الفصل 369: ندرة الإصابات يي
مع استمراره في إعادة التأهيل، وجد هدفاً جديداً. فلم يكن يسعى فقط للعودة إلى الملعب، بل كان يعمل على أن يصبح لاعباً أفضل وأقوى وأكثر تكاملاً.
أمضى ساعاتٍ طويلة في غرفة الفيديو، يدرس أداءه، ويحلل نقاط ضعفه، ويحدد المجالات التي تحتاج إلى تحسين. عمل مع علماء الرياضة في النادي، مركزاً على قوته ولياقته البدنية وحركته. حيث كان مصمماً على تحويل هذه النكسة إلى فرصة، وهذا الجانب السلبي إلى جانب إيجابي. "من كل شرٍّ يأتي خير"، كما يقول المثل.
ومع مرور الأيام وتحولها إلى أسابيع، بدأ يشعر بتحسن. أصبح كاحله أقوى، وخف الألم، وعادت إليه ثقته بنفسه. حيث كان على طريق التعافي، وكان أكثر عزماً من أي وقت مضى على العودة أفضل وأقوى وأكثر سيطرة من ذي قبل.
كانت الإصابة بمثابة صدمة، وتذكيراً بهشاشة مسيرته المهنية. ولكنها كانت أيضاً درساً واختباراً وحافزاً للنمو. وبينما كان يتطلع إلى عودته، وإلى التحديات التي تنتظره، كان يعلم أنه مستعد. حيث كان مستعداً لمواجهة أي شيء قد يخبئه له العالم، بقوة جديدة ومرونة جديدة وتقدير جديد للعبة التي يعشقها. "بعد الضيق يأتي الفرج".
---
كان الأسبوعان التاليان فترةً رتيبةً ومحبطةً، ولكنها في الوقت نفسه مثمرةً بشكلٍ غريبٍ بالنسبة لماتيو. فقد تحوّل الإحباط الأولي من الإصابة إلى عزيمةٍ فولاذية. وانخرط في إعادة تأهيله بنفس الشدة والتركيز اللذين كانا يظهرانهما في ملعب كرة القدم. وأصبح قسم العلاج الطبيعي في النادي بمثابة بيته الجديد، وأصبحت التمارين والعلاجات جزءاً لا يتجزأ من برنامجه التدريبي الجديد.
كانت أيامه عبارة عن روتين منظم من الألم والتقدم. حيث كان يقضي الصباح في حوض العلاج المائي، حيث كان الماء يدعم وزنه أثناء قيامه بسلسلة من الحركات اللطيفة المصممة لاستعادة حركة كاحله.
كانت فترة ما بعد الظهر مزيجاً شاقاً من تمارين تقوية العضلات، وتمارين التوازن، وتدليك الأنسجة العميقة. ولقد كانت عملية بطيئة ومضنية، ولكن مع مرور كل يوم كان يشعر بأن كاحله يزداد قوة، والألم يتلاشى، والأمل يعود إليه. "القليل الدائم خير من الكثير المؤقت".
كان لوكاس مصدر دعم وتشجيع دائمين لماتيو. حيث كان يزوره في غرفة العلاج الطبيعي بعد انتهاء تدريباته، ويحضر له الطعام، ويحكي له قصصاً عن الفريق، وكان صديقاً وفياً بكل معنى الكلمة. حيث كان يعلم مدى كره ماتيو للجلوس على مقاعد البدلاء، وكان يبذل قصارى جهده لرفع معنوياته.
"كان يجب أن تروا كلوب اليوم" قال لوكاس في إحدى الظهيرات، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة. "كان يحاول شرح تمرين ضغط جديد، وانتهى به الأمر بالتعثر بقدميه. حيث كان الفريق بأكمله يضحك بشدة."
ابتسم ماتيو ابتسامةً صادقةً نابعةً من القلب. حيث كانت لحظاتٌ كهذه، هذه اللمحات الصغيرة من حياة الفريق، هي ما تُبقيه صامداً. حيث كانت تُذكره بأنه ما زال جزءاً منه، وأنه لم يُنسَ، وأن إخوته ينتظرونه. "الضحكة تذهب الهم".
---
استغلّ هذا الوقت للتركيز على دراسته. فمع عدم وجود مباريات يستعدّ لها، أصبح لديه متسع من الوقت لتخصيصه لواجباته المدرسية. أنجز واجباته المتأخرة، وراجع دروسه استعداداً للامتحانات القادمة، بل وبدأ بقراءة أجزاء متقدمة من كتاب الفيزياء. واكتشف أنه يستمتع حقاً بتحدّي التعلّم، وفهم المفاهيم المعقدة، وتنشيط ذهنه بطريقة مختلفة.
