الفصل السادس: أحلام ملعب كامب نو 1
كان الترقب يتزايد على مدى أسابيع.
تمكن دون كارلوس من الحصول على تذكرتين لمباراة نادي برشلونة ضد ريال بيتيس، واختار ماتيو لمرافقته إلى ملعب كامب نو.
بالنسبة لصبي يبلغ من العمر سبع سنوات كان عالمه كله يدور حول كرة القدم، فإن فرصة مشاهدة أبطاله يلعبون شخصياً كانت بمثابة كنز ثمين.
لم ينم ماتيو إلا قليلاً في الليلة السابقة، وكان عقله يعج بالإثارة والدهشة.
لقد شاهد الملعب الضخم على شاشة التلفزيون مرات لا تحصى، لكن فكرة التواجد هناك بالفعل، والتنفس في نفس الهواء الذي يتنفسه رونالدينيو وتشافي وإنييستا، بدت وكأنها ضرب من الخيال.
أشرق صباح يوم المباراة مشرقاً وصافياً، مع ذلك النوع من هواء الخريف المنعش الذي جعل برشلونة تشعر بأنها تنبض بالحياة والإمكانيات.
ارتدى ماتيو ملابسه بعناية فائقة، قميصاً أبيض بسيطاً وبنطالاً داكناً قامت الأخت ماريا إيلينا بكيّهما خصيصاً لهذه المناسبة. وارتدى حول عنقه وشاحاً صغيراً عليه شعار برشلونة، أهداه إياه أحد الأطفال الأكبر سناً كتميمة حظ.
"هل أنت مستعد يا صغير؟" سأل دون كارلوس بينما كانوا يستعدون لمغادرة كاسا دي لوس نيñوس.
أومأ ماتيو برأسه وهو يضم كرة قدمه إلى صدره. و لقد أصرّ على إحضارها، رغم اقتراح دون كارلوس اللطيف بتركها في المنزل. أصبحت الكرة رفيقته الدائمة، وشعر أن فكرة عيش لحظة مهمة كهذه بدونها أمر غير منطقي.
أخذتهم الرحلة إلى ملعب كامب نو عبر قلب برشلونة، مروراً بالحي الغوتي وعلى طول الشوارع الواسعة التي كانت تنبض بطاقة يوم المباراة.
ضغط ماتيو وجهه على نافذة الحافلة، يراقب المدينة وهي تتغير من حولهم. و خرج المشجعون الذين يرتدون الخطوط الزرقاء والحمراء المميزة من محطات المترو والشوارع الجانبية، وقد ارتفعت أصواتهم بأغانٍ بدأ ماتيو يتعرف عليها.
قال دون كارلوس وهو يشير إلى الأمام بينما كانوا يدورون حول الزاوية "انظر، ها هو ذا".
انحبس نفس ماتيو في حلقه.
ارتفع ملعب كامب نو أمامهم كالمدرج الروماني الحديث، بهيكله الخرساني الضخم المهيب والجميل في آن واحد. بدا الملعب وكأنه ينبض بالحياة، جاذباً آلاف الحجاج نحو بواباته بقوة مغناطيسية تقريباً.
همس ماتيو بصوت مليء بالرهبة "إنه ضخم للغاية".
أكد دون كارلوس قائلاً "إنها الأكبر في أوروبا. ويمكن أن تتسع لما يقرب من مائة ألف شخص".
وبينما كانوا يقتربون من الملعب، وجد ماتيو نفسه منجرفاً في نهر من الناس المتدفق نحو المداخل.
سارت العائلات معاً، والآباء يحملون أطفالهم الصغار على أكتافهم، ومجموعات من الأصدقاء يغنون أغاني برشلونة التقليدية. حيث كان الجو حماسياً، مشحوناً بالشغف الجماعي للمشجعين الذين يعيشون ويتنفسون من أجل ناديهم.
لكنّ العروض الترفيهية التي سبقت المباراة هي التي أسرت خيال ماتيو حقاً. فعلى الشاشات العملاقة خارج الملعب، عُرضت لقطات من مباريات إسبانيا الدولية الأخيرة بشكل متكرر.
