الفصل الرابع والثمانون (2): لديَّ سيف
حيد "تشوي تشان " بصره قليلاً كي لا يطيل النظر إلى غشاء الماء ، ثم أغمض عينيه ليستريح لحظة. وما إن عاد لفتحهما حتى وجد أن "لي باوبينغ " قد عبرت الجسر بالفعل.
عقد "تشوي تشان " حاجبيه متسائلاً في نفسه "هل يعقل أن الحداد العجوز يكنّ هذا القدر من الضغينة لإمبراطوريتنا ، إمبراطورية "لي " العظمى ، بسبب قسوة العائلة الإمبراطورية وبطشها ؟ وهل لهذا السبب يمتد ذلك الشعور بالاستياء إليَّ أيضاً ؟ ".
"لكن هذا لا يستقيم! فتاريخه الحقيقي يستحيل تتبعه باستثناء بعض الشائعات الواهية ، وبما أنه سياف عتيق ، فمن المؤكد أنه عاين من الوحشية والهمجية ألواناً وأصنافاً ، لذا لا ينبغي لمثل هذا الأمر أن يزعجه ".
كان المشهد الذي يجسده غشاء الماء يقترب أكثر فأكثر من ورشة الحدادة ، وفجأة ، انفجر غشاء الماء دون سابق إنذار ، متسبباً في تطاير قطرات لا حصر لها في كل اتجاه بقوة مذهلة مكنتها من اختراق الجدران والنوافذ والأعمدة المحيطة.
بيد أن جميع القطرات المندفعة نحو "تشوي تشان " والصبي توقفت فجأة في مسارها قبل أن تتفتت إلى قطرات أصغر ، وكأنها اصطدمت بجدار خفي لا يمكن اختراقه.
في تلك اللحظة ، دوى صوت "رون تشيونغ " من الأعلى قائلاً "من الأفضل لك ألا تتمادى في اختبار صبري أكثر من هذا! ".
رفع "تشوي تشان " رأسه مبتسماً وقال "يا لك من حكيم عجوز بخيل! حسناً ، إن كنت لا ترغب في أن أرى ، فلن أنظر ، فلنكن حضاريين. و أنا أقيم حالياً في المسكن الموروث لعشيرة "يوان " ماذا لو حملوني مسؤولية كل هذا الدمار بعد عودتي إلى العاصمة ؟ ".
ثم خفض بصره وهو يتمتم لنفسه "كان يفترض بمواطني إمبراطورية "لو " السابقين أن يكونوا قد وصلوا الآن ".
بعد ذلك ألقى نظرة خاطفة على الصبي ، ثم صرف بصره وهو ينقر بإصبعي السبابة ليده اليمنى واليسرى داخل كمّيه ، متابعاً تمتماته "درهم وقاية خير من قنطار علاج ".
عندما عثر "لي هواي " و "دونغ شويجينغ " وسائق العربة على "تشين بينغ آن " كان منهمكاً في مساعدة أحدهم على بناء منزل.
كانت عينا "لي هواي " تزيغان في كل اتجاه ، مما يضفي عليه مظهراً ماكراً ومخادعاً ، بينما كان "دونغ شويجينغ " يبدو على طبيعته ، متحلياً بهدوء لافت.
كان جسد "تشين بينغ آن " مغطى بالغبار ، وما إن اقترب من الثلاثة حتى بادرهم بالسؤال "سمعت أنكم كنتم تبحثون عني ؟ ".
كان سائق العربة يبدو شخصاً عادياً لا يتميز عن عامة الناس ، فرك يديه وهو يقترب من "تشين بينغ آن " وسأل بصوت خافت "هل يمكننا الذهاب إلى مكان آخر ؟ ".
رد "تشين بينغ آن " بهز رأسه بحزم "لا ، إن كان لديك ما تقوله ، فقلْه هنا ".
بدت مسحة من الاستياء على وجه السائق ، لكنه شعر بارتياح داخلي طفيف ؛ فهذا هو الرد الذي توقعه من فتى بمكانة "تشين بينغ آن ".
بعد لحظة من التردد ، سأل السائق "أنت تعرف السيد "تشي " من المدرسة ، أليس كذلك ؟ ".
أجابه "تشين بينغ آن " بحدة ونفاد صبر "ومن في هذه البلدة لا يعرف السيد "تشي " ؟ أما إن كان السيد "تشي " يعرفنا ، فهذا أمر يصعب الجزم به ".
