الفصل 487: في جوف الجدارية
واصل العجوز الملاح توجيه قاربه بمرود من الخيزران ، جاعلاً إياه يندفع سريعاً مع التيار كسمكةٍ لقفةٍ في الماء. حيث كان هذا الماء يبدو معتماً وكدراً في أعين البشر العاديين ، لكن العجوز الملاح كان يرى ما وراءه بوضوح ، فجوهر حظ الماء المتلألئ كان مشهداً يسر الناظرين.
بين الحين والآخر كانت الأشباح الوحيدة تسبح بجانبه في هذا النهر المؤدي إلى معبد إله النهر ، وما إن تقع أعينها على العجوز الملاح حتى تجثو على ركبها وتنحني إجلالاً. حيث كان لنهر "سوايينج " حظٌ وافر من الماء ، وبفضل عدم استئثار إله النهر بمعظم هذا الحظ ، وسماحه له بالتدفق إلى معبد الإله عوضاً عن ذلك فإن الذين غرقوا وتحولوا إلى أشباح هناك كانوا أقل عرضة لفقدان صوابهم والانحدار إلى مرتبة الأشباح الشريرة ؛ ولذا كان يُنظر إلى هذا الفعل كعملٍ فاضلٍ من إله النهر.
على أن معبد إله النهر في "سوايينج " كان يدفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك تمثل في بطء تغذية جوهر البخور. ومع تراكم جوهر البخور بمرور الوقت كان لا مفر من فقدان جزءٍ كبيرٍ نسبياً منه كان ينبغي استخدامه لتشكيل جسده الإلهيّ وصقله. وفي نظر آلهة الأنهار الآخرين كان إله نهر "سوايينج " يبدو أقرب إلى مختل العقل.
لم يكن إله النهر هذا مزارعاً (المتدرب) ، بل كان يقتات على قرابين البخور من العالم الفاني. والأهم من ذلك أن نهر "سوايينج " لم يعترف سوى بـ "سكيليتون شول " كأساسٍ له ، ولم يكن مدرجاً في سجلات الأنساب لأي إمبراطورية بشرية. وبسبب هذا كان لدى الأباطرة وحكام الأقاليم الواقعة عند منبع النهر مواقف غريبة تجاه معبد إله النهر القائم خارج نطاق سلطتهم ؛ فهم لم يعترفوا به ولم يحظروه ، كما أن الممرات المحاذية للنهر لم تمنع مواطنيها المسافرين جنوباً من تقديم البخور في المعبد ، لكنهم لم يشجعوا ذلك أيضاً.
لهذه الأسباب كان "شوي يويانشنغ " إله معبدٍ غير شرعي لا ينتمي إلى هيكل الإتيكيت الرسمي لأي قارة. ومع ذلك هل كان يسعى عبثاً وراء تلك الفضيلة الخفية بعيدة المنال ؟ وهل كان بوسعه الاحتفاظ بأيٍ منها ؟ كان يعمل جاهداً لمنفعة الآخرين ، فأي جدوى من ذلك ؟
كانت الاستحقاقات والفضائل أكثر أمور العالم غموضاً ، بينما كان الاعتراف في سجلات أنساب الإمبراطوريات البشرية يجعل الأمور واضحة ومكشوفة. فما دامت الجبال والأنهار مستقرة ، ووزارة الطقوس قائمة على نحوٍ سليم ، فإن الآلهة تنال مكافآتها المستحقة بعد كل دورة تقييم ؛ مما يجنبها العديد من الآثار الجانبية السلبية ، كما أن البلاط الإمبراطوري لأي أمة يساعد الآلهة -بلا شكلٍ محدد- على مقاومة الكثير من الكارما السيئة والقضاء عليها. تلك كانت ميزة الحصول على تعويضٍ بغض النظر عن سير الأمور. أما بدون هذا الدعم والمكانة ، فكان التنبؤ بالأمور أصعب بكثير. فبمجرد نجاح شخصٍ ما في صلواته ، من يضمن ألا يؤدي ذلك إلى شبكة معقدة من التبعات الكارمية ؟
كانت المرأة الإلهية التي خرجت من جداريةٍ جدارية تبدو في حالة من التجهم. حيث كان هذا الأمر يتعلق بـ "داو " العظيم الخاص بهم ، لذا لم يكن من اللائق بالعجوز الملاح أن يسهب في الحديث عن جارته القديمة ، المرأة الإلهية ؛ فمواساتها في تلك اللحظة قد تكون أشبه بذر الملح على الجراح.
