الفصل 432: هل يجب حرق الورق عند زيارة القبور ؟
انشغلوا طوال الصباح في دوامة من النشاط المحموم و ورغم أن التفاصيل لم تكن واضحة تماماً إلا أنه وتحت قيادة زوجة أخيهم لم يظفر أحدٌ منهم بلحظة راحة واحدة.
وما إن كادوا يلقون بأجسادهم على الأريكة حتى دخل "دو بينج " حاملاً البخور والورق الطقوسي والقرابين ، وقال بصوت حازم "يكفيكم جلوساً ، هيا لنزر القبور الآن. و إذا انتظرنا حتى يظهر حراس الجبل ، فلن نتمكن من الصعود ".
لم يجد "دو هينج " بداً من النهوض مع تنهيدة استسلام مثقلة ، فدخل الغرفة الأخرى وسحب "دو يي " المتقاعس الذي كان يتظاهر بالقراءة ، ليخرجه من البيت. ورغم أن الصغير راح يبرطم بضيق عاقداً حاجبيه ومادياً شفتيه احتجاجاً إلا أن "دو هينج " لم يتركه وشأنه.
وبينما كان "دو هينج " يحزم الأمتعة في الحقائب ، قال بصوت عارض "أخي الأكبر ، ألم تعلن البلدة أن حرق الورق الطقوسي لم يعد مسموحاً به ؟ هل ما زال بإمكاننا الذهاب ؟ ".
سخر "دو بينج " بتهكم وقال "أيريدون التحكم في كل شيء ؟ هل سيملون علينا كيف نكرم أسلافنا أيضاً ؟ نحن على أعتاب الاحتفال برأس السنة ، ألا يحتفل أسلافنا تحت الأرض هم أيضاً ؟ ".
بحرص شديد ، وضع "دو بينج " البخور والشموع في حقيبة بلاستيكية ، ثم حملها برفق وكان أول من خطا خارج الغرفة. خلفه ، حشر "دو هينج " جميع القرابين والورق في يدي "دو يي " ثم سارع الخطى ليلحق بأخيه الأكبر.
قال "دو هينج " وهو يدركه "خلال رأس السنة ، تكون الرياح عاتية. ولقد أُغلقت تلالنا لأكثر من عشرين عاماً لتسهيل عملية التحريج ، أضف إلى ذلك كثرة الأراضي المهجورة المغطاة بالأعشاب الصفراء الجافة. و إذا اندلع حريق عن غير قصد ، فستكون كارثة محققة ".
رد "دو بينج " بنبرة ساخطة "أمثالك دوماً هم من يثيرون الجلبة من لا شيء! لقد دأب الناس على التعبد عند القبور هنا لأجيال ، ولم يحرق أحد الجبل قط. أظن أن من وضع هذه السياسة يعاني خللاً في عقله. الجميع يحرقون الورق لأسلافهم ، وقد عشنا في هذه الجبال طوال حياتنا ، فهل رأيت يوماً أحداً يحرق الجبل ؟ ".
التفت "دو هينج " ولوح لـ "دو يي " الذي كان يتعثر خلفهما محملاً بالحقائب ، وحثه على الإسراع ، ثم مشى محاذياً لـ "دو بينج " وقال "إنه مجرد احتراز ، فإذا وقع حادث ، ستكون العواقب وخيمة ".
نظر "دو بينج " إلى أخيه بطرف عينه وقال "أمثالكم من القادة قد لا يحتاجون لزيارة القبور لأنكم بلا أسلاف ، أما البسطاء مثلنا فلهم أسلافهم. نحن بحاجة لإجلال آبائنا وأمهاتنا ، لنعرف من أين جئنا وإلى أين سننتهي. وعلينا غرس هذه المفاهيم في أطفالنا أيضاً ". ثم أردف بحدة "وإن كنت لا ترغب في الذهاب ، فاصمت وعُد إلى بيتك ، وتوقف عن النق فوق رأسي ".
عند سماع "دو هينج " وهو يتلقى التوبيخ ، ركض "دو يي " -الذي كان ما زال يمسك بحقيبتين- إلى الأمام وداعب عمه بملامح وجه ساخرة. رفع "دو هينج " يده كما لو كان سيضربه ، ففر "دو يي " سريعاً متجاوزاً الأخوين.
وعندما غادروا القرية وانعطفوا عند منعطف كبير ، رأوا برميلاً معدنياً أسود على جانب الطريق. وبنظرة فاحصة ، بدت عليه آثار الدخان والنار بوضوح.
أشار "دو بينج " إلى البرميل بسخرية "أرأيت هذا ؟ منذ الأول من أكتوبر ، منعوا الناس من زيارة القبور ، وقرروا أن علينا حرق الورق في هذا البرميل الكبير. لا أدري حتى أيُّ الأسلاف ستصله هذه القرابين في النهاية! ".
بينما كان الأخوان يمران ، لمح "دو هينج " في البرميل آثار حرق حديثة ، لكنه لم ينبس ببنت شفة خوفاً من توبيخ آخر.
كان والداهما وأجدادهما مدفونين في البقعة نفسها ، على مسافة ليست ببعيدة ، في أرض العائلة. مشية ثلاث دقائق كانت كفيلة بإيصالهم إلى هناك.
ورغم أن أخاه الأكبر كان ما زال يفلح هذه الأرض ولم تكن مهجورة إلا أن المنطقة المحيطة بالقبور كانت قد اجتاحتها الأعشاب البرية. ولم تكتفِ تلك الأعشاب الجافة الصفراء بتغطية القبور ، بل إن بعضها نما ليفوق القبور الأربعة طولاً.
وضع "دو بينج " البخور والشموع ، وبدأ يهمهم لنفسه بصوت منخفض وهو يشرع في تنظيف القبور من الأعشاب الضارة. ووسط عويل الرياح ، تناهى إلى مسامع "دو هينج " كلمات مبعثرة من أخيه "شياو هينغ... يتزوج... إنجاز ".
بدأ "دو هينج " هو الآخر في إزالة الأعشاب ، لكن مشاعره كانت تختلف على الأرجح عن مشاعر أخيه الأكبر. فهو لم يقابل أجداده قط ، وكان صغيراً جداً ليدرك حقاً معنى رحيل والديه. وفي السنوات التي تلت ذلك كانت الرعاية التي تلقاها من أخيه وزوجة أخيه تجعله لا يشعر بأي فرق عما لو كان والداه ما زالان على قيد الحياة. ورغم فقرهم آنذاك كان أخوه وزوجته هما عالمه بأسره ، يحميانه من كل عاصفة.
قام الأخوان بتنظيف الأعشاب في صمت ، بينما انشغل "دو يي " بتنسيق القرابين والبخور والشموع. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه "دو بينج " و "دو هينج " كانت الطاولة الحجرية بجانب القبور قد غصت بالأطباق.
كان حرق الورق هي الخطوة الأخيرة في الطقوس. ومع احتراق ورقة تلو الأخرى كان المزاج يميل حتماً إلى الوجوم للحظة. وبينما كان "دو هينج " يراقب الرماد وهو يتطاير مع الريح لم يسعه إلا أن يتساءل: هل يأتي والداه حقاً لأخذ المال ؟ وهل يستعدان هما أيضاً لرأس السنة ؟
"فرقعة! ".. قفزت شرارة طائشة وأحرقت يد "دو يي ". صرخ الصغير متألماً ، وأسقط كومة الورق السميكة التي كانت يمسكها مباشرة في النار. كتم الورق لهيب النار المتصاعد ، وانبعثت سحابة من الدخان الضارب إلى الخضرة.
عثر "دو بينج " على عصا طويلة واستخدمها لنشر الورق حتى يحترق تماماً ، كما كان يدفع قطع الورق المتناثرة نصف المحترقة ليعيدها إلى قلب اللهب.
أثار هذا الفعل حيرة "دو يي " فبينما كان يدلك إصبعه المتألم ، سأل عمه بهدوء "عمي الصغير ، لماذا يجب أن يحترق الورق كله تماماً ؟ ألا يمكننا ترك نصفه دون حرق ؟ ".
كان الدخان المنبعث من الورق المحترق كثيفاً ، وظلت الرياح تدفعه نحو "دو هينج " الذي وجد رائحته لاذعة فتراجع خطوات للوراء.
عند سماع سؤال "دو يي " ربت على رأس الصبي ونقل له ما أخبره به "دو بينج " ذات يوم "فقط عندما يحترق الورق كله ، يمكن لجدك وجدتك استلامه. حينها يمكنهما شراء أشهى الأطعمة والمشروبات والاحتفال برأس السنة هناك في الأسفل. و إذا حرقنا النصف فقط ، فسيحصلان على النصف ، وكيف لهما أن ينفقا نصف ورقة نقدية ؟ ".
بدا أن "دو يي " قد فهم الأمر ، وإن لم يكن تماماً و فهز رأسه ببلاهة وهو يراقب رماد الورق يتطاير في الريح. ثم طرأ عليه سؤال جديد "عمي الصغير أنت تقول إن جدي وجدتي في الأسفل ، فأين يقع 'الأسفل ' تحديداً ؟ ".
باغت السؤال "دو هينج " وفجأة لم يدرِ كيف يجيب. لم تسعفه الكلمات للتعبير عما يجول في خاطره بدقة ، كما شعر أن نطق كلمة "شبح " فيه قلة احترام لوالديه.
وبينما كان "دو هينج " في حيرته ، سأل "دو يي " مجدداً "عمي الصغير ، إذا كان جدي وجدتي في الأسفل ، فلماذا يطير رماد الورق إلى السماء ؟ ".
مجدداً ، وقف "دو هينج " عاجزاً أمام تساؤلات هذا الصغير ذي السنوات السبع.
في تلك اللحظة ، وبيد "دو بينج " العصا الخشبية ، نكز الورق المحترق مرة أخرى ، لكنه استخدم قوة مفرطة أدت إلى تطاير الرماد بجنون. ولسوء الحظ ، هبت عاصفة من الريح ، حملت معها بعض الورق الذي ما زال مشتعلاً إلى الأعشاب المجاورة.
وفي لمح البصر ، ومع صوت "طقطقة " حاد ، اشتعلت الأعشاب الصفراء الجافة على القبر ، وبدأت النار تنتشر بسرعة.
كان من الصعب تحديد ما إذا كانت الرياح قد اشتدت في تلك اللحظة مصادفة ، أم أن النار نفسها هي التي خلقت تيار الهواء و ومهما يكن الأمر ، فقد حملت الرياح ألسنة اللهب ، وبدأت النار ، بتغذية من الريح ، تحترق بضراوة أكبر فأكبر.
لم يجد "دو هينج " وقتاً للتفكير في أسئلة ابن أخيه ، فهرع مسرعاً ليدوس على النيران بقدميه ، آملاً في وقف انتشارها.
لكن أخاه الأكبر "دو بينج " لم يصب بالذعر و فركض خطوات قليلة ، والتقط مجرفة حديدية متهالكة ملقاة على الأرض ، وبحلول الوقت الذي عاد فيه كان قد غرف ملء المجرفة تراباً وقذفه فوق النيران. وبحركتين فقط من هذا القبيل ، أخمد الحريق في مهده.
والمجرفة في يده ، نظر "دو بينج " بازدراء إلى "دو هينج " المتبهدل وقال "لقد ذهبت إلى الجامعة ، وظننت أن بإمكانك إخماد النار بقدميك ؟ فيمَ كنت تفكر ؟ ".
أطلق "دو هينج " ضحكات جافة متصنعة ، ثم سارع بنفض الغبار والرماد عن ثيابه "لقد أصابني الذعر وحسب! انظر إلى حافة الأرض فوق قبور عائلتنا ، أرأيت طول تلك الأعشاب الجافة ؟ لو امتدت النار إلى هناك ولفحتها الريح ، لاشتعلت كل تلك الأعشاب أيضاً! فضلاً عن أن المنطقة هناك أرض مهجورة ، والأعشاب تنمو أطول مني و لو اشتعلت تلك المنطقة ، لما استطعنا إخمادها! ".
رد "دو بينج " بحدة "حتى لو كنت مذعوراً ، لا يمكنك إخماد النار بقدميك! لقد كنت تقف في مهب الريح ، أمامها مباشرة! لولا لطف الاله لكنت احترقت قبل أن تصل النار إلى الأرض بالأعلى ".