كان "لي هواي " يقف جانباً ، يحاول جاهداً كبت ابتسامته الماكرة ، بينما رمق "دونغ شويجينغ " "تشين بينغ آن " بنظرة ذات مغزى.
وفجأة ، صاح أحدهم من المنزل قيد الإنشاء "لا تتكاسل يا "تشين بينغ آن "! إن انتهيتم من الحديث ، فعد إلى هنا وواصل العمل! ".
أطلق "تشين بينغ آن " زفرة خفيفة وحثهم قائلاً "إن كان لديكم ما تقولونه ، فأوجزوا قدر الإمكان ".
مسح السائق وجهه بيده ثم زفر وقال بصوت منخفض "لقد اؤتمنت من قبل إمبراطورية "لي " العظمى على حماية هؤلاء الأطفال بروحي خلال رحلتهم إلى أكاديمية "جبل الجرف ". وبالطبع ، لن أنكر أنني مسؤول أيضاً عن ضمان عدم اختطافهم من قبل آخرين ، كأشخاص من دولة "سوي " العظمى أو أكاديمية "إطلالة البحيرة ".
"لا يهم إن كنت لا تفهم ما أتحدث عنه ، ولا يهم إن صدقتني أم لا. لا أهتم بما كانت عليه علاقتك بالسيد "تشي " ولا أهتم إن كنت تعرف "ما زهان " أم لا ، لكنني هنا لأخبرك بوجوب توخي الحذر في المستقبل القريب على الأقل ، لأن السيد "ما " قُتل أثناء رحلتنا إلى أكاديمية "جبل الجرف ".
"قبل وفاته ، ذكرك السيد "ما " أمامي في مناسبتين خلال أحاديثنا ، وفي إحداها أخبرني أنه بينما كان يكنس فناء المدرسة منذ زمن طويل كان يرى طفلاً يأتي ليجلس القرفصاء تحت نافذة المدرسة الصغيرصص على الدروس التي تُلقى.
"المرة الثانية كانت عندما تحدث عن أن السيد "تشي " قبل استقالته من منصبه كمعلم وكبير لأكاديمية "جبل الجرف " ذكر يوماً أن لديك إمكانات لتكون عالماً بارعاً ، وأنه من المؤسف أنه لم يستطع اصطحابك إلى الأكاديمية أيضاً ".
ظهرت ابتسامة ساخرة على وجه السائق وهو يتابع "أنا قلق الآن بشأن هؤلاء الأطفال. فقد انتقلت عشائرهم جميعاً إلى عاصمة إمبراطورية "لي " العظمى ، فلم يعد لديهم بيوت ليعودوا إليها ، والذهاب إلى الأكاديمية لم يعد خياراً متاحاً لهم.
"ليس بوسع أي كان الذهاب وتلقي التعليم في أكاديمية "جبل الجرف ". فعاصمة إمبراطورية "لي " العظمى يقطنها أكثر من مليون نسمة ، ومع ذلك وعلى مر السنين لم يخرج منها سوى بضعة عشر طالباً من الأكاديمية ، وجميعهم تقلدوا مناصب رفيعة ".
كان "لي هواي " يطأطئ رأسه ، مما جعل من المستحيل قراءة تعابير وجهه ، بينما ظل "دونغ شويجينغ " خالي التعبيرات تماماً.
فجأة ، تنحنحت "رون شيو " بلطف من بعيد ، وما إن التفت "تشين بينغ آن " إليها حتى ابتسمت له وأومأت برأسها.
بعد تلقي هذه الإشارة الخفية منها ، التفت "تشين بينغ آن " نحو الفتيين وقال "تعالا معي ، لدي شيء لأطلبه منكما ".
استجاب "لي هواي " على الفور وخطا نحو "تشين بينغ آن " جاراً "دونغ شويجينغ " خلفه.
عندما أدرك السائق أن أمراً ما ليس على ما يرام كان "تشين بينغ آن " قد سحب الفتيين خلفه ، ثم خطى خطوة للأمام وقال "شكراً لقدومك لإخباري بكل هذا.
"من الآن فصاعداً ، سأعتني بهؤلاء الأطفال بدلاً من السيد "ما ". وسواء توجهنا إلى العاصمة للقاء ذويهم أو فعلنا شيئاً آخر ، فسأستشيرهم أولاً فيما يرغبون في القيام به ".