كانت هناك ثماني لوحات جدارية لمسؤولات سماويات في "مدينة الجداريات " وقد وُجدت هذه اللوحات منذ أمدٍ بعيد ، ولها تاريخٌ أطول من "طائفة الرداء الكتاني " نفسها. و لقد تكبد أسلاف الطائفة مشاقاً جسيمة للترحال عبر القارات والوصول إلى "قارة القصب الشمالية الكاملة " في الماضي ، واختاروا تأسيس طائفتهم في أقصى جنوب القارة بدافع الضرورة لا الاختيار. و لقد أساءت الطائفة إلى العديد من خالدِي السيف المستبدين في المناطق الشمالية آنذاك ، لذا لم يتمكنوا من الاستقرار هناك ، واختاروا المنطقة الجنوبية عوضاً عن ذلك. حيث كان هذا أحد الأسباب ، أما الجداريات القديمة الغامضة التي اكتشفوها فقد كانت سبباً رئيساً آخر ، ولأجل هذا السبب الأخير ، اعتبروا "سكيليتون شول " منطقة ذات "فينغ شوي " مذهل.
ومع ذلك ظلت المصاعب والتحديات التي واجهت تأسيس الطائفة خفية عن الآخرين. و لقد شهد العجوز الملاح نمو "طائفة الرداء الكتاني " تدريجياً ، ومجرد التعامل مع جنود "اليين " وقادتهم الذين كانوا يحكمون ساحات المعارك القديمة كلف الطائفة ما لا يقل عن عشرين من "خالدي الأرض " بل وفقدوا اثنين من أقوى مزارعي "درجة اليشم غير المصقول ". ويمكن القول إنه لولا دفع القوى الأخرى لهم ، لكان بإمكانهم تأسيس طائفتهم في المنطقة الوسطى من القارة ، ولو حدث ذلك لربما صعدت الطائفة لتصبح واحدة من أكبر خمس طوائف في القارة ، وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن الطائفة لم تُنتج قط أي خالد سيف ، ولم تستدعِ أياً منهم ليكون شيخاً ضيفاً لديهم.
في الواقع كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها العجوز الملاح الهيئة الحقيقية للمرأة الإلهية. و من بين المسؤولات الثماني كانت "مسؤولة الربيع " قادرة على الترحال أثناء أحلامها تماماً كما يستطيع المزارعون الأقوياء الترحال باستخدام أرواح "اليين " الخاصة بهم ، وكانت تستطيع تجاهل العديد من القيود ، مما سمح لها بإجراء محادثات مؤقتة مع مزارعي العالم.
لقد زارت "مسؤولة الربيع " معبد إله نهر "سوايينج " في الماضي ، لكنها لم تلبث طويلاً قبل أن تختار شخصاً أعجبها لتخدمه تماماً كما فعلت "حاملة المصباح " و "المساحة ". قبل مغادرة "سكيليتون شول " قطعت هي والعجوز الملاح عهداً سرياً يقضي بأن يضع الأخير تجربة رمزية لها ولرفاقها ، وفي المقابل ، وافقت النساء من الجداريات على إنقاذه من الخطر ثلاث مرات.
بعد ذلك غادرت "القمة الثمينة " و "جانوديرما " الجدارية الواحدة تلو الأخرى ، ثم دخلت ثلاثٌ من الجداريات في سباتٍ دام خمسمائة عامٍ كاملة. خلال ذلك الوقت كان نهر "سوايينج " قد استنفد فرصتين من فرص المساعدة الثلاث المتاحة له ، متجاوزاً تحدياتٍ كبيرة بفضلهما. ونتيجة لذلك كان العجوز الملاح مهتماً جداً بهذا الأمر ، آملاً في أن تلوح فرصة جديدة مقدرة لإنسانٍ أو مزارع ، وسيكون سعيداً جداً برؤية ذلك.
