الفصل 271: المكافأة
في تلك اللحظة ، وبينما كان "غري " في منتصف الطريق نحو "كاليكسان " ظهر رمحٌ متحدق فى يده. فلم يكن رمحه ، ولا رمح "جواكين " بل كان رمح "فرانتز ".
في اللحظة التي سبقت ظهوره في يده كان أحد ظلاله قد التقطه من فوق جثته. وفي اللحظة التالية ، استقر الرمح في قبضته ، بينما تحولت تلك الابتسامة الرقمية الوحشية على وجهه إلى ملامح أكثر شيطانية.
زأر "كاليكسان " بصوتٍ مدوٍّ هز أركان الكنيسة "كفى! "
أجاب "غري " ببرود "أنت لا تغني فتيلاً ".
هبط ضغطٌ مهول ، أرغم السير "أوفال " و "إدمون " على الركوع فوراً. ومع ذلك لم يتأثر "المُرافقون " (الاقطاعيون) بهذا التغيير ، على عكس "بلين " و "تشوغ " اللذين تأثرا به بلا شك. فلم يكن المرء بحاجة إلى عبقرية ليدرك أن هذا الضغط كان سمة فريدة لأسقف الكنيسة ، تتيح له إخضاع أتباعه. ولكن لسوء حظ "كاليكسان " -كما أدرك هو نفسه آنفاً- كان هذا الضغط لا قيمة له أمام "غري ".
تقلصت حدقتا "كاليكسان " وظهرت عصاه في يده مجدداً. تشكلت حوله فقاعة ذهبية بدأت تتصاعد منها خيوط من الطاقة الذهبية في تدفق سريع وكثيف ، كأنها نهران عظيمان من ماء الذهب يندفعان نحو "غري ".
سخر "غري " وعكست ابتسامته الرقمية لامبالاته وهو يمر عبر ذلك التدفق. شقت "قوات الظل " خاصته طريقها عبر تلك الخطوط ، تاركةً خلفها ظلالاً بينما برز فجأة أمام "كاليكسان " طاعناً بـ رمحه الذي أطلق صريراً حاداً:
"قاطع الألوهية ".
"تشي ".
اخترق "غري " الحاجز كما يقطع السكين الزبد ، وظهر نصل رمحه أمام حنجرة "كاليكسان " في طرفة عين. و اتسعت عينا الأسقف "كاليكسان ".
شتم "غري " "تباً ".
لقد فات الأوان.
تبدلت جسد الأسقف "كاليكسان " مع جسد آخر ، فاخترق رمح "غري " صدر "إدمون ". توقفت كل قوة اندفاع "غري " فجأة ، وانطلقت موجة هوائية مزقت الأجواء من حوله.
أصدر "إدمون " أنيناً مكتوماً ، متمسكاً بالرمح الذي اخترق صدره ، بينما كانت صدمة باهتة تتلاشى تدريجياً من عينيه. و انطلقت ضحكة خافتة من شفتي الفارس العجوز.
تغير كل شيء بسرعة فائقة. حيث كان "غري " واثقاً من أنه سيحسم المعركة في لحظة ، وإذا به يجد "معلمه " في نهاية رمحه. انعكست نظرة فارغة في عيني "غري " ؛ ففي تلك اللحظة الأخيرة ، أحس بطاقة تمتد نحو "إدمون " لكنه ظن أن "كاليكسان " سيهاجمه انتقاماً.
أدرك "غري " في قرارة نفسه أنه ما لم يمتلك القوة التى تكفى لقتل "كاليكسان " بضربة واحدة ، فلن يستطيع منع وقوع مثل هذه الفواجع. فحتى لو لم يتبادل "كاليكسان " الأماكن مع "إدمون " فما كان يلزمه سوى فكرة واحدة لإنهاء حياة الفارس العجوز. إن تحكم "كاليكسان " في فرسانه المقدسين بصِفته "أسقف قيادة " كان مطلقاً ؛ فلو أمرهم بقتل أنفسهم ، لما استطاعوا الامتناع.