ظهرت ابتسامة محرجة على وجه السائق وقال "لا أعتقد أن هذه فكرة سديدة يا "تشين بينغ آن ". أنا أقدر على حمايتهم أكثر مما تستطيع أنت ".
ابتسم "تشين بينغ آن " ورد "لا بأس. و أنا ثري الآن ، وأعرف الحاكم "وو يوان " والوزير الأيمن "دونغ هو " من وزارة الطقوس. و إذا حدث مكروه ، سأطلب عونهم. وبالطبع ، سأجعل السيد "رون " يوصل الرسالة إليهم بدلاً من الذهاب إليهم مباشرة ".
عقد السائق حاجبيه قليلاً عند سماع ذلك وفجأة ، لمح شخصية ذكورية بطرف عينه تقف تحت سقف منزل قريب.
كان السائق يفكر في أخذ زمام الأمور وتصفية "تشين بينغ آن " لكن رؤية "رون تشيونغ " جعلته يتصبب عرقاً على الفور فالتفت إلى "تشين بينغ آن " بابتسامة وقال "حسناً ، بما أن السيد "ما " كان مستعداً لمنحك ثقته ، فأنا بالتأكيد مستعد لفعل الشيء نفسه.
"إذا احتجت مني أي شيء مستقبلاً ، يمكنك العثور عليّ في زقاق "التلال الثلاثة " في الجزء الشمالي من البلدة. أسكن في المنزل الأقصى شمال الزقاق ".
رد "تشين بينغ آن " بابتسامة ودودة "سأفعل ذلك بالتأكيد " ثم استدار السائق وغادر.
بدأ العرق يتصبب على جبين "تشين بينغ آن " ولم يلتفت إلى الفتيين إلا بعد أن اختفى السائق تماماً عن الأنظار ، حيث قال "تعالا معي ، سآخذكما لرؤية "لي باوبينغ " ".
سأل "لي هواي " "هل أخبرتك "لي باوبينغ " بكل شيء بالفعل ؟ ".
أومأ "تشين بينغ آن " بالإيجاب.
سأل "دونغ شويجينغ " "وماذا سنفعل بشأن "شي تشونجيا " و "لين شوهي " ؟ ".
رد "تشين بينغ آن " مبتسماً "لقد تم إحضارهما إلى هنا بالفعل ".
نظر إليه "دونغ شويجينغ " والتزم الصمت.
في نفس غرفة الحدادة السابقة ، وقف "تشين بينغ آن " مقابل الأطفال الخمسة الذين كانوا يجلسون بجانب بعضهم على مقعدين طويلين. وبترتيب تنازلي حسب العمر كانوا "شي تشونجيا " و "لين شوهي " و "دونغ شويجينغ " و "لي باوبينغ " و "لي هواي ".
باستثناء "لي هواي " الذي كان الأصغر سناً بفارق ملحوظ كان الأربعة الآخرون متقاربين في العمر ببضعة أشهر فقط.
سأل "تشين بينغ آن " "أخبرني "لي هواي " و "دونغ شويجينغ " بالوضع. ما الذي يعتقد كل منكم أن السائق ينوي فعله ؟ ".
كان "لين شوهي " يفتقد معطف فرو الثعلب الخاص به ، لكنه احتفظ بتعبيراته الباردة كعادته وهو يهزأ قائلاً "نحن لا نعرف حتى لماذا قتل "تشوي مينغ هوانغ " السيد "ما " فكيف لنا أن نعرف أي شيء آخر ؟ ".
كانت "شي تشونجيا " تلتصق بشدة بكتف "لي باوبينغ " وكانت بشرتها لا تزال شاحبة من شدة القلق. ومع ذلك بعد عودتها إلى البلدة ، وخاصة بعد رؤية "تشين بينغ آن " الذي كان تألفه ، شعرت بقدر أكبر من الأمان والسكينة. و على الأقل لم تعد تخشى مواجهة المصير المروع الذي لاقاه السيد "ما ".
أثناء حفرهم قبراً لـ "ما زهان " كانت تختبئ بعيداً ، تبكي بحرقة رعباً وضيقاً دون أن تشارك بأي جهد. ولم يكن حال "لي هواي " بأفضل ، إذ اختبأ في مكان أبعد منها ، بينما كانت أسنانه تصطك من الخوف دون سيطرة.
