الفصل 968: وداعاً... يا أخي
على مدى الدقائق الثلاث التالية، استمر سورون في فرض سيطرته على الفضاء المحيط به، حيث خاض معركةً مستعرةً بكل ما أوتي من قوة، محرقاً ما تبقى من ألوهيته ببهجة جامحة، حتى انفجر من صدره سعال عنيف هزّ أعضاءه الداخلية بقوة كانت كفيلة بجعل الهواء من حوله يرتجف.
*سعال*
*اختناق*
تدفق الدم الملوث بالسواد من فمه في دفقات كثيفة لا يمكن كبحها، متناثراً فوق ساحة المعركة المحطمة كالحبر المسكوب، ومع ذلك، ضحك سورون رغم جراحه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تقارب الهوس وهو يراوغ طعنة رمح، ليوجه ضربةً حاقدةً إلى أضلاع "يو كيرو" المنسحب.
*صوت ارتطام*
إذن، هنا يوضع الختام...
كانت الفكرة هادئة، بل تكاد تكون حنونة، بينما شعر بشيء من جوهر حياته يبدأ في التسرب من بين يديه.
هذه المرة، لم تكن القوة هي ما يتلاشى فحسب.
لقد تعثرت قدرة التجديد الإلهيّ، ثم انهارت تماماً، كما لو أن جسده قد استسلم وقرر أنه بذل فوق طاقته؛ فتمزقت أعضاؤه الداخلية التي رُممت آلاف المرات من قبل، وبقيت ممزقة هذه المرة، تنزف بغزارة دون أدنى مقاومة.
بدأ الأمر في ساقيه كوهنٍ طفيف، حيث بدأت الحركة التي لم تكن تشكل عبئاً على ساقيه القويتين تؤلمه فجأة، وشعر بإجهاد غير طبيعي ينهش ألياف عضلاته.
آه... ها قد حانت اللحظة.
فكر في ذلك بينما انتشرت الرعدة في جسده، وأخذت ألياف عضلاته تئن وتتمزق تحت جلده مع هروب القوة الإلهية منها بسرعة خاطفة.
*ارتجاف*
ومع فشل التجديد الإلهيّ، بدأت سنوات التسمم بـ"المعدن الأصيل" تفتك بكل شيء داخل جسده، حيث أحرقت المدارات الإلهية نفسها حتى صارت أجوفاً بلا جوهر يُحييها، مما أدى إلى تكسر الإيقاع السلس لحركته، وتدهورت مهارة [مشية ثانوس] إلى شيء ناقص، متوتر، وفانٍ.
*تمزق*
أصابته طعنة رمح كان من المفترض أن تخطئه، فمزقت فخذه بجرح سطحي.
*دويّ*
أصابت كتفه تعويذةٌ كان من المفترض أن تنفجر بعيداً عنه، بينما ترددت أصداء شهقات الصدمة في أرجاء ساحة المعركة.
"إنه يتباطأ!" صرخ "يو كيرو"، وقد تحول ذهوله إلى إثارة وحشية عندما رأى الدماء تسيل دون أن تجف.
"قدرته على التجدد توقفت! كتفه لا يتعافى، لقد قُضي عليه!" صرخت "رو فاسا" وعيناها متسعتان وهي تعيد صياغة تعاويذها على عجل، وتسكب فيها المزيد من قوتها بنهم.
"هذه هي الفرصة!" صرخ "دو تراسك" بصوت أجش، متناسياً ألمه وهو يُجبر ذراعه المُحطمة على الثبات. "إذا ضغطنا عليه الآن، سننهي هذا الأمر!"
تغيرت موازين القوى على الفور.
فما كان في السابق مسافة حذرة تحول إلى اندفاع يائس؛ إذ تضاعفت الهجمات بعيدة المدى ثلاث مرات، وأخذت الأشعة والرموز تخترق الهواء باتجاه سورون من كل حدب وصوب، كوحوشٍ استشمت ريح الدماء في الماء.
*دويّ*
*تمزق*
*انفجار*
شعر سورون بانقضاضهم عليه.
أحرقت النيران جلده، ومزقته إلى بقع خشنة رفضت أن تلتئم، بينما نهش سحر الفراغ خاصرته وجردها من لحمها الحي، في حين شق نصلٌ هلالي ظهره وبقي أثره محفوراً هناك.
وانتشر ألم مبرح في جسده من رأسه حتى أخمص قدميه.
*تقطر*
*بلوب*
كانت الدماء تغمر رداءه، وتتساقط بغزارة من أطراف أصابعه قبل أن تتجمع على الأرض في الأسفل، ومع ذلك ظل يبتسم، وظلت روحه متمردة حتى الرمق الأخير.