راح "غري " يفكر في مآله لو ترك نفسه للموت ، وفي كل مرة كان يتردد هذا الإيقاع في رأسه ، واضعاً خططاً لمسار المعركة كان الأمر ينتهي دائماً بالنتيجة ذاتها.
قال "إدمون " مع سعال آخر "ليس سيئاً.. كنت أعلم أنك ستتجاوزني يوماً ما ، لكن هذا حدث في زمن قياسي. سأذهب... أولاً ، ثم... ".
بصعوبة بالغة ، استطاع "إدمون " مد يده للأمام ، تاركاً أثراً من الدم على ظهر يد "غري " قبل أن تخور قواه تماماً. وقف "غري " صامتاً وكأنه نسي أنه في قلب ساحة معركة. و تدفقت منه خيوط من الذهب الأبيض والذهب الأحمر النابض ، وكأن جسده ينوء تحت ثقل طاقته الخاصة.
سقط "إدمون " من فوق طرف رمح "غري ". بدا الجسد هشاً للغاية ، يتهالك ككتلة خاوية ؛ لم يكن في الأمر جمال أو بطولة. فالرجل الذي أنقذ حياته يوماً بقوته ، صار الآن نملةً سُحقت بمجرد نزوة من شخص أقوى منه بكثير.
ربما كان الجزء الأكثر إيلاماً أن "غري " لم يشعر بأي مقاومة تذكر أثناء اختراق الرمح لجسد معلمه كان الأمر أشبه بالمرور عبر الهواء ، كأن الحياة لا تعدو كونها تياراً من الرياح الزائلة.
انزلق الدم عن الرمح حتى عاد لامعاً كأنه لم يمسس سوءاً ؛ فلا شك أن دائرة تطهير ما كانت تسري فيه ، أو ربما كانت جودة صقله هي التي جعلته كذلك. حتى ما تبقى من مشاعر "إدمون " في هذا العالم قد انمحت.
نظر "غري " إلى الجثة ، وتوارت تعابير وجهه خلف "إطار خوذته ". إنه لا يحب هذا الشعور حقاً. فلم يكن مقرباً بشكل خاص من "غلوب " أو "ميم " كما أنه لم يعرف "إدمون " إلا لفترة قصيرة. لم تدفعه وفاتهم للبكاء ، لكنها ملأته بالإحباط ؛ فقد أحس أنه مهما فعل ، ومهما تضخمت قوته ، ومهما سرع وتيرة نموه ، فسيظل يفقد من يحب بهذه الطريقة.
لم تبدُ أي كمية من القوة تكفى ، ولم يغنِ عنه نجاحه شيئاً.
لقد نجا بطريقة ما ضد "زعيم إقليم " مثل "ساحرة الغابة الشريرة " فكانت مكافأته موت "غلوب ". ونجح في الخروج من واحدة من أسوأ الحلقات الزمنية التي حُبس فيها ، وأتمّ "مهمة " (ينوضعية) كان من المفترض أن تتطلب فرقاً عديدة لإنهائها بمفرده ، فكانت مكافأته موت "ميم ".
والآن ، بعد أن خرج "الفارس الأخير " ورأى أسرار الكون ، ونال بركات تفوق ما قد يتصوره "كاليكسان " أو حتى "الدوقية " التي تسعى لرأسه الآن... لم يجنِ سوى مكافأة أخرى: موت معلمه.
مرة تلو الأخرى.
هل سيضطر لمشاهدة جده يموت يوماً ما ؟ وهل سيقف عاجزاً حينها مهما بلغت قوته ؟
بدأت أعمدة من الظلام تشع من جسد "غري " بينما تحول تركيزه بالكامل نحو آخر أثر لحياة "إدمون "... خطٌ واحد من الدم على ظهر يده.
وانفجر قلبه غضباً.
--
[تم استلام مهمة]