مرت ألف عام ، تغيرت فيها الأمور باستمرار. و من بين المسؤولات السماويات الخمس اللاتي غادرن جدارياتهن ، قُتلت واحدة في معركة من أجل سيدها ، واختارت اثنتان الموت مع سيدهما. ولم يبقَ سوى "المساحة " المعروفة في العالم الفاني بـ "الخالدة قصبة " إلى جانب "مسؤولة الربيع " التي اختفت لسببٍ مجهول. حيث كانت "المساحة " قد اختارت خدمة باحثٍ فقير أصبح لاحقاً مزارعاً من "درجة الخلود " يقف عند قمة جبل في إحدى القارات. حيث كان العديد من مزارعي السيف قد تجمعوا للسفر بعيداً إلى "جبل الهوابط " وكانت "المساحة " واحدة من المزارعين القلائل الذين لم يكونوا مزارعي سيف.
كانت "المساحة " تسافر على متن قارب العجوز الملاح الآن ، لكن لم يرافقها الغزال ذو الألوان السبعة الذي كان مصوراً في جداريتها و ربما كان هذا هو السبب في أن الجدارية لم تفقد ألوانها بعد ، وإلا لكان على العجوز الملاح أن يتشارك الإحراج مع المسؤولة السماوية.
بعد انتظار طويل ومكابدة مشقة لاختيار "السيدٍ " تعيش وتموت معه ، تبين أن الشخص المختار كان ضعيف الحكم وفشل في اجتياز أبسط الاختبارات ، بل ولم يكتفِ بذلك بل استدار وهرب مباشرة. وإذا تحولت اللوحة الجدارية في "مدينة الجداريات " إلى مجرد خطوطٍ باهتة ، أفلم تصبح هذه المسؤولة السماوية بلا مأوى تعود إليه ؟ وكيف ستختلف عن أشباح الغرقى في نهر "سوايينج " أو الأرواح الهائمة في "سكيليتون شول " و "وادى الأشباح الشريرة " ؟
أما عن الأصل الحقيقي وخلفية هؤلاء المسؤولات السماويات الثماني ، فكان العجوز الملاح يجهل ذلك تماماً رغم كونه إله نهر "سوايينج ". وإذا لم تكن هناك مفاجآت غير متوقعة ، فإن مزارعي "طائفة الرداء الكتاني " يعرفون أيضاً القليل جداً عن هؤلاء المسؤولات ؛ بل إن الأسلاف الثلاثة القدامى للطائفة لا يعرفون على الأرجح سوى مقتطفاتٍ عنهن.
كان أغرب ما في الأمر أن "مسؤولة الربيع " قد انخرطت في لقاء سري لكن صريح مع العجوز الملاح آنذاك ، كاشفةً أن الثماني منهن قد فقدن ذكرياتهن أيضاً. و لقد غرقن في سباتٍ طال أمده حتى أسس مزارعو "طائفة الرداء الكتاني " طائفتهم الجديدة وأثروا على المصفوفات في المنطقة ، مما جعلهن يستيقظن أخيراً.
بدت الجداريات الثماني موزعة بانتظام حول "مدينة الجداريات " لكنها في الواقع كانت مرتبطة ببعضها ككيانٍ واحد. ووفقاً لمزارعٍ من الماضي كان هذا المكان في الحقيقة "عالماً غامضاً " محطماً. و علاوة على ذلك حاولت المسؤولات السماويات معرفة أصولهن وخلفياتهن من خلال مراقبة الهياكل والنباتات والكتب والمواد المتبقية في المنطقة. ولكن لسوء الحظ ، بدا أن هناك هوة لا يمكن عبورها أمامهن ، حيث ظلت كل الأمور غامضة وغير قابلة للحل.
لم يستطع العجوز الملاح إلا أن يطلق زفرة طويلة وهو يقترب من معبد إله النهر. وتنهدت المسؤولة السماوية الواقفة في الطرف الآخر من القارب تنهيدةً خافتة. حيث كانت تنهيدتها مؤلمة ومأساوية ، لكنها كانت عذبة وممتعة للأذن كصوت أثيري ليس له وجود في العالم الفاني.
لم يستطع العجوز الملاح إلا أن يتمتم في سره غاضباً من ذلك الشاب المبتدئ. ما الذي كان يدور في عقله يا ترى ؟ لقد بدا هذا الشاب ذكياً وحاد الذهن عندما راقبه العجوز الملاح سراً من قبل ، وكان شخصاً يلتزم بالقواعد ولا يبدو بخيلاً. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا بدأ يتصرف بحماقة فجأة عندما حلت عليه فرصة مقدرة عظيمة ؟ ربما كان من سوء قدره ألا ينال هذه الفرصة ، فلم يستطع اقتناصها حتى وهي بين يديه ؟ لكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً! فمجرد أن المسؤولة السماوية قد أعجبت به وقررت مغادرة الجدارية بجسدها المبجل يعني الكثير.