«لقد فعلت كل ما أردت فعله»، فكّر، والضحكة تتراقص في عينيه حتى مع تلاشي رؤيته. «لم يبقَ لي سوى أن أموت مبتسماً، حتى لا أشمت الأعداء برؤية ذلّ انكساري».
فكر في ذلك بينما خانته ساقاه أخيراً.
*جلجلة*
*صوت ارتطام*
ارتطمت إحدى ركبتيه بالحجر المكسور بقوة كادت تحطمه، وانتشرت موجة صدمة للخارج بينما كان يغرز خنجر "حارس الضغينة" المتبقي في الأرض ليتكئ عليه، وأصبح تنفسه متقطعاً ومصحوباً بحشرجة، حيث كان كل شهيق يمر عبر رئتين تعانيان من فشل عضوي كامل.
تجمدت ساحة المعركة للحظة.
ثم تحرك "كايلث".
لم يتردد السيد الأبدي، ولم يصرخ، ولم يستعرض قوته؛ بل طوى المسافة بسرعة خاطفة وغرز خنجره الأصيل مباشرة في صدر سورون، مخترقاً قلبه، ومثبتاً إياه تماماً على الأرض.
*طعنة*
شهق سورون بشدة، وكان شهيقه أقرب إلى الارتياح منه إلى الألم، حيث غمر الدفء صدره واختفت قوته تماماً، وارتخت أصابعه بينما انحنى جسده إلى الأمام على الشفرة.
تلاشى الضجيج.
توقفت التعويذات في منتصف إلقائها.
خُفضت الأسلحة.
وشاهدت الآلهة السبعة في صمتٍ ما كان يُظن أنه مستحيل.
نظر سورون إلى كايلث، والتقت أعينهما بطريقة اختزلت قروناً من الضغينة في لحظة عارية من التكلف، لحظة بدت وكأنها وداع لم يخطط أي منهما لتقديمه أبداً.
والمثير للدهشة، أنه لم يكن هناك أي زهو بالنصر في نظرة كايلث في هذه اللحظة، بل مجرد إرهاق عميق.
"ساعدني... في أخذ قارورتي"، قال سورون بصوت أجش، والدم يتدفق من زوايا فمه وهو يتلمس خاتم التخزين البُعدي بضعف، وكانت حركاته خرقاء ومفتقرة للتنسيق كبشرٍ فانٍ.
أخرج منها قارورة شفافة، محتوياتها تشع بضياء خافت، وبالكاد استطاعت يداه المرتجفتان حملها، فطلب من كايلث مساعدته في تجرعها، مدركاً تماماً أنه إذا كان هناك إله سيفهم أهمية هذا الفعل، فهو أخوه.
*حسم*
أمسكه كايلث.
ارتسم على وجهه تعبير يمزج بين الاشمئزاز والأسى وهو يحدق في القارورة لبرهة طويلة، ثم نظر إلى وجه سورون، إلى تلك الابتسامة المألوفة التي ما زالت ترفض الأفول حتى مع اشتداد قبضة الموت.
تدفقت الذكريات دون استئذان.
طفولتهم في "إكستال".
ضحكهم.
تنافسهم.
والدماء التي سُفكت.
وأخيراً، زفر كايلث زفرة ثقيلة تحمل في طياتها حزن ألفي عام من الصراعات المريرة، ثم فتح القارورة، وقربها بعناية، وبخشوع شبه مقدس، من شفتي سورون، وسكب محتوياتها في فمه، ويده ثابتة رغم الارتعاش البادي في عينيه.
همس كايلث قائلاً: "وداعاً... يا أخي"، بينما ابتلع سورون بصعوبة، وبدأ تنفسه يهدأ أخيراً، حيث تلاشى الألم الذي رافقه طيلة ألفي عام ليصبح شيئاً بعيداً يمكن احتماله، واستحالت ابتهالته إلى سكون سلمي وهو يشخص ببصره نحو السماء المحطمة.
همس سورون بصوت خافت: "الندوب التي خلفتها فيك... ستؤرق مضجعك للأبد".
أتمنى لك التوفيق في حياتك... يا أخي.
قال ذلك ثم أغمض عينيه، مرسلاً زفيره الأخير بعد أن نال مبتغاه من الراحة.
*تنهد*
ظلّت ساحة المعركة ساكنة، وتجمدت الآلهة في أماكنها، بينما سكن جسد سورون أخيراً، وانطفأت الإرادة التي طوعت الواقع نفسه بهدوء، تاركة وراءها سبعة ناجين ليحيوا مع ندوب ذكراه إلى الأبد.