في هذه اللحظة كان "لي هواي " يضم ذراعيه حول بطنه ويتمتم بتعابير بائسة "أنا جائع وعطشان. لا بد أن هذا هو شعور المجاعة. أمي ، أبي ، لو أنكما ترون كم يعاني ابنكما الآن ".
التفتت إليه "لي باوبينغ " وهي تزجره "اصمت! ".
تدلى رأس "لي هواي " أكثر ، وشدّ كم "دونغ شويجينغ " بخفاء وسأل "شويجينغ ، هل أنت جائع ؟ ".
رد "دونغ شويجينغ " بهدوء "يمكنني التظاهر بأنني لست جائعاً " مما دفع "لي هواي " إلى قلب عينيه سخريةً.
كانت "لي باوبينغ " تبدو أيضاً محبطة ، فراحت تشد إحدى ضفائر "شي تشونجيا " بلا مبالاة وتلوح بها بقوة. و قالت "كل شيء حالياً لغز بالنسبة لنا. "لين شوهي " محق ، نحن نواجه خصوماً أكثر دهاءً ومكراً منا ، وقد غُلِبنا على أمرنا تماماً.
"أولويتنا القصوى الآن هي ضمان بقائنا. وفقط بعد تأمين سلامتنا يمكننا التفكير في أمور أخرى ، كإبلاغ عائلاتنا في عاصمة إمبراطورية "لي " بأننا بخير ".
بمجرد أن ذكرت "لي باوبينغ " إبلاغ عائلاتهم ، التفت الأطفال جميعاً بشكل عفوي نحو "تشين بينغ آن ".
صمت "تشين بينغ آن " طويلاً ثم أعلن "إذا لم نستطع معرفة ما يفكر فيه خصومنا ، فلنتأكد على الأقل من أننا متفقون جميعاً على نفس الرأي ".
لم يبدِ أي من الأطفال اعتراضاً على ذلك فسأل "تشين بينغ آن " "هل تريدون الذهاب إلى العاصمة للعثور على عائلاتكم ، أم تريدون القيام بشيء آخر ؟ ".
ظهرت علامات الاستياء فوراً على وجه "لي هواي " وهو يصرخ "أفضل الموت على الذهاب إلى العاصمة! فوالداي وأختي يعيشون حياتهم في أفضل حال في مكان ما ، وبسبب شخصيات الجميع في عائلة عمي ، إذا كانوا أثرياء الآن ، فلن يزيدهم ذلك إلا تمادياً في مضايقتي أكثر من ذي قبل!
"كانوا يعتبرونني لصاً من قبل ، وربما سيرونني الآن عدواً لدوداً! العالم واسع جداً ، ومع ذلك لا يوجد مكان ألجأ إليه! ".
مدت "لي باوبينغ " يدها خلف "شي تشونجيا " وصفعت "لي هواي " بقوة على مؤخرة رأسه ، فسقط في صمت كئيب مجدداً.
بعد لحظة من التأمل ، أعلن "دونغ شويجينغ " "أريد مواصلة دراستي. لو كان والداي ما زالان في البلدة ، لساعدتهما في العمل بالحقول بدلاً من الذهاب للمدرسة ، لكن ماذا يمكنني أن أفعل لو ذهبت إلى العاصمة ؟ أنا لا أعرف حتى اللهجة الرسمية التي يتحدثون بها هناك ، ولست سريع التعلم مثل "لي باوبينغ ".
"علاوة على ذلك عندما توفي جدي ، أصر على أن أتلقى التعليم. وقال إنني إذا لم أصبح عالماً في المستقبل ، فلن يقبلني حفيداً له ، ولا يريد مني زيارة قبره. و إذا كانت المدرسة في البلدة ستستمر في العمل ، فسأبقى في البلدة ".
ترقرقت الدموع في عيني "شي تشونجيا " وهي تقول بصوت خجول "أريد الذهاب إلى العاصمة للعثور على والديَّ ".
أما "لين شوهي " فقد كان حاجباها معقودين بشدة وهو يقول "سأذهب إلى أي مكان آمن ".
شبكت "لي باوبينغ " ذراعيها ، وكانت عيناها تشعان ببريق طموحاتها وهي تعلن بصوت عالٍ "أريد الذهاب إلى أكاديمية "جبل الجرف " المكان الذي درس فيه السيد "تشي "! "
ثم نهضت واقفة ، منتصبة بين "تشين بينغ آن " والأطفال الأربعة الآخرين ، وأشارت إلى "دونغ شويجينغ " متابعةً "أكاديمية "جبل الجرف " الخاصة بالسيد "تشي " هي الأكاديمية الأكثر شهرة في قارة "القارورة الشرقية الثمينة " بأكملها ، ناهيك عن إمبراطورية "لي " العظمى.