التفتت المسؤولة السماوية ونظرت إلى العجوز الملاح قائلة "هل كان المزارع الواقف على ضفة النهر آنفاً أحد الأسلاف الثلاثة القدامى لطائفة الرداء الكتاني ؟ ". هز العجوز الملاح رأسه وأجاب "أنا على دراية بجميع الأسلاف الثلاثة من الجبال ، وهم أفرادٌ فخورون يكرهون استخدام تقنيات الوهم حتى عندما يغادرون الجبال ويظهرون أمام الآخرين ".
تأملت المسؤولة السماوية للحظة قبل أن تقول "بمراقبة تصرفاته ، تذكرت شخصاً اهتمت به إحدى أخواتي آنذاك. حيث كان مزارعاً شاباً من 'درجة الجوهر الذهبي ' من أمة أخرى ، وكادت أختي أن تتخذ قراراً بخدمته. ومع ذلك كان هذا الشخص قاسي القلب للغاية ، لذا ورغم أن اتباع خطاه لن يؤدي إلى أي مشقة أو إحباط إلا أن الأمور كانت ستصبح مملة للغاية بالنسبة لها ".
تعثر العجوز الملاح للحظة قبل أن يسأل عن الفترة الزمنية التقريبية التي حدث فيها ذلك. وبعد تلقي الرد ، بدأ العجوز الملاح يشعر بصداعٍ خفيف ، متمتماً لنفسه "لا يمكن أن يكون ذلك المنحرف الذي يحمل لقب 'جيانغ ' ، أليس كذلك ؟ ذلك الشخص هو رمزٌ للشر ".
أومأت المسؤولة السماوية بشكلٍ غير متوقع وأجابت "لقبه يبدو بالفعل جيانغ. حيث كان الشاب جريئاً جداً ، حيث إنه حتى لو لم تهتم به أي منا في المستقبل ، فإنه سيأخذ الجداريات الثماني جميعها ويعرضها بشكل جيد بغض النظر عما إذا كان في المنزل أم لا. وسيكون بمقدوره الأكل والشرب أمام الجداريات كل يوم. حيث كان حديثه تافهاً ، لكن قلبه كان استثنائياً حقاً ".
سأل العجوز الملاح بحيرة "كان هذا الشخص فاسقاً تعددت علاقاته آنذاك ، فكيف يمكن وصفه بأنه قاسي القلب وممل ؟ ". هزت المسؤولة السماوية رأسها وأجابت "نحن ننظر مباشرة إلى قلب الشخص وطباعه عندما نراقبه. وهذا يختلف اختلافاً كلياً عن طريقة المزارعين في المراقبة ، ويبدو أنه يختلف كثيراً عن طرق آلهة الجبال وآلهة الأنهار أيضاً. و هذه قدرة غامضة نولد بها ، ونشعر في الواقع أن هذا ليس جيداً بالضرورة. إن تسليط نظراتنا على الآخرين يجعلنا نرى مساحات شاسعة من الغموض والأفكار القذرة ؛ هناك جحور تجتاحها الثعابين والعقارب ، وأجساد متشابكة لكائنات مغرية برؤوس بشرية وأجساد شيطانية ، وكل أنواع المشاهد الأخرى المثيرة للاشمئزاز ".
"ونتيجة لذلك غالباً ما ندخل في سباتٍ متعمد ، لنحرر أنفسنا من الإحباط والضيق بعدم مشاهدة هذه الأشياء في المقام الأول. وإذا استيقظنا فجأة يوماً ما ، ندرك تقريباً أن فرصة مقدرة قد وصلت ، عندها فقط نفتح أعيننا وننظر حولنا ".
تنهد العجوز الملاح إعجاباً وقال "هناك كل أنواع القدرات الغامضة والمذهلة في العوالم التي لا تعد ولا تحصى ".
