الفصل 616: أعتاب الديار
أبت أرابيلا أن تبرح مكانها بجانب آرثر، فظلّت طوال اليوم متشبثة بذراعه، ولا تفارقه إلا لماماً حين يشتد الاضطرار.
وبعد حديثهما المطول عن غريس، آثر ساريث الانسحاب في هدوء تاركاً إياهما وشأنهما. وبالحديث عن غريس، فقد سارعت مصاصة الدماء بطرق بابه فور استيقاظها من سباتها العميق.
وقفت غريس عند العتبة لبرهة، وكأنها تستقرئ الأجواء السائدة في الغرفة.
قالت بخجل شديد، وعيناها تترددان في نظراتهما بين أرابيلا وآرثر: "أكل شيء على ما يرام؟".
فأجابها آرثر: "نعم، كل شيء بخير".
وما إن تيقنت غريس أن المجيب هو آرثر نفسه، حتى أسدلت يديها إلى جانبيها واتسعت حدقتا عينيها ذهولاً. ولم تمضِ لحظات حتى غدت واقفة قبالته مباشرة، وقد غلبها التردد؛ أتضمه إليها أم تحجم؟
تمتمت بكلمات كاد يمنعها ارتعاش شفتيها من الخروج: "يا لَلعجب! لقد استعدت نطقك!".
هتفت أرابيلا أخيراً بابتهاج: "أجل! لقد فعل!".
ردت غريس بضحكة مربكة وهي لا تزال حائرة فيما تفعله بيديها: "هذا أمر مذهل! لقد... حسناً، كنت على يقين دوماً بأنك ستتماثل للشفاء، كان ذلك جلياً!".
قرر آرثر أخيراً أن يضع حداً لارتباكها، فأمسك بكفيها وخصّها بابتسامة رقيقة زادت من طيب اللقاء.
وعندها، اشتد احمرار وجهها خجلاً حتى كاد يتوهج جراء بادرة آرثر الأخيرة تجاهها.
أومأ آرثر برأسه قائلاً: "كنت أعلم دوماً أنه يتعين عليّ التحدث، لكنني لم أهتدِ إلى منطلق للحديث بعد كل هذا الانقطاع".
ضغطت غريس على يديه برفق وقالت: "حسناً، يغمرني السرور لأنك وجدت طريق العودة".
تنحنح آرثر وقد خبتت ابتسامته قليلاً ثم قال بوقار: "غريس، لقد فاتحتُ اللورد ساريث بهذا الأمر، لكنني أرى من الإنصاف أن أخاطبكِ مباشرة إن سمحتِ لي".
تلاشت الابتسامة عن وجهها فور سماعها لتلك النبرة الجادة.
وتابع آرثر: "لقد تفضلتِ بمرافقتي في جولة لاستكشاف الأرجاء، وملأتِ فراغاً جسيماً في نفسي حين فقدتُ صوتي؛ لذا أود أن أسألكِ إن كنتِ تثقين بي وتسمحين لي بأن أردّ لكِ الجميل، فأصحبكِ في جولة داخل دياري، وأكون لكِ المضيف الكريم كما كنتِ لي طوال الأسبوع المنصرم". ثم تنحنح ثانية وأردف: "أظن أن مقصدي من السؤال هو: هل ستقبلين البقاء هنا في 'لوستريس' برفقتي بعد رحيل عائلتكِ؟ لفترة وجيزة فحسب، بطبيعة الحال".
خيم الصمت على المكان، بينما ظلت أرابيلا ترقبهما، تراقب ثغر غريس وهو يفتح وينطبق مراراً دون أن يبين عن حرف.
لم يكن بالإمكان قياس مدى القلق الذي كابده آرثر وهو يترقب ردها، لكن أرابيلا شعرت بتوتر يعتصر أحشاءها؛ ألم تكن غريس تلمح إلى رغبتها هذه طوال الليل؟
وهل يُعقل أنها أخطأت في تقدير الأمور؟ هل كانت غريس ترغب حقاً في البقاء بجانب آرثر؟
"أجل!".