"لو علم جدك أنك تفرط في فرصة الذهاب إلى أكاديمية "جبل الجرف " لتبقى وتدرس في البلدة ، لخرج من قبره ليضربك! بالطبع ، إذا كنت تخشى الموت ، فيمكنك البقاء والدراسة هنا. وبعد نحو 10 سنوات أو نحو ذلك يمكنك إعلان نفسك نصف عالم. أعتقد أن هذا أفضل دائماً من الموت في الطريق سعياً للتعليم في أكاديمية "جبل الجرف " ".
احمر وجه "دونغ شويجينغ " خجلاً على الفور.
ثم أشارت "لي باوبينغ " إلى "لين شوهي " وتابعت "ألا تتحدث دائماً عن كيف ينظر الجميع إليك بدونية لكونك ولداً غير شرعي ؟ وألا تنظر دائماً باستعلاء إلى أطفال الأغنياء الذين نشأوا في "شارع الثروة " مثلي ؟
"من ذا الذي سيجرؤ على النظر إليك بدونية بعد ذهابك إلى أكاديمية "جبل الجرف " ؟ ثم مرة أخرى ، السيد "تشي " محق في قوله إن الحكيم لا يخاطر بلا داع ، لذا إن أردت البقاء هنا ، فافعل ما يحلو لك ، فليس الأمر وكأنني أهتم ".
بمجرد أن وجهت "لي باوبينغ " إصبعها نحو "شي تشونجيا " انفجرت الأخيرة بالبكاء فوراً.
ظهرت على وجه "لي باوبينغ " علامات الإحباط والضيق ، ولم تكلف نفسها عناء قول أي شيء لـ "شي تشونجيا " قبل العودة إلى مقعدها.
التفت "لي هواي " إلى "لي باوبينغ " بتعبير محتار وسأل "لماذا لم تقولي شيئاً لي ؟ ".
ردت "لي باوبينغ " "لا أريد التحدث معك ".
بُهت "لي هواي " للحظة من هذا الرد ، ثم رفع رأسه إلى السماء بملامح يملؤها الكآبة والاستياء.
ركز "تشين بينغ آن " بصره على "لي باوبينغ " فقط ، متجاهلاً الأطفال الأربعة الآخرين وسأل "هل أنتِ متأكدة من رغبتك في الذهاب إلى أكاديمية "جبل الجرف " ؟ ".
أومأت "لي باوبينغ " "قال لنا السيد "تشي " ذات مرة إن أكاديمية "جبل الجرف " تمتلك أفضل مجموعة كتب في القارة بأكملها! وقال أيضاً إنه حتى لو كانت لدي بعض الأسئلة التي لا يستطيع هو الإجابة عنها ، فسأتمكن من العثور على كل الإجابات في تلك الكتب! ".
كان من الواضح أن "لي باوبينغ " مقتنعة بأنها أصبحت بالفعل طالبة في تلك الأكاديمية المرموقة.
سأل "تشين بينغ آن " "قد تكون رحلة شاقة جداً. ألا تشعرين بالخوف ؟ ".
خفت روح "لي باوبينغ " قليلاً عند سماع ذلك واعترفت "سأشعر ببعض الخوف لو كان عليَّ الذهاب بمفردي ".
أعلن "تشين بينغ آن " بابتسامة مشرقة "إذاً ، الأمر محسوم ".
سألت "لي باوبينغ " بتعبير محتار "ماذا تقصد ؟ ".
شرح "تشين بينغ آن " بجدية "سأذهب معكِ إلى أكاديمية "جبل الجرف " ".
كانت "لي باوبينغ " على وشك قول شيء رداً على ذلك لكن الكلمات توقفت في حلقها ، وبدأت الدموع تترقرق في عينيها. ولولا وجود الأطفال الأربعة الآخرين بجانبها ، لانفجرت بالبكاء.
تماماً مثل المرة الأولى التي اصطادت فيها ذلك السرطان من الجدول منذ زمن طويل كانت قد بكت في السر في الخارج ، وهذا هو السبب الذي جعلها قادرة على الحفاظ على واجهة فخورة ومنتصرة بعد العودة للمنزل.