فجأة ، استدارت "المساحة " المسؤولة السماوية التي كانت تمتطي الغزال ذو الألوان السبعة في جداريتها ، لتنظر نحو "مدينة الجداريات " وعيناها تضيقان ببرود قائلة "هذا اللقيط يجرؤ على اقتحام المسكن دون إذن ؟! ". كان العجوز الملاح بلا أي تعبير ، وفكر في نفسه أنه لا حاجة للتكهن ، فبلا شك أن المتسلل هو سيئ السمعة "جيانغ شانغ تشين ".
في "مدينة الجداريات " انطفأت فجأة مجموعة ضخمة من الفوانيس المصنوعة بأساليب سرية من الجبال في وقت واحد. حيث كان ينبغي لهذه الفوانيس أن تظل متوهجة لفترات طويلة ، ولا تحتاج إلى تغيير إلا مرة كل مائة عام ، لذا أثار فشلها المفاجئ والمبكر بطبيعة الحال الذعر والخوف بين أولئك الموجودين في المدينة.
إذا اشتبك مزارعون أقوياء في المدينة وألحقوا الضرر بأساس تشكيل الجبل والماء الخاص بطائفة الرداء الكتاني ، فإن العواقب ستكون لا يمكن تصورها بمجرد انهيار "مدينة الجداريات ". وعلى هذا النحو ، ارتفع العديد من التلاميذ المباشرين من قاعة أسلاف الطائفة المسؤولين عن رعاية الجداريات الثلاث إلى السماء ، ونظروا نحو مصدر الضجة ، محاولين تحديد هوية الجاني. فبمجرد تأكدهم من أن مزارعاً ما يحاول إلحاق الضرر بالمدينة واغتنام الفرصة لسرقة جدارية ، سيكون لديهم السلطة لمعاقبة الجاني على الفور وتنفيذ حكم الإعدام فيه أولاً ثم الإبلاغ عن الأمر لاحقاً.
بينما كان أحد مزارعي الحراسة من الطائفة مشتتاً وينظر بعيداً ، تسلقت خصلة من الدخان الأزرق جداراً بالقرب من إحدى الجداريات ، منزلقةً كالثعبان قبل أن تندفع فوراً وتدخل الجدارية. وباستخدام تقنية غير معروفة ، حطم المتسلل القيد الخالد على الجدارية واختفى في لمح البصر ، بحركة رقيقة كقطرة مطر في بحيرة.
ومع ذلك ظل مزارع "خالد الأرض " القريب من الطائفة يعقد حاجبيه وينظر إلى الوراء. لم يلاحظ أي شيء مريب ، لكنه ظل قلقاً بعض الشيء. وهكذا ، اعتذر للمسؤولة السماوية في الجدارية قبل أن يطير على الريح ويتوقف على بُعد ثلاثة أمتار أمام الجدارية ، مستحضراً قدرة غامضة خاصة بالطائفة جاعلاً عينيه تكتسيان بظلالٍ ذهبية خفيفة. فحص الجدارية بالكامل ، خشية أن تفوته أي خيوط صغيرة. و لكنه لم يكتشف أي شيء غير عادي حتى بعد النظر إلى الجدارية مرتين.
كانت هذه واحدة من الجداريات القديمة الثلاث المتبقية في المدينة التي لم تمنح فرصتها المقدرة بعد ، وكانت هذه الجدارية تحديداً مهمة جداً حتى بين الجداريات الثماني. ففي السجلات السرية للطائفة كانت المسؤولة السماوية المصورة في هذه الجدارية تمتطي غزالاً ذا ألوان سبعة وتحمل سيفاً خشبياً على ظهرها ، نُقش على أحد جوانبه الحروف "الرياح المباركة ".
كانت تتمتع بمكانة نبيلة ، واحتلت المرتبة الثانية بين المسؤولات السماويات الثماني. ومع ذلك كانت أهميتها تفوق أهمية المسؤولة السماوية المعروفة في العالم الفاني بـ "الخالدة قصبة " والمعروفة لدى الطائفة بـ "المساحة ". ولهذا السبب عهدت الطائفة إلى مزارع من "درجة الجوهر الذهبي " لديه آمال في التقدم إلى "الطبقات الخمس العليا " بمهمة حراسة هذه الجدارية.
فشل المزارع متوسط العمر في اكتشاف أي إجابات ، لكنه لم يجرؤ على التخلي عن حذره. وبعد التردد للحظة ، نظر نحو المتجر الواقع بالقرب من جدارية "فلاش " مستخدماً صوت عقله ليخبر الشاب بالعودة فوراً إلى جبل أسلاف الطائفة وإبلاغ قاعة الأسلاف أن شيئاً ما قد حدث بالقرب من جدارية المسؤولة السماوية ممتطية الغزال. حيث كان من الضروري أن يأتي أحد الأسلاف القدامى إلى هنا لفحص الموقف شخصياً.
