الفصل 37: كش ملك
الجانب الشرقي من منطقة مدريد الكبرى، 3 نوفمبر 1936
"لا! أنتم لا تفهمون، إنهم يطبقون علينا من الجانبين! لقد حاصرونا!" صرخ ضابط إسباني في جهاز اللاسلكي من داخل منزل متهدم جزئياً، بينما كان الغبار يتساقط من السقف مع كل انفجار يزلزل الأرجاء من حولهم.
"تباً! هذا الجهاز لا فائدة منه!" صرخ الضابط وهو يركل جهاز اللاسلكي ليطيح به من فوق الطاولة.
تبادل الجنود المحيطون به نظرات ملؤها التردد والارتباك، وهم يراقبون قائدهم وهو ينهار أمام أعينهم. في الخارج، كانت أصوات الانفجارات تدوي بلا انقطاع؛ فقذائف الدبابات ونيران المدفعية تمزق المباني والشوارع تمزيقاً.
كانت رحى معركة شرسة تدور في قلب المدينة، حيث استمات كلا الجانبين في القتال على كل شارع وكل زاوية، لكن الألمان كانوا يتقدمون بثبات، ورؤوس حربهم المدرعة السريعة تسحق المدافعين في طريقها.
أدرك الضابط أن وضعهم بات ميؤوساً منه، لكنه لم يملك حيلة لتغييره، فقد تفوق الألمان عليهم دهاءً وحاصروا قطاعاً عريضاً من الدفاعات الإسبانية.
"سيدي! رُصدت دبابات ألمانية على بُعد سبعمائة متر!" اقتحم جندي شاب الغرفة وهو يلهث من شدة الركض.
"أوصلوا إلى هنا بالفعل؟" تمتم الضابط بصوت متهدج، ثم استجمع قواه وأمر: "جهزوا الدفاعات فوراً!" وخرج إلى العراء.
أمسك بمنظاره ومسح الأفق؛ في البداية لم يقع بصره إلا على الأنقاض والتراب وألسنة لهب صغيرة تشتعل هنا وهناك، ثم لمحها؛ ببطء شديد، برزت دبابة ألمانية رمادية من بين حطام منزل منهار.
"إنها عند الساعة الحادية عشرة!" صرخ وهو يلتفت نحو رجاله المتركزين عند المدافع المضادة للدبابات.
شرع الجنود في العمل بلمح البصر، وعدّلوا زوايا التصويب، بينما بدأت الدبابة بصب نيرانها باتجاههم. انحنى الضابط خلف ساتر من أكياس الرمل بينما كانت الرصاصات والشظايا تخترق الجدران من حوله.
صرخ وسط تلك الفوضى العارمة: "لا تطلقوا النار إلا بأمري!"
راقب الدبابة وهي تزحف ببطء، ويصبح هيكلها أكثر وضوحاً مع كل متر تتقدمه.
"انتظروا... انتظروا... الآن!" صرخ بأعلى صوته.
دوت ثلاثة مدافع مضادة للدبابات في آن واحد؛ أخطأت قذيفتان الهدف بأمتار قليلة وانفجرتا وسط الأنقاض القريبة، لكن الثالثة أصابت مقدمة الدبابة مباشرة.
اجتاح الدبابة انفجار هائل، ورصد الضابط رجلاً يخرج من الحطام المحترق وثيابه تشتعل فيها النيران. اندلع إطلاق نار كثيف بينما حاول الجنود القضاء عليه، لكن الرجل المحترق تمكن من الاختباء خلف زاوية وهو يصرخ بكلمات ألمانية.
ارتسمت على وجه الضابط ابتسامة خاطفة، وشعر بارتياح غامر غطى ملامحه وملامح رجاله، لكن سرعان ما تبدلت تلك التعابير إلى رعب وصدمة.
تتبع الضابط نظرات رجاله، ومد يده نحو منظاره، ولكن قبل أن يتمكن من رفعه، رأى ما أفزعهم؛ فخلف الحطام المحترق، ظهرت دبابة أخرى من بين الدخان، ثم تبعتها أخرى، فأخرى. عشرات الدبابات شقت طريقها عبر الغبار، ودروعها الرمادية تلمع ببريق خافت وسط ضوء النيران البرتقالي.
"هذا..." تلعثم الضابط، وقبل أن يتمكن من إتمام كلمته، انطلقت عاصفة من النيران من الدبابات المقتربة.
