الفصل السابع: أحلام الكامب نو 2
كان حفل ما قبل المباراة مشهداً فاق حتى أكثر توقعات ماتيو جموحاً.
دوّى نشيد برشلونة في أرجاء الملعب، وانضم إليه ما يقارب مئة ألف صوت في انسجام تام، مُشكّلاً جداراً صوتياً هزّ أركان المبنى. وعندما خرج اللاعبون أخيراً من النفق كان الضجيج صاخباً لدرجة الصمم.
راقب ماتيو بانبهار أبطاله وهم يؤدون تمارين الإحماء. حيث كانت لمسة رونالدينيو أكثر سحراً على أرض الواقع، إذ بدت الكرة وكأنها تستجيب لكل نزواته بدقة خارقة.
كانت تمريرات تشافي دقيقة كالإيقاع، وكل كرة تصل إلى هدفها بدقة ساعة سويسرية. أما إنييستا... فكانت حركته رشيقة لدرجة جعلت كرة القدم تبدو كرقص الباليه.
لكن خلال المباراة نفسها أدرك ماتيو حقاً ما كان يشاهده. لم تكن مجرد لعبة، بل كانت فناً متحركاً.
الطريقة التي حرك بها برشلونة الكرة، والأنماط المعقدة لتمريراتهم، والطريقة التي خلقوا بها المساحات واستغلوا نقاط الضعف - كان الأمر أشبه بمشاهدة درس رئيسي في فلسفة كرة القدم.
"هل ترى كيف يلعبون؟" سأل دون كارلوس خلال سلسلة جميلة بشكل خاص انتهت بهدف من إيتو.
أومأ ماتيو برأسه، وعيناه لا تفارقان أرض الملعب. ولاحظ قائلاً "إنهم لا يمررون الكرة فحسب، بل يجعلونها ترقص".
كانت تلك الرؤية رائعة بالنسبة لطفل يبلغ من العمر سبع سنوات، لكنها التقطت شيئاً أساسياً عن أسلوب برشلونة.
كان هذا هو أسلوب التيكي تاكا في أنقى صوره، فلسفة الاستحواذ التي جعلت النادي مشهوراً في جميع أنحاء العالم. كل تمريرة كانت لها غاية، وكل حركة كانت محسوبة، وكل قرار كان يُتخذ مع وضع المصلحة الجماعية في الاعتبار.
ومع تقدم المباراة، وجد ماتيو نفسه يحلل المباراة بكثافة أثارت دهشة دون كارلوس.
لم يكن الصبي يكتفي بالمشاهدة فحسب، بل كان يدرس ويستوعب كل تفاصيل كيفية تمركز اللاعبين، وكيفية تواصلهم، وكيفية حلهم للألغاز التكتيكية التي طرحها خصومهم.
قال ماتيو فجأة، مشيراً إلى لاعب خط الوسط الإسباني الذي كان يستلم الكرة على بُعد ثلاثين ياردة من المرمى "إنييستا سيقوم بالمرور".
نظر دون كارلوس إلى أرض الملعب، ولم يرَ شيئاً يشير إلى فرصة تسجيل فورية.
كان لدى بيتيس ثمانية لاعبين متمركزين خلف الكرة، وبدا أن خيارات إنييستا محدودة. ولكن بينما كان يراقب، تطورت اللعبة تماماً كما توقع ماتيو.
انطلق إنييستا للأمام، جاذباً المدافعين نحوه، ثم مرر تمريرة متقنة إلى رونالدينيو الذي وجد مساحة في منطقة الجزاء. حيث كانت تسديدة البرازيلي حاسمة، وانفجر ملعب كامب نو فرحاً.
سأل دون كارلوس مندهشاً "كيف عرفت؟"
هزّ ماتيو كتفيه، كما لو أن الإجابة بديهية. "رأيت المساحة تتسع. إنييستا رآها أيضاً - كان ينتظر اللحظة المناسبة."
كانت القدرة على قراءة اللعبة على هذا المستوى المتطور أمراً استثنائياً، لكن ما أثار إعجاب دون كارلوس أكثر هو رد فعل ماتيو العاطفي على ما كان يشاهده.
لم يكن الصبي يستمتع بالمشهد فحسب، بل كان يستلهم منه. فمع كل تمريرة رائعة، وكل لحظة من التألق الفردي، وكل مثال على التميز الجماعي، بدت عزيمة ماتيو تزداد قوة.
خلال فترة الاستراحة بين الشوطين، وبينما كانا يتناولان شطيرة ويشاهدان أبرز اللقطات على شاشات الملعب، التفت ماتيو إلى دون كارلوس بتعبير يدل على اليقين المطلق.
