«إنّ وجود "لين " لغزٌ محيّر ، وثمة فسادٌ ولعناتٌ جسيمةٌ تعجز قواي عن محوها ، لكنه يمتلك سبيلاً فريداً للتعامل معها». استحال وجه "السيدة البحيرة " مهيباً ، ثم سألت: «هل ساعدك في فك اللعنة ؟».
أجابت "موجيانا " بنبرةٍ يغشاها الاحترام والوقار: «لا يا سيدتي ، فقد قال إنّ قوته لا تسعه لذلك لكنه وضع عليَّ "ختماً روحياً " يقي جسدي من التآكل المستمر بفعل هذه اللعنة. و لقد طهّر "نور قوته الروحية " كلَّ دنسٍ كان يضنيني ، وأشعر بتحسنٍ كبيرٍ الآن».
قالت "السيدة البحيرة " وهي تصدر نبوءةً أخرى: «لا ريب في أنه ذاك "الفارس الفضي " نحن بحاجة إلى قوته. يا "موجيانا " أنتِ المتحدثة باسمي ، وهو "مختارُ الآلهة " الذي أرتضيه ، وآمل أن يأتلف قلباكما و ربما يقعُ عبءُ إنقاذ هذه البلاد على كاهله».
أجابت "موجيانا ": «سمعاً وطاعة يا سيدتي». لم تعهد "موجيانا " قط نبوءةً بهذا الوضوح واليقين ، ولم تكن يوماً تحت وطأة هذا التأثير لفترةٍ طويلة. ساور "ساحرة بحيرة الإله " شعورٌ غريب في قرارة نفسها ، لكنها بصفتها المتحدثة الرسمية والتابعة المخلصة لـ "السيدة البحيرة " لم تكن لتجرؤ على سبر أغوار أفكارها أو قواها ، بل كان عليها الامتثال فحسب.
في تلك اللحظة ، لفت ضجيجٌ صاخب انتباه "السيدة البحيرة " إلى داخل ساحة الاحتفال. حيث كان "بطلها المختار " يتقدم نحوها مبتسماً ، ممسكاً برمح الفرسان ، وفي طرف الرمح كانت خصلةٌ من الشعر الذهبي تألق ببريقٍ آسر. وانتهت المراسم المقدسة وسط عاصفة من الهتافات.
وفي اليوم التالي ، استعدت "ساحرة بحيرة الإله - موجيانا " و "دوق وينفورد " و "لين " لقيادة ما تبقى من قواتهم للعودة إلى أراضيهم تأهباً لفصل الشتاء. وقد أظهر "لين " مجدداً خصال نبلائه ، إذ أنفق كل ما تبقى من المكافأة التي نالها ، وقدرها 1500 تاج ذهبي ، دون أي ادخار ، لتُوزع كتعويضات على عائلات الجنود الذين قضوا في المعركة.
واكتفى "لين " ومرافقوه بحمل خمسين مجموعة من دروع الرقباء الجديدة ، وبدأوا رحلة العودة إلى ديارهم. حيث كان ذلك في مطلع شهر أكتوبر ، وبحلول وقت وصولهم إلى "دوقية وينفورد " كان الخريف قد أزف على الرحيل ، ولم تكن تفصل "بريتانيا " عن أول تساقط للثلوج سوى أسابيع قليلة.
رافق "لين " ومجموعته في رحلتهم "الدوق بولدرو بودريك " "بطل إله البحر المختار " الذي تبادل أطراف الحديث معهم طوال الطريق. حيث كان الدوق يتمتع بإرادةٍ صلبة ، يحتضن الجميع كما يفعل البحر العظيم ، لكنه في الوقت ذاته قاسٍ كقسوة أمواجه.
وسط الحقول المكسوة باللون الذهبي كانت "ساحرة بحيرة الإله - موجيانا " تمتطي وحيد القرن "هيلفاين " بوضعية الجلوس الجانبي ، وبجانبها كان "لين " يمتطي جواده ، وإلى جوارهما "الدوق فرانسوا " و "الدوق بودريك " ؛ فاجتمع الأربعة من ذوي المكانة الأعلى في القافلة معاً.