اخترقت الرصاصات الموقع الدفاعي، وتشنج جسد الضابط إثر إصابته بعدة طلقات، فسقط أرضاً وهو يسعل دماً، ويشاهد رجاله يتساقطون واحداً تلو الآخر. أدار رأسه بوهن، فرأى ظلاً يتشكل خلفه، ورجلاً يقف فوق رأسه.
توقف إطلاق النار، وساد صمت مطبق. سعل الضابط مزيداً من الدماء، وبدأت ملامح الرجل الذي فوقه تتضح؛ إنه ضابط ألماني.
"أنت... أيها الوغد..." تمتم الضابط الإسباني.
حطمت طلقة نارية واحدة سكون المكان.
أنزل "بول" مسدسه من طراز "لوغر" وأعاده إلى غمده تحت معطفه الجلدي الأسود، وما زال يحدق في الضابط القتيل. لم يرفع بصره إلا عندما توقفت الدبابات عند طرف رؤيته. سار ببطء فوق الأنقاض، ومعطفه يرفرف مع الريح، ومن خلفه ظهر سيل من الجنود الألمان يتسلقون الحطام ويتجمعون بانتظام خلفه.
توقف أمام إحدى الدبابات عندما انفتح بابها وترجل منها رجل.
قال "بول" وهو يومئ برأسه دون التزام برسميات التحية العسكرية: "أهلاً بك يا عقيد فون توما".
لم يبدُ على "فون توما"، القائد الرزين، أي انزعاج من بساطة "بول"، بل نزل للقائه بحفاوة.
"الرائد غايغر"، قالها بحرارة وهو يمد يده، فصافحه "بول" بقوة.
قال "فون توما" بابتسامة خفيفة: "يجب أن أعترف، لقد سارت خطتك على أكمل وجه".
فجأة، دوت نقرة متميزة من جانبهما، فاستدار الرجلان ليجدا رجلاً قصير القامة ممتلئ الجسد يحمل كاميرا؛ إنه الوجه المألوف "توماس شولز"، الصحفي الذي كان له الفضل في بزوغ نجم "بول" أول مرة.
"توماس؟" سأل "بول" بتعجب.
أجاب "توماس" وهو يلتقط صورة أخرى والابتسامة تعلو وجهه: "نعم يا سيد غايغر، إنه أنا".
ضحك "فون توما" قائلاً: "هل تعرفان بعضكما؟"
أجاب "بول" باقتضاب: "نعم، ولكن ما الذي يفعله هنا؟"
أوضح "فون توما": "أراد الحزب توثيق انتصاراتنا لأغراض دعائية، لذا أرسلوا شخصاً ذا خبرة، وهو يعمل الآن كصحفي حربي".
علق توماس قائلاً: "أينما ذهبتَ يتبعك التاريخ يا سيد غايغر، تماماً كما يحدث الآن؛ هذه الصورة ستكون مذهلة!"
انطلقت ضحكة خفيفة نادرة من "بول". فكر في نفسه: "هذا الرجل... أهذا ما يسمونه القدر حقاً؟"
سرعان ما اقترب منهم رجل آخر، فابتسم "بول" ابتسامة خفيفة حين رأى "هاسو". رحب به "فون توما" بحرارة أيضاً قائلاً: "الملازم أول فون مانتوفيل، سررت برؤيتك".
أدى "هاسو" التحية العسكرية قبل أن يتصافحوا جميعاً.
قال "بول": "من الجيد رؤيتك يا صديقي".
أجاب "هاسو": "هذا صحيح تماماً".
وقف "بول" و"فون توما" و"هاسو" جنباً إلى جنب، يراقبون أرتال الدبابات والشاحنات والجنود وهي تتدفق في الشارع، حيث سحقت الدبابات أي عقبة في طريقها دون أدنى تردد. انعكس ضوء الشمس على تلك الوحوش المعدنية الرمادية، فأضاءت الصلبان الحديدية المطلية على جوانبها.
قال "بول": "لقد نُقل معظم جنود المشاة لدينا بالفعل إلى المطار، وهم بانتظاركم".
"سنقضي على ما تبقى من جيوب المقاومة في هذه المباني ثم ننضم إليكم. ومعاً، سنخترق خط دفاعهم الأخير"، أجاب "فون توما" بفخر، وهو يربت على كتف "بول" قبل أن يعود نحو صفوف المدرعات التي لا تنتهي.
نظر "بول" إلى المشهد؛ إلى ثمار عمله، ثم التفت نحو الأنقاض والجثث والضابط القتيل.
