الفصل 370: العودة في طيران الإمارات 1
كانت الرحلة إلى لندن مألوفة، لكن بالنسبة لماتيو كان الأمر مختلفاً. فلم يكن مجرد راكب، بل عاد لاعباً. أصبح جزءاً من الفريق، جزءاً من المعركة. لقد تبدد الإحباط والشعور بالعجز اللذان خيما على الأسبوعين الماضيين، وحلّ محلهما شعور من الترقب والحماس. لقد عاد أخيراً.
كان ملعب الإمارات، معقل نادي أرسنال، ساحةً رائعة، أشبه بكاتدرائية حديثة لكرة القدم. كان مختلفاً تماماً عن أجواء إسطنبول الصاخبة، لكنه يتمتع بجوّه الفريد، وإحساسه بالتاريخ والتقاليد، وحبه العميق والمستمر للعبة الجميلة.
كان ماتيو، جالساً على مقاعد البدلاء، يستمتع بكل لحظة. شاهد الفريقين وهما يجريان الإحماء، واستمع إلى هتافات الجماهير، وشعر بحماس ليلةٍ عظيمة في دوري أبطال أوروبا. كان يتوق بشدةٍ للتواجد هناك، ليكون جزءاً من الحدث، ليلمس الكرة بقدميه. لكنه كان يعلم أنه يجب أن يتحلى بالصبر. كان عليه أن ينتظر لحظته.
---
كان الشوط الأول حذراً وتكتيكياً. شكّل آرسنال، بتمريراته السلسة وتحركاته الذكية، خصماً عنيداً. سيطر على الاستحواذ، وفرض إيقاعه، واستغلّ نقاط ضعف دفاع دورتموند. لكن دورتموند، بانضباطه وتنظيمه، صمد بثبات. اكتفى بترك الكرة لآرسنال، والتراجع إلى الخلف، وامتصاص الضغط، ثم شنّ هجمات مرتدة خاطفة.
كانت معركة تكتيكية رائعة، أشبه بمباراة شطرنج بين اثنين من أفضل المدربين في العالم. لكنها لم تكن مباراة استعراضية. كانت الفرص نادرة، والمباراة متوترة ومتقاربة.
في نهاية الشوط الأول كانت النتيجة لا تزال 0-0. كان كلوب هادئاً في غرفة الملابس. كان يعلم أن المباراة تسير وفقاً للخطة. كان يعلم أن آرسنال، رغم استحواذه على الكرة، لم يخلق أي فرص حقيقية للتسجيل. وكان يعلم أنه مع مرور الوقت، ومع ازدياد حاجة آرسنال الماسة إلى هدف، سيتركون مساحات في الدفاع، مساحات يمكن لدورتموند استغلالها.
قال للاعبيه "تحلّوا بالصبر، والتزموا بالانضباط، وعندما تحين اللحظة، كونوا حاسمين".
---
بدأ الشوط الثاني على نفس منوال الشوط الأول. سيطر أرسنال على مجريات اللعب، لكن دورتموند صمد. ثم في الدقيقة 62، سجل أرسنال هدفاً. لحظة تألق فردي من نجم خط وسطهم، بتسديدة صاروخية بعيدة المدى استقرت في الزاوية العليا للمرمى. 1-0.
انفجرت مدرجات ملعب الإمارات بالهتافات. جماهير أرسنال التي كانت تتزايد إحباطاتها، أصبحت الآن تهتف بأعلى صوتها. لقد تغير مسار المباراة. لقد تغيرت مجريات اللعب.
لم يذعر كلوب، الجالس على خط التماس. لقد رأى هذا من قبل. كان يعلم أن فريقه يمتلك الشخصية، والمرونة، والجودة اللازمة للعودة. وكان يعلم أيضاً أن لديه سلاحاً سرياً على مقاعد البدلاء.
في الدقيقة 68، التفت إلى ماتيو وقال "حان الوقت". وعيناه تشتعلان بحماسة مألوفة. "انزل إلى الملعب وغيّر مجرى المباراة".
شعر ماتيو باندفاع الأدرينالين. لقد حانت اللحظة. عودته. خلع بذلته الرياضية، وأخذ نفساً عميقاً، وركض إلى أرض الملعب، وصدى هتافات الجماهير يتردد في أذنيه. لقد عاد إلى مكانه الطبيعي.
---
كانت لمسته الأولى بسيطة، تمريرة قصيرة لزميله. لكنها كانت لمسة تحمل رسالة. رسالة هدوء وثقة، رسالة لاعب لم يرهب الموقف. لقد جاء ليلعب، ليصنع الفرص، ليفوز.
ومنذ تلك اللحظة، تغير مجرى المباراة. كان ماتيو كإعصار من الحركة، كطيف من الأصفر والأسود، يلتف ويدور، ويخلق مساحاتٍ حيث لا وجود لها. كان كالشبح، كالخيال، لاعباً يستحيل مراقبته. لاعبو أرسنال الذين كانوا مرتاحين لفترة طويلة، أصبحوا الآن في حالة ذعر.
في الدقيقة 75، صنع هدف التعادل. استلم الكرة في وسط الملعب، وتجاوز مدافعيه بمهارة فائقة، ثم انطلق للأمام، وعيناه مثبتتان على دفاع آرسنال. رأى ثغرة، مساحة ضيقة بين قلبي الدفاع. ورأى أوباميانغ يندفع بسرعة خاطفة.
مرر كرة بينية متقنة ومُحكمة، اخترقت دفاع آرسنال كالمشرط الجراحي. وانطلق أوباميانغ بسرعة خاطفة، وسيطر عليها بلمسة واحدة، ثم سددها بهدوء في الزاوية السفلية للمرمى، بينما كان الحارس يندفع للخارج. تعادل 1-1.
احتفل لاعبو دورتموند بحماسٍ شديد، وهتفوا بتحدٍّ في وجه جماهير أرسنال المذهولة. لقد فعلوها. لقد قلبوا تأخرهم، على ملعب الإمارات، ضد أحد أفضل الفرق في أوروبا. وكان ماتيو، الفتى الذي غاب عن الملاعب لمدة أسبوعين، هو من صنع تلك اللحظة الساحرة.
---
لكن لم يكتفِ بذلك. فلم يكن راضياً بالتعادل. أراد الفوز. أراد أن يوجه رسالة. أراد أن يُظهر للعالم أنه عاد، وأنه أفضل من أي وقت مضى.
وفي الدقيقة 88، قدم لمحة عبقرية أخرى. استلم الكرة على حافة منطقة الجزاء، محاطاً بثلاثة مدافعين من أرسنال.
بحركة خفيفة من وركيه وانحناءة من كتفه، خلق لنفسه مساحة. ثم بلحظة من الجرأة الخالصة، رفع الكرة بمهارة فوق دفاع الخصم المندفع. كانت تمريرة رائعة، لحظة برؤية لم يلحظها أحد في الملعب.
كان ماركو رويس الذي قام بانطلاقة ذكية داخل منطقة الجزاء، الوحيد الذي توقع ذلك. استقبل الكرة بتسديدة مباشرة، لتستقر في الشباك. 2-1.
انفجر لاعبو دورتموند وطاقمهم في موجة من الفرح. لقد فعلوها! لقد قلبوا الطاولة على ملعب الإمارات، ليتقدموا في النتيجة. كان انتصاراً للعزيمة، للصمود، لفريقٍ رفض الاستسلام. وكان انتصاراً قاده ببراعةٍ مايستروهم الشاب، قائدهم الصامت، موهبتهم الفذة ذات السبعة عشر عاماً.