الفصل 197: تفتيش القصر
في أعماق قصر "ألبيروليس"، كان الأمير أليكس والأمير ناثان -من تشيب- يتحركان بحذر شديد عبر ممر خافت الإضاءة.
لقد وصلا إلى أعمق مستوى من الزنزانات، وسرعان ما سيتجهان نحو نفق الخروج الاضطراري الذي يُستخدم للفرار إلى خارج المدينة في حالات الحصار.
كان من المفترض أن الأمير يعرف الموقع بدقة وكيفية الوصول إليه، ولكن حتى هذه اللحظة، لم يعثر أي من الساحرين على أي علامات تدل على استخدام النفق مؤخراً، بل لم يجدوا أي دليل يثبت وجود الأمير في القصر على الإطلاق.
كان من الممكن أن يكونوا كمن يطارد خيط دخان، وأن النسخة المكررة التي أبادها الفيكونت "بولغاما" هي النسخة الوحيدة من الأمير "كايزون" التي وجدت في قصر ألبيروليس.
وهذا ما أثار سؤالاً جوهرياً: أين الأمير كايزون الحقيقي؟ ومن ذا الذي صنع تلك النسخة؟ لأن هذا الأمر يتجاوز بمراحل القدرات السحرية المعهودة لسلالة "داغوس" الملكية.
فتش الأميران كل زاوية من زوايا القصر، بل إنهما تنقلا من غرفة إلى أخرى مستخدمين تعاويذ الكشف والبحث، تحسباً لأي محاولة من كايزون للاختباء منهما. ولكنهما لم يعثرا على شيء سوى مجموعة من الخدم المرعوبين ومستشار واحد غارق في ارتباكه.
كان من الطبيعي أن يتغيب هذا المستشار عن مأدبة العشاء التي كان أميره يخطط فيها لاغتيال كل من يعارض مسعاه للوصول إلى العرش. ولكن حتى تحت مجهر الاستجواب الصارم، لم يُبدِ أي إشارة تدل على علمه بأن الأمير كايزون الذي كان هنا لم يكن سوى نسخة مزيفة.
وفي القاعة الكبرى، بلغت القلوب الحناجر من شدة التوتر، وكان الجميع ينتظرون عودة الأميرين أو وصول أي خبر عن نتائج بحثهما.
لقد ساد انعدام الثقة إلى حد جعلهم يرفضون إرسال مجموعات إضافية، خوفاً من تنبيه المزيد من الخونة أو تسريب رسائل إلى القوات المختبئة في أرجاء المدينة.
استؤنفت الوليمة على مضض بعد إعادة ترتيب الموائد، ولكن بدافع سد الرمق والضرورة أكثر من أي رغبة في استكمال الجدول الزمني المخطط له لهذا اليوم.
قاد الأمير أليكس فريق التحقيق عائداً إلى القاعة بعد مرور ساعات، وبعد أن جنّ الليل تماماً. كان نصف النبلاء قد غلبهم النعاس على كراسيهم أو اتكأوا على الجدران من التعب، لكن الجميع ظلوا مرابطين في أماكنهم، باستثناء العمال الذين تولوا مهمة نقل الجثث.
أما طاقم المطبخ، فكانت علامات الرعب لا تزال ترتسم على وجوههم بوضوح.
فهم لم يكونوا غافلين عما يجري؛ إذ إن نصف الموظفين الذين تم استقدامهم لهذا الحدث قد انخرطوا في الهجوم الذي شنه الأمير كايزون، أما النصف الآخر فسيكونون محظوظين إن خرجوا بسلامة أرواحهم، بل إن خروجهم بأطراف سليمة سيُعد في حد ذاته نصراً مؤزراً.
كانت الأميرة أليكسيس تمضغ ببطء قطعة من المعجنات الهشة وعلى وجهها نظرة غارقة في التأمل.
قالت وهي تفكر ملياً: "هل تعتقدون أن نسخة الأمير كايزون التي ظهرت في سيغنيا هي ذاتها تلك النسخة المكررة؟ هذا يفسر سبب عدم اكتراثه بالموت، وربما كان يهزأ بنا ويخاطر ليرى إن كان أحدنا سيكتشف حقيقته بأنه مجرد شبيه".
قطب دومينيك والجنرالات جباههم.