لم تكن "موجيانا " -بصفتها المتحدثة باسم "السيدة البحيرة "- ذات طبعٍ هين ، أو لنقل إنها كانت دائماً شخصية غامضة. فقد كانت "الكبيرة سحرة الحرم المقدس " لعنصري السماء والحياة ، بوجودها الغامض والمراوغ ، وكثيراً ما كانت تظهر في أرجاء "بريتانيا " لتعاقب السحرة الأشرار أو الفرسان المتمردين الذين حادوا عن نهج الفروسية ، وتمد يد العون سراً للفلاحين المظلومين وفرسان المهمات الذين يخضعون لاختبار "الكأس المقدسة ".
وكانت تقضي جل وقتها معتزلةً في برج السحرة داخل المستنقعات القريبة من "بحيرة الجنيات " في "دوقية كاكاسونغ " ولم يكن أحدٌ يدري ما تصنعه خلف جدران برجها.
ثمة حكاية طريفة عن "ساحرة بحيرة الإله " ؛ إذ كان لديها هواية تحويل من تعاقبهم إلى ضفادع ، كالسحرة المتغطرسين أو الفرسان المارقين الذين فشلوا في اختباراتهم. ونتيجة لذلك اعتادت فتيات الريف في "بريتانيا " لعب لعبة تدعى "تقبيل الضفادع " حيث يبحثن عن الضفادع في البرك والمستنقعات ويقبلنها ، آملاتٍ في فك لعنة الساحرة وتغيير أقدارها. وسواء كانت هذه الحكاية حقيقية أم لا ، فلم يكن لدى "لين " أدنى رغبة في خوض التجربة.
قال "فرانسوا " وهو يقترب منهم على صهوة جواده: «لقد تجاوزنا "دوقية ليونيس " وسنتجه جنوباً لنعبر "كونوت " ؛ تلك الأراضي الملعونة... "موسيلون "».
رد عليه "الدوق بولدرو بودريك " -الذي يبدو في الأربعين من عمره رغم أنه ناهز الثمانين-: «لقد كان "دوق الدم الأحمر " مسالماً مؤخراً ، ولم يرصد "الحراس " أي تحركات جديدة له». ورغم كونه أحد "أباطرة القوة الأسطورية " فقد كان في مرحلة منتصف العمر وفق معايير أمثاله. وقد سرت شائعات في السنوات الأخيرة تفيد برغبته في التخلي عن شؤون الدنيا والبدء في "طريق الكأس المقدسة " إلا أن غارات "قراصنة دجان المظلمين " المتكررة ، وظهور مصاصي الدماء في نطاق دوقيته ، وجيش "فرسان الموتى " التابع لـ "دوق الدم الأحمر " في الشمال لم تترك له من الوقت شيئاً.
اكتفت "موجيانا " بإيماءهٍ من رأسها ، وقد ارتسم على وجهها برودٌ جليدي.
تقع قلعة "موسيلون " عند مصب نهر "غريسمير " الذي ينبع من "غابة أردن ". كانت فيما مضى دوقية صغيرة ومزدهرة في "كونوت " لكنها استحالت اليوم معقلاً للموتى الأحياء. وبدا أن القلعة بأكملها تغرق تدريجياً في المستنقع ، ومع ذلك فقد صمدت عند المصب بفضل تعاويذ خاصة أو عمليات إعادة بناء خفية.
ومهما كان الاعتراف مؤلماً ، فقد فقدت "بريتانيا " فعلياً هذه المدينة الساحلية. فبعد حادثة "برج دور " بذل الفرسان جهوداً مضنية ، ورغم أن "دوق الدم الأحمر " كان يُهزم مراراً إلا أن الفرسان لم يفلحوا أبداً في إسقاط "موسيلون ".
حين سأل "لين " عن السبب ذات مرة ، أجابه "فرانسوا " بابتسامةٍ مريرة: «عندما تواجه جداراً بارتفاع ستين متراً وعرض عشرين متراً ، فمن العسير أن تفكر في كيفية اقتحامه يا "لين ". تذكر ، الموتى لا يكترثون بنفاد القوى أو الموارد».