مرت الأيام متسارعة، وكذلك كان تقدم الألمان. وبفضل الإمدادات المستمرة عبر الجسر الجوي، توغل "الفيرماخت" -مدعوماً بالقوميين- في عمق مدينة مدريد، ولم يتكبدوا سوى خسائر طفيفة جراء نيران المدفعية الروسية المضادة للدبابات. ومع ذلك، فإن الدعم الجوي والإمداد المتواصل جعل الجانب الألماني والقومي يتقدم كيلومتراً تلو الآخر.
قصر العائلة المالكة الإسبانية، 15 نوفمبر 1936
اجتاحت الدبابات الألمانية والقومية الساحة الكبرى، وصرخ "بول" آمراً: "أطلقوا النار!"، فاهتزت الدبابة بعنف وهي تقصف موقعاً لمدفعية العدو.
انطلقت قذيفة معادية رداً على ذلك، فلامست هيكل الدبابة وأحدثت دوياً معدنياً هائلاً قبل أن تنفجر في مبنى مجاور. واصلت الدبابة الألمانية تقدمها بثبات، لتصبح على بُعد أمتار قليلة من الموقع الإسباني. اشتدت حدة النيران، لكن الدروع المتينة صدت الرصاصات الخفيفة بسهولة.
قال "بول" ببرود: "اجتاحوهم".
ارتفعت مقدمة الدبابة للحظة وهي تتجاوز السواتر الرملية التي نصبها الإسبان، ثم هبطت مجدداً. انطلقت صرخات الرعب وفرّت مجموعات من الجنود، فسقط الكثير منهم تحت نيران رشاشات الدبابة الغزيرة.
نظر "بول" عبر فتحة الرؤية الصغيرة قبل أن يقرر الخروج من الدبابة. انفتح الباب بصوت طقطقة معدنية حادة، فغمرت أشعة شمس الصباح الشاحبة مقصورة الدبابة ووجه "بول". تنفس بعمق ثم زفر، فخرج أنفاسه على هيئة بخار بسبب برودة الجو.
بقفزة رشيقة، لامست قدماه الرصيف المرصوف بالحصى. نظر حوله، متأملاً التشكيل الضخم للدبابات في الساحة، وراقب "هاسو" وهو يقترب من خلف مركبته.
قال "هاسو" وهو يدنو من "بول": "هذا رائع حقاً".
أجاب "بول" وهو يتفحص ساعته: "بالتأكيد". ثم أردف وهو ينظر إلى "هاسو" الذي أطلق لحية خفيفة منذ بدء الحملة: "أرسلوا المشاة، أريد أن تكون المنطقة مطهرة وآمنة تماماً عند وصول الجنرال".
"علم وينفذ سيدي". أدى "هاسو" التحية العسكرية قبل أن يستدير لتنفيذ الأوامر.
وسرعان ما وصلت عشرات الشاحنات العسكرية الألمانية والإسبانية إلى الساحة الفسيحة، حيث نزل الجنود في طوابير مستمرة، وتجمعوا في تشكيلات منظمة غطت الساحة. ومع انطلاق صوت صفير حاد، اقتحم مئات الجنود بوابات القصر العظيم رافعين بنادقهم.
أشعل "بول" سيجارة، وراقب الموقف بعينين صقريتين. وعندما بلغت الشمس كبد السماء، كان المبنى قد أُخلي تماماً من أي مسلحين أو أنصار لا يزالون يختبئون في الداخل.
اقترب رقيب في منتصف العمر من "بول"، وأدى التحية قائلاً: "سيدي، لقد تم إخلاء المبنى بالكامل، وهو جاهز للتفتيش".
أومأ "بول" برأسه: "أحسنت يا رقيب".
ألقى سيجارته أرضاً ودهسها، ثم سار عبر أروقة القصر الإسباني الفخمة؛ حيث الذهب، والسجاد الفاخر، واللوحات الفنية -أو ما تبقى منها-؛ فقد نُقلت معظم الكنوز والنفائس مع العائلة المالكة التي، رغم ادعائها الحياد، لم تكن في نهاية المطاف في صفهم.
أنهى "بول" جولته الاستطلاعية مع وصول رتل من الشاحنات والدبابات أمام القصر، حيث ترجل الجنرال "سبيرل" من إحداها. استقبله "بول" عند المدخل، وتصافح القائدان قبل أن يلوجا إلى القصر لمناقشة الخطوات التالية الحاسمة.
-------------------------------------
ستنتهي أحداث الحرب الأهلية الإسبانية قريباً...
شكراً لكم جميعاً على دعمكم! أقدر كل حجر طاقة، وكل تعليق، وكل مراجعة.