Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

زراعة الفراغ 297

296- +


الفصل 297: الفصل 296-

كان باطن القصر الكريستالي كعالم منفصل تماماً ، عالم صِيغَ من جليدٍ سرمدي جامد. حيث كان كل شيء يتلألأ بجمالٍ باردٍ خالٍ من الحياة ، وكأن الزمن ذاته قد حُبس داخل طبقات الصقيع. وإلى جانب الضغط الهائل الذي كان يطبق على الأنفاس ، والذي ازداد طغياناً بمجرد الدخول كان الأثير القارس الذي يتغلغل في هذا المكان أكثر صدمةً وقسوةً.

في غضون أنفاسٍ معدودة ، كاد جسد "غري " أن يتجمد ليتحول إلى تمثالٍ جليدي جامد. تسللت قشعريرة لاذعة إلى عظامه ، مهددةً بوقف تدفق دمه. انتشر الصقيع بسرعة على جلده ، وأحس بحركاته تتباطأ ، وكأن البرودة ذاتها تسعى لامتلاكه.

اضطر إلى تدوير طاقة "ثقوب الروح " لديه على الفور لمقاومة الصقيع الزاحف.

كانت نيرانه الروحيتان العاديتان تشتعلان بضراوة ، تدفعان الهواء البارد المقتحم وتحميان وظائفه الحيوية. وفي الوقت ذاته لم تقاوم نار روحه الثالثة التي ولدت من جوهر الين البارد ، بل انبرت لامتصاص الطاقة القارسة التي تغمر جسده ، والتهامها قبل أن تتمكن من تجميد أعضائه ولحمه من الداخل.

كان التوازن دقيقاً ، لكنه كان السبب الوحيد الذي جعله صامداً.

وفي مواجهة هذا البرد القارس والضغط الساحق لم يكن لمعظم الممارسين أن يتقدموا خطوة واحدة ؛ فقد كانت أجسادهم وعقولهم لتنهار منذ أمد بعيد تحت وطأة ذلك الضغط.

ومع ذلك تحمل "غري ".

داخل القصر الكريستالي ، وقع نظره على درجٍ طويل مشيد بالكامل من الجليد الشفاف ، يؤدي صعوداً نحو قمة الهيكل غير المرئية. ومع ذلك كان جُلُّه محجوباً بضباب كثيف متلاطم حتى رؤيته الثاقبة لم تستطع اختراقه ، مما أضفى عليه حضوراً غامضاً وموحشاً.

وفي الوقت ذاته ، لاحظ شيئاً أكثر غرابة.

كان سقف القصر حالك السواد ، شاسعاً وسرمدياً ، وكأنه سماء الليل بذاتها. حيث كانت نجوم لا تُحصى تتلألأ بخفوتٍ في الأعلى ، وداخل ذلك الظلام كانت الشموس الست التي كانت معلقة خارج القصر حاضرة هنا أيضاً.

كانت تتوهج ببراعة و كل منها يشع بلون مختلف ، وتنسكب أضواؤها على القصر كإضاءة إلهية.

كانت "فايولت " التي لا تزال في هيئة الشاب ذي الشعر الأبيض ، تلعق شفتيها وهي تحدق في الشموس الست ، وعيناها تفيضان بطمعٍ ورغبةٍ عاريين.

وحتى دون أن تنبس ببنت شفة كان "غري " يدرك ما يدور في خلدها.

كان الأمر كما لو أن ضوء تلك الشموس يناديها... ويغويها.

وفي تلك اللحظة ، وكأنها استُحثت بذلك التوهج المشع ، أطلقت القائدة فجأة عواءً وحشياً عالياً وانطلقت نحو الدرج دون تردد.

انفجر جسدها بضوء متلألئ من الأزرق والأسود ، يتشابكان كقوتين متضادتين تناغمتا معاً. وبخطوة واحدة ، دفعت بنفسها للأمام وهبطت بثبات على الدرجة الأولى من السلم الجليدي.

في اللحظة التي لمست فيها قدماها الدرجة ، ارتعش جسدها بعنف ، وتراجعت خطوة إلى الوراء.

تسيل الدم من زاوية شفتيها.

ومع ذلك لم يتلاشَ الجنون في عينيها ، بل اشتعل بضراوة أكبر.

دون تردد ، رفعت قدمها الأخرى وخطت إلى الدرجة الثانية.

بوم! بوم! بوم!

ترددت ثلاث أصداء مدوية في تتابع سريع ، دوت في أرجاء القصر المتجمد كقرع جرسٍ عتيق. كل دويٍّ جعل جسد القائدة يترنح بعنف ، كما لو أن قوة خفية قد ضربتها.

انسكب المزيد من الدم من شفتيها ، ملطخاً الجليد تحت قدميها.

لكنها لم تتوقف.

