذا الفتى يحيطك علماً بما جرى".
أشارت السيدة "ميلو" نحو "توم الصغير".
كان "توم الصغير" هو ذاك الحارس الفتي الذي تسلل سابقاً إلى قلعة الأميرة بدافع الثأر، وبعد أن عثر عليه "أنجيل" في غياهب الزنزانة، أرشده للخروج والبحث عن البواب العجوز.
لم يأبه "توم الصغير" لنظراتهم، وتقدم بضع خطواتٍ قائلاً: "لقد أرسلني السيد إلى هنا لأقتفي أثر البواب العجوز. وبالفعل قد وجدته، ولكن حين رآني، لم يخرج للقائي إلا هنيهةً يسيرة، فسأل عن حال السيد، وقبل أن أستفيض في الكلام، قال إن الوقت قد أزف، وأنه بحاجةٍ للخلود إلى النوم، وأردف قائلاً إن بوسعنا مناقشة أي أمرٍ آخر بعد استيقاظه، ثم أوصد الباب ولم يخرج ثانيةً".