أشار "تشين بينغ آن " لـ "لي باوبينغ " بالاقتراب ، وعندما وصلت إلى جانبه ، التفت إلى الأطفال الأربعة الآخرين الجالسين على المقاعد وقال "انتظروا هنا قليلاً. سأذهب أنا و "لي باوبينغ " للتحدث مع شخص ما ، والمسائل التي سنناقشها ستخصكم أنتم الأربعة أيضاً ، فلا تذهبوا إلى أي مكان ".
ثم أمسك بيد "لي باوبينغ " وقادها خارج غرفة الحدادة.
وبينما كان يفعل ذلك بدأ يتحدث إلى نفسه ، ولكن بدا وكأنه يتحدث إلى شخص آخر وهو يتمتم "أخبرتك أنك إذا قطعت وعداً ، فعليك الوفاء به ".
كانت "لي باوبينغ " تمسح الدموع عن عينيها وقالت "لكن في ذلك الوقت ، قلت أيضاً إنك إذا لم تستطع الوفاء بوعد ، فيمكنك فقط إخبار الشخص الذي قطعت الوعد له ".
هز "تشين بينغ آن " رأسه وأجاب بصوت رقيق "السيد "تشي " لم يعد معنا ، لذا لن يتمكن من سماع أي شيء أقوله له ".
————
بعد حوالي 15 دقيقة كان "تشين بينغ آن " و "لي باوبينغ " قد اختفيا في الأفق ، لكن "رون تشيونغ " كان ما زال جالساً على كرسي الخيزران الصغير ، ويبدو أنه لم يستعد وعيه بعد.
كانت "رون شيو " جالسة أيضاً على كرسي ، تنظر إلى كرسي الخيزران الفارغ بمشاعر معقدة لا حصر لها تجيش في قلبها.
كان "تشين بينغ آن " قد طلب للتو من "رون تشيونغ " مساعدته في شراء تلك الجبال الخمسة ، لكنه كان سيغادر البلدة قريباً. وإذا لم يستطع العودة ، فسوف يترك أربعة من الجبال الخمسة ، وهي "جبل القهر " و "جبل المخطوطات الثمين " و "جبل سحابة قوس قزح " و "جبل الأعشاب الخالدة " لكل من "ليو شيان يانغ " و "غو كان " و "نينغ ياو " و "رون شيو " على التوالي ، تاركاً لنفسه فقط "جبل الجوهرة الحقيقية " للسنوات الثلاثمئة القادمة.
أما عن متجر المعجنات ومتجر "البرسيم " فقد طلب من السيد "رون " توظيف أشخاص لرعاية المتجر بدلاً عنه ، ولم يكن يهمه إن اضطرت المتاجر للإغلاق بسبب سوء الإدارة.
ومع ذلك كان سيترك وراءه ما يقرب من 100 حصاة مرارة ثعبان عادية ليبيعها السيد "رون " وستذهب جميع العائدات للحفاظ على المتجرين قائمين. ولكن لم يكن مهتماً بما إذا كان المتجران يحققان أرباحاً أم لا إلا أنه أراد إبلاغ كل موظف في كلا المتجرين بأن المتجرين مملوكان لعائلة تحمل لقب "تشين " في "زقاق المزهرية الطينية ".
علاوة على ذلك فقد اؤتمن السيد "رون " على واجب أخذ الأطفال الأربعة بأمان إلى عاصمة إمبراطورية "لي " العظمى.
كمكافأة ، منح "تشين بينغ آن " السيد "رون تشيونغ " نصف لوح "منصة ذبح التنين " بالإضافة إلى كل ما تبقى من عملات الجوهر الذهبي النحاسية المتبقية بعد شرائه للجبال والمتاجر.
لم يرفض "رون تشيونغ ". ومع ذلك وعد فقط باصطحاب "تشين بينغ آن " و "لي باوبينغ " إلى الحدود الجنوبية لإمبراطورية "لي " العظمى. أما ما سيحدث لهما بعد عبورهما الحدود ، فسيكون مرهوناً بالقدر ، وقد وافق "تشين بينغ آن " على هذا الترتيب.
عند الغسق ، تأكد "تشين بينغ آن " من أن الأطفال الخمسة لديهم مكان للإقامة ، ثم شق طريقه نحو البلدة بمفرده.