وافق الجنرال ويغين قائلاً: "هذا ليس بعيد المنال. فالتعويذة تربط النسخة المزيفة بالأصلية، مما يسمح لها بالتفاعل بشكل طبيعي. ولكنها تدرك تماماً أنها ليست الشخص الحقيقي. وبالنظر إلى شخصيته الملتوية، يمكنني أن أتخيل كايزون المزيف وهو يقدم على فعلة كهذه".
تساءل دومينيك: "إذاً، يبرز السؤال الأهم: هل يعلم الأمير الحقيقي بكل ما فعله شبيهه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف خطط لتوظيف ذلك لمصلحته؟".
وأضاف الجنرال مودبوري: "أو لربما لم يكن هو من يضع الخطط في المقام الأول".
كان ذلك احتمالاً يثير القلق؛ فقد يكون الأمير الحقيقي أسيراً في مكان ما، بينما أُرسل شبيهه لبث الفتنة وزعزعة استقرار دولتين في آن واحد.
ولكن، إلى أن يعثروا على الأمير الحقيقي، أو الساحر الذي صنع تلك النسخة، فلن يكون بمقدورهم إثبات أي من نظرياتهم.
أنهى الأمراء حديثهم مع عدد قليل من أفراد العائلة المالكة، ثم توجه الأمير أليكس نحو الطاولة ليصطحب أخته.
أوضح قائلاً: "أليكسيس، يجب أن نتوجه إلى جناحنا هذا المساء. لن نتمكن من إنجاز أي شيء آخر الليلة، وعلينا أن نكون في قمة تركيزنا صباحاً. لقد انتهى الفوج للتو من تأمين القصر، وسيكون القائد بانتظارنا عند جناحنا لتلقي التعليمات حول مهامه".
ساعد دومينيك الأميرة على الوقوف، فابتسمت أليكسيس لأخيها قائلة: "حسناً، فلننهِ هذا الأمر. والآن بعد أن أصبح 'الناتشورالز' في مواقعهم، لم يعد هناك ما يدعو للقلق".
لقد كانوا مدججين بالسلاح بما يكفي لصد أي هجوم يقل عن غزو شامل للمدينة بواسطة قوات الإنزال الجوي.
ومن الناحية الفنية، كانوا مستعدين للتعامل مع ذلك أيضاً، كما كان يعلم دومينيك. ولكن إصابة أهداف متحركة من تلك المسافات البعيدة كان يشكل تحدياً كبيراً لقدرات البنادق.
كان عليه بالفعل البدء بمراجعة الخطط لابتكار بندقية قنص يعتمد عليها، ويفضل أن يكون مداها أطول مما يمكن لأي دولة أخرى تحقيقه باستخدام المدفعية.
قد لا يكون ذلك عملياً من منظور علم المقذوفات الصرف، ولكن حيثما عجز علم المقذوفات، يمكن للسحر أن يتدخل ويصنع الفارق.
لم يكن دومينيك يعرف على وجه الدقة كيف سيحقق ذلك.
مازحه الأمير أليكس قائلاً: "تبدو عيناك شاردتين، وكأنك تدبر لمؤامرة أو جريمة حرب".
هز دومينيك كتفيه وقال: "كنت أضع تصورات ذهنية لكيفية تطوير بنادق 'ماغيتك' الخاصة بالفوج، لتصل إلى مدى ودقة يكفيان لتحييد المدافع قبل أن تقترب من مدى النار".
أبدى جنرالات داغوس قلقاً واضحاً إزاء هذا التصريح.
فقد كان العالم مكاناً أفضل دون هذا الاختراع تحديداً؛ إذ أي نوع من السحر المظلم هذا الذي يسمح لبندقية أن يتجاوز مداها مدى المدافع الضخمة؟ بالتأكيد هذا أمر يفوق الخيال.
ولكن الحقيقة كانت كذلك؛ حيث تم إنجاز معظم ذلك عبر دمج منظومة من الكرات السحرية والأحجار الكريمة، وليس من خلال جهاز بسيط.
وسبق للقائد "داكس" أن حقق إصابة مؤكدة من مسافة تتجاوز الكيلومتر، رغم أنه احتاج لعدة طلقات. ومع بعض التحسينات، لم يعد من المستحيل -على الأقل- إصابة هدف ثابت من مسافة تتخطى الكيلومتر في كل مرة.
ومن ثم، يمكن العمل على تحسينات أخرى لتقليص نطاق الهدف ليصل إلى حجم الإنسان.
لا يعني هذا أن أيّاً من هذه الأمور كان سيفيدهم في يومهم هذا، ولكنها كانت تطلعات للمستقبل.