قال "سألعب هنا يوماً ما، وبعد ذلك سألعب مع منتخب إسبانيا".
أجاب دون كارلوس "أعتقد أنك ستفعل". وكان صادقاً في كلامه. حيث كان هناك شيء ما في ثقة الصبي الهادئة، وموهبته الواضحة، وفهمه العميق للعبة، جعل مثل هذه الأحلام تبدو ليست ممكنة فحسب، بل حتمية.
جلب الشوط الثاني المزيد من السحر، ولحظات تألقٍ عززت كل ما تعلمه ماتيو عن فلسفة برشلونة. وعندما أُطلقت صافرة النهاية واحتفل اللاعبون بفوزهم 3-0، بقي ماتيو في مقعده، رافضاً انتهاء هذه التجربة.
𝕧.
قال لدون كارلوس بينما كانوا يستعدون للمغادرة "شكراً لك. حيث كان هذا أفضل يوم في حياتي".
"إنها مجرد البداية يا صغيري"، أكد له دون كارلوس. "هذه مجرد البداية."
وبينما كانوا يشقون طريقهم للخروج من الملعب، منضمين إلى سيل المشجعين الراضين العائدين إلى ليل برشلونة، تشبث ماتيو بكرة قدمه أكثر من أي وقت مضى.
لقد تبلورت الأحلام التي كانت تتشكل في ذهنه لأشهر إلى شيء ملموس وقابل للتحقيق. ولقد رأى الطريق إلى مستقبله، والذي يقوده عبر أروقة لاماسيا العريقة إلى ملعب كامب نو، وصولاً إلى المنتخب الإسباني.
كانت رحلة العودة بالحافلة إلى كاسا دي لوس نينوس هادئة، وكان كلاهما غارقاً في أفكاره.
كان دون كارلوس يضع بالفعل خططاً ذهنية، ويفكر في المكالمات الهاتفية التي سيحتاج إلى إجرائها، والعلاقات التي سيحتاج إلى تفعيلها لمنح ماتيو الفرص التي تستحقها موهبته.
لقد أظهر له الصبي شيئاً مميزاً اليوم – ليس مجرد مهارة أو شغف، بل برؤية. القدرة على رؤية ليس فقط ما هو موجود، بل ما يمكن أن يكون.
بالنسبة لماتيو كانت رحلة العودة إلى المنزل وقتاً للتأمل والتخطيط. أعاد في ذهنه كل لحظة من المباراة، محللاً التحركات والقرارات التي أدت إلى كل هدف، وكل هجمة رائعة.
فكر في اللاعبين الإسبان الذين رآهم على الشاشة قبل المباراة، وتخيل نفسه بينهم، يرتدي القميص الأحمر بنفس الفخر والعزيمة.
عندما عادوا أخيراً إلى دار الأيتام كان الأطفال الآخرون ينتظرون بفارغ الصبر لسماع ما حدث.
وصف ماتيو الأجواء والأهداف والمهارة المذهلة للاعبين، لكنه احتفظ بأفكاره العميقة لنفسه. حيث كان حلم اللعب لإسبانيا ثميناً للغاية، وأهم من أن يُفصح عنه بسهولة.
في تلك الليلة، بينما كان مستلقياً على سريره الضيق وكرة قدمه بجانبه، حدّق ماتيو في السقف وعقد على نفسه سلسلة من الوعود. سيتدرب بجدٍّ أكثر من أي شخص آخر. سيتعلم كل ما يمكن معرفته عن اللعبة. لن يستسلم أبداً، مهما اشتدت الصعاب.
وفي يوم من الأيام، بطريقة أو بأخرى، سيرتدي القميص الأحمر لإسبانيا ويجعل بلاده فخورة به.
لقد وُلد الحلم في ملعب كامب نو، وتغذّى بسحر كرة القدم في برشلونة وإلهام أبطال إسبانيا. والآن، يقع على عاتق ماتيو تحويله إلى حقيقة.
من نافذته كانت أضواء برشلونة تتلألأ في الأفق، وفي مكان ما من المدينة، يقف ملعب كامب نو شامخاً صامتاً، منتظراً الجيل القادم من الحالمين ليكتشفوا مصيرهم. ووجد ماتيو ألفاريز ضالته، ولن يثنيه شيء في العالم عن السعي وراءها.
الفتى الذي دخل الملعب يتيماً موهوباً، خرج منه وقد أصبح نجماً صاعداً ذا رؤية واضحة لمصيره. وبدأت رحلته الجادة إلى لاماسيا، ثم إلى برشلونة، وأخيراً إلى المنتخب الإسباني.
وفي أحلامه تلك الليلة كان ماتيو موجوداً بالفعل، يرقص والكرة بين قدميه وآمال أمة على كتفيه.