"نحن ممارسون! " صرخت القائدة بصوت أجش وهي تضغط على نفسها للمضي قدماً. "إذا لم نتمكن من تحمل القليل من الألم لزيادة تدريبنا ، فمن أجل ماذا نتدرب إذاً! ؟ "

خطوة أخرى.

دويٌّ آخر.

المزيد من الدم.

كان جسدها يرتجف الآن بلا سيطرة ، وكأن كل خطوة تحمل ثقلاً يفوق ما يمكن لجسدها تحمله. حيث كان الأمر كما لو أن الدرج نفسه يختبرها ، ويسحقها بقوة غير مرئية مع كل تقدم.

ومع ذلك ثابرت.

عندما هبطت قدماها على الدرجة السابعة.

بوم! بوم! بوم! بوم! بوم! بوم! بوم! بوم!

انطلقت ثمانية أصوات انفجارية في وقت واحد و كل صوت كان أثقل من سابقه.

دُفعت القائدة خطوة إلى الوراء وهي تسعل ملء فمها دماً.

لم يصل الدم حتى إلى الأرض قبل أن يتجمد في الهواء إلى شظايا كريستالية ، تحطمت في اللحظة التي لمست فيها الأرضية الجليدية.

تحول وجهها إلى شحوب الموت.

لكن في أعينها ، إلى جانب الألم والحسرة ، اشتعل شيء آخر.

رغبة حارقة لا تشبع.

جوعٌ للسلطة.

تلك الرغبة وحدها دفعتها لفتح عينيها مرة أخرى ، لتصر على أسنانها ، ولتخطو خطوة أخرى للأمام رغم العذاب الذي يمزق جسدها.

بينما كان "غري " يراقب تقدمها المتهور ، ويشاهدها تتسلق تلك الدرجات دون اكتراث بحياتها ، شعر بشيء يتحرك في أعماقه.

رغبة مشتعلة.

رغبة في أن يصبح أقوى.

رغبة في الوصول إلى قمة العالم والوقوف فوق الجميع.

رغبة في التحرر من التهديدات المستمرة التي تحيط به... ليعيش كما يشاء دون خوف.

والأهم من ذلك كله ،

رغبة عميقة ومؤلمة لكشف الحقيقة المخبأة داخل ضباب عقله... ولجمع شتات ذكريات إخوته.

أدرك "غري " أمراً واحداً بوضوح.

إذا أراد أياً من ذلك...

إذا أراد كل ذلك فإنه يحتاج إلى القوة.

قوة ساحقة لا تقبل الجدل.

تمتم "غري " بصوت منخفض ولكنه حازم "بصفتنا ممارسين في هذا العالم القاسي... الخيار الوحيد الحقيقي أمامنا... هو أن نصبح أقوى. "

بذلك تقدم للأمام وخطا على الدرجة الأولى.

في اللحظة التي هبطت فيها قدماه.

تدفقت قوة ساحقة غير ملموسة إلى داخله.

لم تسحق جسده.

بل هاجمت عقله.

ارتطمت صدمة عنيفة بوعيه ، مما ألقى بأفكاره في حالة من الفوضى. دارت رؤيته بلا سيطرة بينما غمره الدوار.

سعل دماً على الفور تقريباً.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

تفاقمت القوة مرة أخرى ، أكثر شدة هذه المرة ، ضاغطة على عقله كجبلٍ ينهار.

شعر "غري " برؤيته تظلم عند الحواف.

بدأ وعيه يتلاشى.

كان الأمر كما لو أنه يُسحب إلى هاوية سحيقة ، وإدراكه ينزلق بعيداً شيئاً فشيئاً.

وبينما كان على وشك أن يفقد نفسه تماماً قد سمع صوتاً يناديه برفق وهدوء.

"غري... "

كان صوت القائدة.

لكنه على عكس نبرتها المعتادة ، حمل رقة نادرة ، كحبل نجاة أُلقي في أعماق وعيه المتلاشي.

صار ذلك الصوت مرساة.

سحبته للوراء.

ثبّتت عقله الشارد وأخرجته من حافة فقدان الوعي.

في اللحظة التالية ، استعاد "غري " وعيه فجأة.

أدرك أنه كان يسقط بالفعل إلى الوراء ، وجسده يميل بعيداً عن الدرجة.

ولكن في اللحظة التي عاد فيها الصفاء ، أوقف نفسه بقوة ، مستعيداً توازنه وواقفاً بثبات على الدرجة الأولى مرة أخرى.

بدت القوة الساحقة التي هاجمت عقله وكأنها استنفدت نفسها في ذلك الهجوم الوحيد. و الآن بعد أن استعاد "غري " وعيه ، تلاشى الضغط العقلي الساحق تماماً.

كان تنفسه مضطرباً ، لكنه ثابت.

وعندما رفع بصره ، رأى أن القائدة قد التفتت لتنظر إليه.

للحظة وجيزة ، وسط الجنون والعزيمة في عينيها كانت هناك لمحة خافتة من القلق.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط