الفصل الحادي والسبعون بعد المائتين: مئتان واثنان وسبعون - ما هو الدواء الناجع ؟
وهل يخذلهم «دو هينغ» ؟
قطعا لا!
فما دام تشخيص العلة قد استبان ، وطاقة المريض الحيوية لا تزال صامدة ، فلا ريب أنه سيجد سبيلاً لتدبير الأمر.
كان «شو بينغلين» يرقب «دو هينغ» عن كثب ، ولما رآه يزفر في هدوء ، أدرك أنه قد خلص إلى نتيجة ، فسأله بصوت منخفض: «دكتور "دو " هل توصلت إلى قرار ؟».
أجابه «دو هينغ» بصوت هادئ ، لكنه يحمل ثقلاً مهيباً: «لقد ولّدت الرطوبة والحرارة لدى المريض بلغماً أعاق مسارات الطاقة الحيوية ، وقد أدى هذا الخلل في التصريف بمرور الوقت إلى تكوين سموم تراكمت حتى تجسدت في كتلة ملموسة و وهذه الكتلة هي الورم المستقر عند الانحناء الصغير للمعدة».
جعلت هذه الإجابة عيني كل من «شو بينغلين» والدكتور «هو» تلمعان ببريق الترقب و فبرغم أنهما لم يشهدا تشخيص «دو هينغ» إلا مرتين إلا أنهما أدركا أن كل مرة يعرض فيها تشخيصه بهذه الدقة ، يتبعها بخطة علاجية محكمة. وكانت جميع خططه ، سواء ما اكتمل منها أو ما ما زال قيد التنفيذ ، قد حققت نجاحاً باهراً.
وقد تجلت تلك النتائج بوضوح في حالة مريض تدلي المعدة ، حيث كان أثر العلاج فورياً ، واجتُث الداء من جذوره. والآن ، وبما أن «دو هينغ» يتحدث بالنبرة ذاتها ، فقد سرت في أوصالهما موجة من الحماس لا توصف.
سارع «شو بينغلين» بالسؤال: «هل هناك خطة للعلاج ؟».
فأجابه: «نعم. طاقة المريض الحيوية لا تزال قوية ، وهو في شرخ الشباب وبنية جسدية جيدة. وفي حالات الأمراض العضال ، لا بد من دواء ناجع قاطع».
هنا لم يتمكن الدكتور «هو» من كبح فضوله ، فاندفع متسائلاً: «دكتور "دو " أي أعشاب تنوي استخدامها ؟».
لكن «دو هينغ» صمت فجأة ، وانعقد حاجباه قليلاً. فبينما كان يتحدث قبل قليل كانت تتوارد على ذهنه عشرات الوصفات العشبية الشهيرة والمجربة ، لكنه كان ينبذها الواحدة تلو الأخرى و إذ شعر أن كل واحدة منها ينقصها شيء ما ، ولن تحقق النتيجة التي يرتجيها في مخيلته. وما دامت لا ترقى لتوقعاته ، فهي حتماً لن تكون فعالة بالقدر المطلوب ، أو على الأقل لن تمنح المريض شفاءً معتبراً. ولو أنه استخدم أياً منها ، لصار علاجه مجرد إجراء تحفظي أو تسكيني ، لا يفعل أكثر من تخفيف آلام المريض وإبطاء زحف المرض دون تقديم عون حقيقي.
سأله «شو بينغلين» بلهفة: «ما الخطب ؟».
صمت «دو هينغ» لبرهة ، ثم قال: «أمهلوني بعض الوقت ، أحتاج لإعادة النظر في المقادير الدوائية بدقة».
أجابه «شو بينغلين» بحزم: «لك ذلك. دكتور "هو " اصطحب الدكتور "دو " إلى مكتبي ، وهيئ له كل ما يطلبه». ثم ما لبث أن استدرك قائلاً: «بل انتظر ، استدعِ "غو بينغ " ليكون عوناً للدكتور "دو "».
وبدون تردد ، قاد الدكتور «هو» زميله «دو هينغ» إلى المكتب. وبعد انصرافهما ، التفت «شو بينغلين» إلى «شيو إي وين» الغافل عما يدور وقال له: «لقد سمعت بنفسك ، أليس كذلك ؟ لقد ذهب الدكتور "دو " ليخط لك وصفة الدواء».
سأل المريض بلهفة: «ومتى يمكنني الخروج من المستشفى ؟». فقد كان جُل همه هو العودة إلى منزله لرؤية طفله.
تنهد «شو بينغلين» وقال: «ألا تدري من هو الدكتور "دو " ؟ وهل تعي معنى ما قاله للتو وما يمثله ذلك بالنسبة لحالتك ؟».
بقي «شيو إي وين» على جهله قائلاً: «ماذا ؟». كان يعرف أن كنية الطبيب هي «دو» ، لكن هذا كل شيء و فقد استحوذت همومه الشخصية على تفكيره طوال الأيام الماضية فلم يجد متسعاً للسؤال عن أي أمر آخر.
يبدو أن تعريف «شو بينغلين» لم يلقَ آذاناً صاغية ، فقال الأخير: «لا يهم ، فقط تحلَّ بالصبر وانتظر الأخبار».
- «أي أخبار ؟».
أراد «شو بينغلين» أن يطمئنه ، لكنه خشي أن يقطع وعداً قد يقيد «دو هينغ» أو يؤثر عليه سلباً ، فقرر الرصانة وقال: «انتظر فحسب ، فالخروج من المستشفى ليس بالأمر المستعجل».
«في المكتب»
كان «دو هينغ» يتوقف ملياً بين كتابة اسم عشب وآخر على الورقة ، متأملاً في المقادير ومعدلاً إياها بدقة متناهية. استغرق ذلك منه ساعة ونصف الساعة كاملة قبل أن يضع القلم أخيراً ، ثم تناول الورقة ليعيد قراءتها من بدايتها.
أما «غو بينغ» الذي كان واقفاً بجانبه ، فقد اعتراه الذهول ، وظل فاغراً فاه وهو يحدق في الوصفة التي خطها «دو هينغ». إن عبارة «آخر الدواء الكي» أو «العلل الشديدة تتطلب أدوية قاطعة» هي حكمة يعرفها القاصي والداني حتى من لا فقه له في الطب الصيني. و لكن ما مدى «قوة» هذا الدواء ؟ لم يكن الرجل العادي ليعلم ، وحتى «غو بينغ» -وهو الممارس للطب الصيني- لم يدرك كنه ذلك إلا الآن و الآن فقط عرف معنى «الدواء الناجع».
وبينما كان يقف خلف «دو هينغ» وينظر إلى الوصفة ، شعر بتصلب في ساقيه وقشعريرة في ظهره ، وبدأت يداه ترتجفان قليلاً.
«نبات البيناليا الخام» ، وهو عشب سام يسبب خدراً في اللسان وتهيجاً حاداً في الحلق.
«الزانثات» ، وهو عشب سام آخر ، إذا تم تناوله بجرعات زائدة يسبب آلاماً وخدراً والتهابات في الفم واللسان ، وفي الحالات الشديدة قد يؤدي إلى فقدان الوعي ، وضيق التنفس ، وشلل القلب ، بل وحتى الموت.
«الرهج الغاري» ، وهو مادة سامة أيضاً ، تؤثر الجرعات الزائدة منها على عملية الأيض الخلوي وتسبب أضراراً جسيمة للأوعية الدموية والكبد والكلى والعقل والجهاز الهضمي.
عادة ما يتوخى الأطباء حذراً شديداً عندما تتضمن الوصفة عشباً واحداً عالي السمية ، فيميلون إلى استخدامه بمقادير ضئيلة جداً ، أو يستبدلونه بأعشاب أقل قوة لتقليل المخاطر حتى لو كان ذلك على حساب الفعالية. و لكن في وصفة «دو هينغ» لم يوجد عشب سام واحد ، بل ثلاثة! وليس هذا فحسب ، بل كانت المقادير الموصوفة كبيرة جداً ، وتتجاوز الجرعات الموصى بها بكثير.
كان أخفها وطأة هو «البيناليا الخام» ، حيث حدد له 30 غراماً ، وهي وإن كانت ضمن النطاق المسموح به إلا أنها تلامس الحد الأقصى. أما «الزانثات» ، فقد وصف منه 30 غراماً أيضاً ، وهو ضعف الحد الأقصى الموصى به. أما «الرهج الغاري» الذي تتراوح جرعته القياسية بين 0,05 و0.1 غرام ، فقد قرر «دو هينغ» صرف 0.3 غرام منه ، أي ثلاثة أضعاف الجرعة القصوى!
ما هو الدواء الناجع ؟ هذا هو الدواء الناجع بعينه! شعر «غو بينغ» أنه لو حاول كتابة هذه الوصفة لارتعشت يده ولعجز عن إتمامها.
ولم يقتصر الأمر في وصفة «دو هينغ» على «قوتها» فحسب ، بل في تنوعها أيضاً و فإلى جانب الأعشاب الشائعة مثل الجذور الروحية الأحمر وعرق السوس ، تضمنت أدوية معدنية كالرهج الغاري والمغرة الحمراء ، وأدوية من الحشرات مثل الأوزاغ وأم أربعة وأربعين. وكان مزيج الأعشاب متنوعاً ومقاديرها مهولة و فعلى سبيل المثال ، وصف أحد عشر وزغاً كاملاً!
كان «غو بينغ» قد أبدى إعجابه سابقاً بسعة علم «دو هينغ» وتطبيقه للطب الصيني ، خاصة بعد نجاحه في علاج مريض ضمور المعدة ، لكن الوصفة التي بين يدي «دو هينغ» اليوم جعلته يشعر برهبة أكبر وإجلال أعظم.
أما «دو هينغ» ، فقد كان غافلاً تماماً عن ذهول «غو بينغ» و فبعد أن أتم كتابتها ، شرع يراجع كل تقبيله فيها من البداية ، مدققاً في تناسق الأعشاب ومقاديرها. وبالفعل ، كما لاحظ «غو بينغ» كانت هذه الوصفة استثنائية ومهيبة و فأدنى هفوة فيها قد تعجل بوفاة المريض. لذا كان الحذر والتدقيق واجباً لا مناص منه ، وكان عليه أن يقلب الأمر على وجوهه ويوازن بين الاحتمالات ، فالأمر لا يتعلق بسمعته ومستقبله فحسب ، بل بحياة إنسان غالية. إن الدقة المتناهية هي أسمى صور احترام الذات البشرية ، ولا مجال في هذه المواطن لأي تهاون أو تقصير.