وعلى الرغم من أن الشاب كان بطيئاً ومتبلداً عند مغادرة الجبال لمساعدة حبيبته في طفولته على إدارة متجرها إلا أن عقله وقلبه كانا مستقرين للغاية عندما تعامل مع الأمور الكبرى. و خرج من المتجر بتعبير جاد ، وشكل ختم يد بأصابعه قبل أن يضرب الأرض بخفة. فظهر سيد جبل ينتمي إلى ولاية الطائفة فوراً من الأرض ، وكانت هذه السيدة الجبلية بشكل مفاجئ فتاة شابة نحيلة وجميلة تبلغ من العمر حوالي ثلاثة عشر عاماً.
رفعت سيدة الجبل ذراعيها عالياً في الهواء ، رافعةً سيفاً قديماً بلا غمدٍ ينضح بهيبة "تشي السيف ". ومع ذلك ومنذ لحظة مغادرتها لقصر أرض جذر جبل الطائفة الواقع عميقاً تحت الأرض وحتى لحظة ظهورها بالسيف وتقديمه باحترام كانت سيدة الجبل التي بدت شابة وجميلة قد استخدمت تقنية وهم ، مما منع من هم تحت مستوى "خالد الأرض " من رؤيتها. حيث كان السيف القديم بلا غمد سيفاً يحتاج إلى شحذه تحت الأرض طوال العام.
عبر الشاب عن امتنانه وأمسك بإصبعه السبابة والوسطى معاً ، ومررهما بخفة على السيف القديم مما جعله يرن قبل أن ينطلق إلى السماء. صعد الشاب على السيف ، وكان طرف السيف يشير بشكل مفاجئ إلى الأعلى مباشرة نحو السماء فوق المدينة وهو يصعد بسرعة. لم تستطع الأرض الكثيفة التي عززتها تشكيلات الجبال والمياه إعاقة الشاب وسيفه ، حيث انطلقا في السماء واخترقا بحر السحب الذي كان يشبه حزاماً من اليشم الأبيض حول قاعة الأسلاف ، في حركة واحدة سريعة وهما يطيران نحو القاعة.
هبط المزارع متوسط العمر على الأرض وابتسم وهو يمسح لحيته. ورغم أن هذا المبتدئ كان من فرع مختلف في قاعة الأسلاف إلا أن الجميع في الطائفة كانوا يقدرونه ويحبونه. حيث كانت هناك العديد من القواعد المتزمتة في "طائفة الرداء الكتاني " وبصرف النظر عن قلة من الأشخاص كان على جميع المزارعين المتبقين النزول إلى الأرض وصعود الجبل سيراً على الأقدام بمجرد وصولهم إلى "جناح تعليق السيف " الواقع في خصر الجبل. وكان عليهم الالتزام بهذه القاعدة حتى لو كانت السماوات على وشك الانهيار.
ومع ذلك كان هذا الشاب الذي اعترف به السيف شبه السماوي كـ "السيده " منذ صغر سنه أحد الاستثناءات. فلم يكن الأمر أن المزارع متوسط العمر لا يستطيع استخدام سيف طائر مرسال لإبلاغ قاعة الأسلاف بالموقف ، لكن كانت هناك العديد من العلاقات الخفية والمعقدة في الطائفة و ربما كان الشاب يجهل هذه الأمور تماماً ، لكن هذا كان أيضاً الشيء الغامض في الزراعة في الجبال: المعرفة دون معرفة. و إذا كشف الغرباء هذا ، فقد يبدو المرء فاهماً للموقف ، لكنه في الواقع سيفقد الفرصة المقدرة التي وقعت بالفعل بين يديه.
وعلى هذا النحو كان من الأفضل للشاب إبلاغ قاعة الأسلاف بهذا الأمر ، مما يسمح له بتحمل المزيد من المصير الكارمي. قد لا ينجح هذا بالضرورة ، لكنه على الأقل لن يكون أمراً سيئاً. ورغم أن "طائفة الرداء الكتاني " كانت كريمة للغاية ، سامحةً للغرباء بجمع الفرص المقدرة من الجداريات الثماني في المدينة إلا أن هذا الشاب كان لديه أفضل فرصة لأي تلميذ منذ تأسيس الطائفة للحصول على فرصة مقدرة من "الداو العظيم " من إحدى الجداريات بنفسه.