تكلمت غريس أخيراً في اللحظة التي كاد فيها الأكسجين أن ينفد من الغرفة لشدة التوتر. وقد عكس بريق عينيها مدى جزمها وعدم ترددها في تلك الإجابة.
أعلن آرثر بلهجة واثقة: "وبصفتي سيد هذه الديار، أتعهد بحمايتكم وصون أمنكم في أحلك لحظات ضعفكم، وأعدكم بأنه لن يمسسكم أي سوء".
يبدو أن هذا الوعد كان كل ما تصبو إليه أرابيلا، فانسلت من الغرفة تاركةً الاثنين بمفردهما.
وفي الحدائق، كان إدغار يذرع الممرات الحجرية برفقة بيرسيفوني، بينما بدت أليغرا وكاثرين غارقتين في حديث خاص.
رافق روبيوس ساريث نحو المخرج حتى انضمت إليهما الشابة أرابيلا.
بادرها الرجل العجوز بالسؤال فور وقوفها بجانبهما: "كيف حالهم؟".
أجابت ضاحكة: "لقد استرسلوا في الحديث".
وضع ساريث يده برفق على أسفل ظهرها وسألها: "هل وافقت على البقاء؟".
فأجابت: "ستبقى".
لمعت عينا مصاص الدماء للحظة عابرة وقال: "سيندم قريباً على دعوتها للبقاء".
ردت أرابيلا بنظرة غارقة في التأمل: "الآن وقد انقضى كل شيء، أتساءل أيّ تغيير حقيقي قد طرأ على آرثر".
تتبع روبيوس نظرتها نحو السقف ثم عاد لينظر إليها متسائلاً: "ماذا تقصدين؟".
صمتت برهة ثم قالت: "لم يعرف أي منكما آرثر حق المعرفة كما عرفته أنا. فإذا كان لا يزال على سجيتِه السابقة... لا أدري أيهما سيسأم من الآخر أولاً".
أومأ روبيوس موافقاً: "أنتِ محقة، لم أكن أعلم أن آرثر يملك تلك القدرة على الإسهاب في الكلام، بل إنني أجد صعوبة في تخيله على هذا النحو".
تلاشت ابتسامة أرابيلا تدريجياً وهي تقول: "لم تقضيا وقتاً طويلاً معاً، وحتى حين فعلتما، لم تستمتعا بصحبة بعضكما البعض، لقد كان يتكتم على الكثير أمام والدي".
عقّب روبيوس: "أنا موقن بحدوث ذلك".
لم يتبادلوا الكثير من الحديث بعدها، إذ استأذن روبيوس وانصرف، تاركاً الزوجين يهنآن بوقتهما.
قطع ساريث الصمت الهادئ وهما يتجولان في الحدائق قائلاً: "هل أنتِ مستعدة لرحلة الغد؟ أعني، لا ضير في بقائنا أو بقائكِ لفترة أطول مع شقيقكِ إن رغبتِ في ذلك".
ضحكت قائلة: "سيكون أخي مشغولاً بما يكفي، وعلاوة على ذلك، لم يعد هذا المكان بيتي. لن تصدقني إن أخبرتك كم أتوق للعودة إلى دياري".
توقف ساريث فجأة وقال: "بل أصدقكِ تماماً. لكن ما لا يكاد يصدقه عقلي هو حقيقة استردادنا للقلادة". وتحسست يده القلادة المعلقة في حزامه.
أومأت برأسها قائلة: "ولا أنا أصدق، فقد ظننتُ أننا فقدناها إلى الأبد. ومن حسن طالعنا أن ولي العهد كان على هذا القدر من الحماقة، فكان ذلك هو طوق نجاتنا".
أجابها: "لقد كان كذلك بالفعل".
تابعا سيرهما على طول الممر، يستمتعان بليلتهما الأخيرة في قصر 'ستيرلينغ' قبل قفولهما إلى ديارهما.
حقاً، لم يكن قصر 'ستيرلينغ' موطناً لها قط... أكان سجناً؟ ربما، أما منزلاً؟ فلا وألف لا.
إنما ذلك السقف الذي لم يؤوها إلا بضعة أشهر هو من استحق هذا اللقب، بعد صراع مرير لانتزاعه من براثن مالكه السابق.