راقب ماتيو بانبهار تشافي وهو يُدير اللعب من خط الوسط، حيث كانت تمريراته تصل إلى زملائه بدقة متناهية. أما إنييستا، فقد كان ينساب من فوق المدافعين وكأنهم واقفون بلا حراك، وكان تحكمه الدقيق بالكرة وتوازنه يُثيران الدهشة.
ثم جاءت اللحظة التي ستغير كل شيء.
امتلأت الشاشة بصور المنتخب الإسباني وهو يحتفل بفوزه الأخير، واللاعبون يرتدون العلم الأحمر والأصفر وهم يحيون الجماهير بحفاوة بالغة. حيث ركزت الكاميرا على وجوه اللاعبين، لتلتقط الفرحة والفخر الغامرين اللذين غمرهم لتمثيل بلادهم على أعلى مستوى.
شعر ماتيو بشيء يتحرك في أعماق صدره، شوقٌ جارفٌ كاد يخطف أنفاسه. وبدون تفكير، أشار إلى العلم الإسباني على الشاشة، ثم وضع يده الصغيرة على قلبه.
قال لدون كارلوس بصوت بالكاد يُسمع وسط ضجيج الحشد "هذا ما أريد فعله".
تتبّع دون كارلوس نظرات ماتيو إلى الشاشة، حيث كان اللاعبون الإسبان يُنشدون نشيدهم الوطني ودموع الفخر تملأ عيونهم. و أدرك فوراً ما قصده الصبي، فارتجف جسده من هول الإدراك.
سأل دون كارلوس بلطف "هل تريد اللعب لبرشلونة؟"
هزّ ماتيو رأسه، وعيناه مثبتتان على الشاشة. و قال بثقة هادئة باتت سمة مميزة له "أريد أن ألعب لإسبانيا. أريد أن أرتدي هذا القميص وأجعل الناس فخورين بي".
كان الإعلان معلقاً في الهواء بينهما، عميقاً في بساطته. و لقد سمع دون كارلوس العديد من الأطفال يعبرون عن أحلامهم باللعب في كرة القدم الاحترافية، لكن هذا كان مختلفاً.
لم يكن ماتيو يتحدث عن الشهرة أو المال أو حتى مجد اللعب لأكبر أندية العالم. بل كان يتحدث عن شيء أعمق وأكثر جوهرية – الرغبة في تمثيل بلاده، وأن يكون جزءاً من شيء أعظم منه.
قال دون كارلوس بحذر "هذا حلم كبير جداً يا صغيري".
أجاب ماتيو "أعلم ذلك. ولكنني أعلم أيضاً أن برشلونة هي الطريق إلى هناك. انظر إليهم: تشافي، إنييستا، بويول. وجميعهم تخرجوا من لاماسيا، والآن يلعبون مع إسبانيا. وإذا استطعت الوصول إلى برشلونة، إذا استطعت التعلم منهم..."
لم يُكمل جملته، لكنه لم يكن بحاجة لذلك. حيث كان دون كارلوس يرى الخطة بأكملها تتشكل في ذهن الصبي، المسار من دار الأيتام إلى لاماسيا إلى كامب نو إلى المنتخب الإسباني. حيث كانت الخطة طموحة للغاية، لكن ماتيو تحدث عنها بنبرة عادية كمن يتحدث عن الطقس.
وبينما كانوا يشقون طريقهم إلى الملعب، بلغ حماس ماتيو ذروته.
كانت الممرات مكتظة بالمشجعين، وكان الهواء يفوح برائحة الطعام وأصوات عشرات المحادثات المختلفة.
كان الباعة يبيعون الأوشحة والأعلام، وتتنافس أصواتهم مع الضجيج المحيط لتسعين ألف شخص يستعدون لتسعين دقيقة من الحماس.
كانت مقاعدهم في المدرجات العلوية، لكن المنظر كان خلاباً. و امتدت أرض الملعب تحتهم كبساط أخضر مثالي، وكان العشب في غاية النضارة لدرجة أنه بدا وكأنه يتوهج تحت أضواء الملعب. لم يرَ ماتيو في حياته شيئاً بهذه الروعة.
قال دون كارلوس وهو يجلس في مقعده بجانب الصبي المفتون "هنا تتحقق الأحلام".
"لا" صحّح ماتيو كلامه، وعيناه تجوبان النفق الذي سيخرج منه اللاعبون قريباً. "هنا تبدأ الأحلام".