أدرك قيمة كلمات السيد شميدت من جديد. حيث كان عقله كالعضلة، وكان مصمماً على تدريبه وتقويته وجعله حاداً كذكائه الكروي. وأدرك أن كونه إنساناً متكاملاً، وشخصاً متكاملاً، لا يقل أهمية عن كونه لاعب كرة قدم عظيماً. "العقل السليم في الجسم السليم".
---
مع اقتراب نهاية الأسبوع الثاني، سُمح لماتيو بالبدء في التدريبات الخفيفة على أرض الملعب. حيث كان ذلك بمثابة إنجاز كبير، وخطوة هامة في رحلة تعافيه. وشعر بموجة من الحماس وهو يربط حذاءه، وكان ملمس الجلد المألوف شعوراً مريحاً. وطأت قدماه أرضية ساحة التدريب الخضراء، ورائحة العشب، وشعور الكرة بين قدميه - كان الأمر أشبه بالعودة إلى الوطن.
بدأ ببعض الجري الخفيف، ثم ببعض تمارين التمرير اللطيفة، ثم ببعض الحركات الأكثر ديناميكية. وشعر أن كاحله بخير. حيث كان متيبساً بعض الشيء، ومؤلماً قليلاً، لكنه كان قوياً. وشعر بالثقة تعود إلى جسده، وحلّ شعور بالترقب والحماس محل الشك والخوف. "من جد وجد".
راقبه كلوب من على خط التماس، وعلى وجهه ابتسامة فخر أبوية. ولقد أعجب باحترافية ماتيو، وتفانيه، وعزيمته الراسخة. رأى مدى الجهد الذي بذله، والتضحيات التي قدمها، ومدى رغبته في العودة إلى أرض الملعب. وكان يعلم أن نجمه الشاب جاهز.
---
في ذلك المساء، استدعى كلوب ماتيو إلى مكتبه. وقال وعيناه تلمعان "لديّ بعض الأخبار السارة لك. أنت ضمن تشكيلة الفريق لمباراة أرسنال".
قفز قلب ماتيو فرحاً. فلم يكن يتوقع ذلك. ظنّ أنه سيحتاج على الأقل إلى أسبوع آخر من التدريب، ومباراة ودية أخرى، وفرصة أخرى لإثبات لياقته. ولكن كلوب رأى ما يكفي. رأى الشغف في عينيه، والحماس في قلبه، والمهارة في قدميه. وعرف أن ماتيو جاهز.
"لن تبدأ المباراة أساسياً" تابع كلوب بنبرة أكثر جدية. "لكنك ستكون على مقاعد البدلاء. وإذا احتجنا إليك، إذا كانت المباراة متقاربة، إذا احتجنا إلى لحظة سحرية، فلن أتردد في إشراكك. هل تفهم؟"
أومأ ماتيو برأسه، وعلى وجهه ابتسامة عريضة. ولقد فهم الأمر تماماً. ولقد عاد. ولقد عاد إلى مكانه الصحيح. ولقد عاد إلى الفريق، عاد إلى المعركة، عاد إلى قلب الحدث.
بينما كان يغادر مكتب كلوب، شعر بنشوة عارمة، بفرحة عميقة. ولقد كان الأسبوعان الماضيان صعبين، لكنهما كانا أيضاً درساً قيماً. ولقد تعرّف على قوته، وقدرته على الصمود، وإمكاناته في التغلب على المصاعب. تعلّم أهمية الصبر والانضباط والتفكير الإيجابي. وتعلّم أنه ليس وحيداً، وأن لديه فريقاً وعائلة ونظام دعم سيكون دائماً بجانبه.
كانت الإصابة بمثابة صدمة، وتذكير بهشاشة مسيرته المهنية. ولكنها كانت أيضاً نعمة متنكرة، وحافزاً للنمو، ولحظة صفاء ذهني.
وبينما كان يتطلع إلى مباراة دوري أبطال أوروبا على ملعب الإمارات، وإلى مواجهة أحد أفضل الفرق في أوروبا لم يشعر بأي خوف. بل شعر فقط بالإثارة، والترقب، ورغبة جامحة في العودة إلى أرض الملعب وممارسة ما يُجيده: لعب كرة القدم، وصنع السحر، والفوز. "الهمة تعين على الهمام".