عبر الجسر الحجري ودخل البلدة ، ثم عاد إلى منزله في "زقاق المزهرية الطينية ". بحلول ذلك الوقت كان الليل قد خيّم ، فأشعل مصباحاً بملامح هادئة.
وفي مواجهة شعلة المصباح ، ظل "تشين بينغ آن " مستيقظاً طوال الليل تماماً كما كان يفعل خلال مهرجان الربيع في كل عام لمراقبة مرور عام إلى العام التالي.
كانت الملامح الهادئة والحازمة على وجهه تضاء بوهج الشعلة المتراقصة.
————
على الجسر الحجري ، ابتسم أحدهم وسأل "غرفة مظلمة لألف عام ، وغرفة مضاءة بضوء واحد. ما رأيك يا كبير ؟ ".
أجاب شخص آخر "أقبل ".
————
بحلول الوقت الذي "استيقظ " فيه "تشين بينغ آن " وجد نفسه وجهاً لوجه مع تلك الشخصية الغامضة للمرة الرابعة.
كانت الشخصية تحوم في الهواء ، وكانت أكمامها البيضاء النقية تتأرجح برفق رغم غياب الرياح.
هبطت الشخصية برفق على الأرض قبل أن تشق طريقها نحو "تشين بينغ آن " ومع كل خطوة تخطوها كانت ملامح وجهها تصبح أكثر وضوحاً.
كانت الشخصية لا تزال طويلة ومهيبة ، ولكنها لم تكن سمينة أو خرقاء بأي حال من الأحوال ، واتضح أنها كانت امرأة.
في عيني "تشين بينغ آن " كانت جميلة للغاية ، لدرجة أنها كانت مثالية تماماً ، ولا مجال لأن تصبح أكثر جمالاً.
أخيراً توقفت وهي تقف أمام "تشين بينغ آن " وانحنت قليلاً ، مخفضة رأسها لتنظر إلى عيني "تشين بينغ آن " النظيفتين والنقيتين. ثم قالت بصوت رقيق "لقد كنت أنتظر منذ 8,000 عام. "تشين بينغ آن " قدرتك على الزراعة أدنى بكثير من قدرة معلمي السابق ، ولكن لا يهم ".
مالت أكثر ، لدرجة أن جبينها كاد يلامس جبين "تشين بينغ آن " وطلبت "تشين بينغ آن ، أريدك أن تنقل رسالة مني إلى العوالم الأربعة بالخارج. هل يمكنك فعل ذلك ؟ ".
أومأ "تشين بينغ آن " برأسه لا إرادياً ، فابتسمت المرأة وهي تهبط فجأة على ركبة واحدة.
ومع ذلك كانت لا تزال قادرة على النظر مباشرة إلى عيني "تشين بينغ آن " بمجرد رفع رأسها قليلاً.
"من هذا اليوم فصاعداً ، ستكون أنت "تشين بينغ آن " معلمي الثاني والأخير ".
نظر "تشين بينغ آن " بذهول.
كان جسد المرأة بأكمله يتوهج ببريق أبيض نقي ، وتضيقت عيناها قليلاً مع ابتسامتها وهي تجثو على ركبة واحدة نحو "تشين بينغ آن " المذهول. حيث كانت ملامحها متوهجة ، وبدت عيناها وكأنهما مليئتان بعالم من الضياء وهي تطلب بصوت مهيب "تشين بينغ آن ، هل يمكنك تلاوة قسم معي ؟ ".
مدت يدها نحو "تشين بينغ آن " وهي تتحدث ، رافعة إياها عمودياً ، ومد "تشين بينغ آن " يده أيضاً ليضغط بكفه برفق على كفها.
أغمضت عينيها وهي تتلو "حتى لو انهار "الداو " السماوي ، فأنا "تشين بينغ آن " أمتلك سيفاً واحداً قادراً على تحريك الجبال ، وشق الأنهار ، وتأجيج البحار ، وترويض الشياطين ، وإخضاع الأبالسة ، وقتل الآلهة ، وخرق النجوم ، وتدمير المدن ، وفتح السماوات! ".
تلا "تشين بينغ آن " معها في قلبه "حتى لو انهار "الداو " السماوي ، فأنا "تشين بينغ آن " أمتلك سيفاً واحداً قادراً على تحريك الجبال ، وشق الأنهار ، وتأجيج البحار ، وترويض الشياطين ، وإخضاع الأبالسة ، وقتل الآلهة ، وخرق النجوم ، وتدمير المدن ، وفتح السماوات! ".