طالما أن "دو هينج " لا يمارس العمل الفلاحي ، فهو في نظر "دو بينج " أخ أصغر صالح يجلب الفخر للعائلة. ولكن في اللحظة التي يحاول فيها المساعدة في أي كدح يدوي ، يجد "دو بينج " عيباً في كل ما يفعله و حتى طريقة إمساكه بالمجرفة تبدو خرقاء في عينيه.
وبعد كلمات قليلة وجهها لـ "دو هينج " أخذ "دو بينج " المجرفة إلى حفرة النار التي لا تزال مشتعلة واستخدمها لتسوية الورق الذي تبعثر خارجاً.
نفض "دو هينج " ما تبقى من رماد عن ثيابه ، وتنهد بحسرة وهو ينظر إلى أطراف سرواله المحترقة ، وفكر في نفسه "لقد تلف السروال تماماً ".
كان موقع قبور عائلتهم عند سفح الجبل ، ليس بعيداً عن تبا كبير نحتته مياه الأمطار عبر السنين. وعندما أطلقوا الألعاب النارية ، تردد صداها في قاع الأخدود المتعرج ، حاملاً الصوت إلى مسافات بعيدة.
ومن منحدر الجبل وقمته كان صدى ألعاب نارية أخرى يتردد من حين لآخر. وبتتبع الأصوات كان يمكن رؤية أعمدة من الدخان الأزرق المنبعث من حرق الورق.
بينما كان يقضم قطعة من لحم الضأن المتبقية من القرابين ، رفع "دو هينج " بصره إلى الجبال المحيطة ، وراقب أعمدة الدخان المتناثرة والعائلات الأخرى وهي تنحني وتطلق الألعاب النارية.
وتساءل في قرارة نفسه: هل يتسلم المتوفون حقاً مشاعر أقاربهم الأحياء ؟
كان هناك عرف في "سنترال ليك ": الأشياء التي تُجلب للعبادة لا يمكن إعادتها للمنزل و فإما أن تُترك بالكامل عند القبر كقربان ، أو تُوزع على جميع الحاضرين ليأكلوها ، بل ويجب على الجميع تذوق القليل منها على الأقل.
لم تجلب عائلة "دو هينج " الكثير ، فلم يتبقَ سوى بضع شرائح من اللحم وثمرتين من الفاكهة ، تقاسمها الثلاثة وانتهى الأمر.
وبعد فحص مكان حرق الورق والتأكد من عدم بقاء أي جمرات مشتعلة ، بدأ "دو بينج " بجمع النفايات استعداداً للعودة.
تقاسم "دو هينج " و "دو يي " آخر موزة واستعدا هما أيضاً للرحيل.
ولكن ، وبينما كان "دو هينج " يرفع رأسه ، رأى دخاناً كثيفاً يتصاعد من منحدر الجبل المقابل لهم.
"أخي الأكبر ، هل هناك حريق هناك ؟ " نادى "دو هينج " مسرعاً على "دو بينج ".
ألقى "دو بينج " نظرة خاطفة ، ثم استدار وتابع مشيي بلامبالاة "ذلك قبر عائلة 'ما يوانجاي '. إنهم لا يزورونه في مهرجان 'تشنجمينغ ' ولا في الأول من أكتوبر و يأتون فقط في هذا الوقت من السنة ، وعندما يفعلون ، يحرقون كل الأعشاب الموجودة على تلة القبر ".
"أوه " رد "دو هينج " بصوت منخفض ، لكن نظره ظل مشدوداً بغريزة نحو منحدر الجبل المقابل.
كان الأمر كما قال "دو بينج " و فقد انحصرت النار في تلك البقعة من القبر ولم تنتشر في مكان آخر.
ولكن ، وما إن كاد يحول وجهه بعيداً حتى دارت النار المستعرة في بقعة القبر فجأة وغيرت اتجاهها ، وانجرف متن اللهب نحو حافة الأرض المجاورة.
انقبض قلب "دو هينج ". وقبل أن ينطق بكلمة ، وصل لسان اللهب إلى حافة البقعة ، وقفز للأعلى ، ورأى خصلات من الدخان الأزرق تبدأ في التصاعد من الأعشاب في الأرض التي تعلوها.