عند بناء تشكيل الطائفة آنذاك ، استخدمت الطائفة مئات الدمى القوية لفتح الجبال بالإضافة إلى عشرات القردة المحركة للجبال وكلاب تحريك الجبال ، حافرةً أكثر من خمسة كيلومترات في عمق "مدينة الجداريات " بأكملها. ومع ذلك فشل العديد من المزارعين العظماء الذين الجائزة هيم في سجلات أسلاف الطائفة في العثور على السيف القديم الذي تركه مؤسس الطائفة. وفي الوقت نفسه ، قيل إن هذه الأداة شبه السماوية لها روابط عديدة بالمسؤولة السماوية ممتطية الغزال. وهكذا كانت الفرصة المقدرة لهذه الجدارية تحديداً واحدة من تلك التي ستقاتل الطائفة من أجلها. فرفض بركة من السماوات يعني طلب العقاب الإلهيّ.
طار الشاب فوق بحر السحب على سيفه ، متجهاً مباشرة إلى قاعة الأسلاف. و من بين الأسلاف الثلاثة القدامى للطائفة كان أحدهم يمارس الزراعة في عزلة ، وكان الثاني متمركزاً في "وادى الأشباح الشريرة " ويواصل توسيع أراضيه. أما السلف القديم الأخير فكان مسؤولاً عن حماية الطائفة ، ووقف عند مدخل قاعة الأسلاف في هذه اللحظة وسأل بابتسامة "ما العجلة يا لانكسي ؟ هل حدث خطأ ما في مدينة الجداريات ؟ ".
أمسك الشاب بالأداة شبه السماوية في يده وكرر كلمات أخيه الأكبر من "درجة الجوهر الذهبي " للسلف القديم. عقد السلف القديم حاجبيه وسأل "المشكلة في جدارية المسؤولة السماوية ممتطية الغزال ؟ ". أومأ لانكسي تأكيداً. أمسك السلف القديم بكتف لانكسي ، مقصراً الجبال والمياه إلى بوصة واحدة بينما وصل فوراً إلى المدينة. ثم أخذ لانكسي عائداً إلى المتجر قبل أن يمشي إلى الجدارية بمفرده ، بتعبير جاد على وجهه. و في هذه اللحظة فقط أدرك مزارع "درجة الجوهر الذهبي " أن الأمر كان أخطر بكثير مما كان يتخيل.
ابتسم السلف القديم ببرود وتأمل "يا له من أمرٍ مثير للإعجاب. و هذا الشخص تمكن من خرق القيود بهدوء واقتحام العالم الغامض ". تغير تعبير مزارع "درجة الجوهر الذهبي " قليلاً. لوح السلف القديم بيده وقال "احذر من أن يكون هذا مخططاً لصرف انتباهنا عن مكانٍ أكثر أهمية. اذهب واحمهِ (يقصد لانكسي). لا داعي لأن تكون متوتراً للغاية ، فهذه أرضنا في نهاية المطاف. أحتاج إلى القيام برحلة عودة إلى قاعة الأسلاف حتى أتمكن من الالتزام بالقواعد وحرق البخور وطرق الباب ". أومأ مزارع "درجة الجوهر الذهبي " وذهب إلى المتجر.
في المتجر... "ما الذي يحدث ؟ " سألت الشابة بهدوء. أجاب لانكسي بابتسامة "زرت قاعة الأسلاف للتو ". دخل مزارع "درجة الجوهر الذهبي " متوسط العمر إلى المتجر ، مما جعل لانكسي يسأل بحيرة "ما الذي أتى بك إلى هنا ، أخي الأكبر يانغ ؟ ". أجاب المزارع متوسط العمر بابتسامة "أنا فقط ألقي نظرة حول المكان ".
كان الاسم الكامل للانتسي هو "بانغ لانكسي " وكان الأخ الأصغر للمزارع متوسط العمر وكان ما زال في "درجة المسكن " فقط. حيث كان جد بانغ لانكسي شيخاً ضيفاً في الطائفة ، وكان رسام كل كتب صور المسؤولات السماويات في المتجر. حيث كان بانغ لانكسي موهوباً بشكل استثنائي ، وكان أعظم خالد سيف ظهر في الطائفة على الإطلاق. و في الواقع كان هو التلميذ الأول والوحيد لأحد الأسلاف الثلاثة القدامى ، وكان سبب هذه الغرابة هو أن السلف القديم من "درجة اليشم غير المصقول " الذي كان يُعتبر على نطاق واسع من بين أكثر عشرة مزارعين تدميراً في المناطق الجنوبية من القارة ، قد أقسم ذات مرة في قاعة الأسلاف أنه لن يتخذ سوى تلميذٍ واحد في حياته.
مع أخذ ذلك في الاعتبار كان ينبغي أن يكون الأمر مناسبة سعيدة للاحتفال عندما اتخذ السلف القديم الصبي الصغير ، بانغ لانكسي ، تلميذاً له آنذاك. ومع ذلك أخبر السلف القديم غريب الأطوار الطائفة ألا تثير ضجة كبيرة حول الأمر ، قائلاً شيئاً كان صادقاً جداً مع مزاجه الغريب "لا داعي للاحتفال الآن ، ويمكننا إرسال دعوات للحفل عندما يتقدم تلميذي إلى 'درجة الجوهر الذهبي '. على أي حال لن يستغرق ذلك سنوات طويلة ". نظر المزارع متوسط العمر إلى بانغ لانكسي الخالي من الهموم وابتسم بمرارة في عقله. حيث كانت هذه لحظة حرجة لـ "داو " أخيه الأصغر.
داخل عالم غامض بدا أشبه بقصر خالد ، ظهر رجل متوسط العمر فجأة وتعثر إلى الأمام ، وبعد ذلك نفض الغبار عن كُمَّيه وضحك "لقد تحققت أمنيتي أخيراً ، وأنا أخيراً قادر على إلقاء نظرة على الجمال الفريد لهؤلاء الأخوات الخالدات. مهلاً ، هل يوجد أي شخص هنا ؟ " صاح برفق.
تجول ببطء إلى الأمام ، ناظراً حوله ومستمتعاً بالمناظر الأثيرية بينما كان يفعل ذلك. ومع ذلك رفع فجأة يداً وغطى عينيه ، متمتماً "هذه هي الغرفة الخاصة للأخوات الخالدات ، لذا لا ينبغي لي أن أنظر حولي وأرى أشياء لا ينبغي لي رؤيتها ".
إلى الشمال من "سكيليتون شول " غادرت راهبة "داو " شابة طائفتها التي كانت قد بدأت للتو في اتخاذ شكلها. وبصفتها أصغر زعيمة طائفة لقوة خالدة في تاريخ القارة ، سافرت بمفردها على متن سفينة خالدة كان قد أهداها لها أخيها الأكبر "السيد السماوي " متجهةً بسرعة نحو الجنوب. حيث كان "قارب إيريس المتدفق " كنزاً خالداً فائقاً كان أسرع حتى من السفن العابرة للقارات ، وكان بإمكانه القفز بشكل مدهش بين سحابتين قزحيتين تقعان على بُعد مئات الآلاف من الكيلومترات تماماً كما يمكن للمزارعين استخدام تقنيات "تقصير الأرض ". كان طيرانهم صامتاً وسريعاً.
وفي الوقت نفسه ، على حدود "سكيليتون شول " و "وادى الأشباح الشريرة " زار المبارز الشاب الذي يرتدي قبعة من الخيزران متجراً يديره مزارع يحرس المنطقة ، واشترى كتاباً سميكاً وثقيلاً يشرح بشكل خاص الأشياء التي يجب الانتباه إليها في "وادى الأشباح الشريرة ". كان الكتاب يحتوي على سجلات مفصلة للعديد من المُحَرمات ومخاطر كل منطقة ، واستمتع المبارز الشاب بالشمس وهو يقلب الصفحات ببطء. فلم يكن في عجلة من أمره لدفع رسوم الطريق ودخول الوادى للتدريب. فشحذ المرء لنصله لا يؤخر عمله في قطع السجل.
كانت شمس الشتاء دافئة ، ونظر الشاب إلى السماء التي كانت صافية وزرقاء لمسافة عشرات الآلاف من الكيلومترات. حيث كان طقس اليوم جميلاً جداً حقاً.