الفصل 341: ظل المهاجم 1
لم تكن المباراة الودية الأولى في جولة الصين بمثابة فوز ساحق، بل كانت أشبه بمحاولة فاشلة لاستعادة الإيقاع. ففي مواجهة فريق شينغهاي المحلي، حقق دورتموند فوزاً صعباً بنتيجة 1-0، لكن الأداء كان بعيداً كل البعد عن الإقناع.
كان غياب روبرت ليفاندوفسكي، اللاعب الذي أصبحت تحركاته وحسه الكروي جزءاً لا يتجزأ من الفريق، واضحاً للعيان. حيث كان الأمر أشبه بمحاولة قيادة أوركسترا بدون عازف الكمان الرئيسي، فالموسيقى لا تزال موجودة، لكن اللحن افتقر إلى حدته المعهودة.
وجد ماتيو، الذي كان يلعب في دوره المعتاد كصانع ألعاب، نفسه يبحث باستمرار عن التحركات غير الموجودة، والتحولات الدقيقة في المركز التي أتقنها ليفاندوفسكي.
كان بي إير إيمريك أوباميانغ، بسرعته الخاطفة وأسلوبه الباهر، مهاجماً من نوع مختلف تماماً. حيث كان كالفهد، لا كالنمر. حيث كان يبحث عن مساحات للركض فيها، لا عن تمريرات معقدة في مناطق ضيقة.
كانت هناك ومضات من التألق - انطلاقة خاطفة تركت مدافعين اثنين خلفه، وتسديدة قوية هزت العارضة - ولكن كانت هناك أيضاً لحظات من سوء التفاهم، وتمريرات ضائعة، وفهم جماعي ما زال قيد التطوير.
بعد المباراة، ساد الهدوء غرفة الملابس، في تناقض صارخ مع خطابات كلوب الحماسية المعتادة بعد المباريات. حتى كلوب نفسه بدا هادئاً، وقد خفتت حدة حماسه المعهودة. وقال بصوت هادئ "نحن نتعلم. نحن نتأقلم. وهذا ليس بالأمر السهل. ولكننا دورتموند. لا نسلك الطريق السهل."
لاحقاً، وخلال اجتماع الفريق، اتسمت المناقشات بالصراحة. تحدث اللاعبون بصراحة عن رحيل ليفاندوفسكي، والتحدي الذي يمثله، والفرص التي أتاحها. ماركو رويس، المعروف بواقعيته كان أول المتحدثين "كان ليفاندوفسكي لاعباً لا يُقهر. حيث كان يستحوذ على الكرة، ويربط اللعب، ويسجل الأهداف. نحتاج إلى إيجاد طريقة جديدة. أوباميانغ سريع، سريع بشكل لا يُصدق. علينا استغلال هذه الميزة."
أكد ماتيو، من خلال إشاراته، على أهمية العمل الجماعي والتكيف مع أسلوب أوباميانغ. "قوته تكمن في سرعته. علينا أن نمرر الكرات إلى المساحات الفارغة، وندعه يركض. علينا أن نوسع رقعة الدفاعات، ونخلق له ثغرات."
أومأ كلوب برأسه، وعيناه مثبتتان على ماتيو. "بالضبط يا ماتيو. أنت المفتاح لتحقيق ذلك. رؤيتك، وقدرتك على رؤية التمريرة قبل أي شخص آخر - سيكون ذلك حاسماً. سنلعب وفقاً لنقاط قوة أوباميانغ. وسنلعب وفقاً لنقاط قوتنا."
خلال الأيام القليلة التالية، أصبحت تجارب كلوب التكتيكية محور كل حصة تدريبية. جرب تشكيلات مختلفة، ومجموعات مختلفة من اللاعبين.
دفع ماتيو إلى الأمام في بعض الأحيان، مانحاً إياه حرية إبداعية أكبر، أشبه بدور المهاجم الوهمي، قبل أن يعيده إلى مركز صانع الألعاب، مؤكداً دوره كحلقة وصل أساسية بين خط الوسط والهجوم. انصب التركيز على التحولات السريعة، واستغلال سرعة أوباميانغ الخاطفة، وإحداث فوضى في دفاع الخصم.
أمضى ماتيو وأوباميانغ ساعاتٍ طويلة بعد التدريب الرسمي في تعزيز انسجامهما. حيث كان ماتيو يستخدم لغة الإشارة لشرح تفاصيل تمريراته والزوايا التي يفضلها. أما أوباميانغ، بحماسه المعدي، فكان يستمع بانتباه، ثم يُظهر تحركاته والمناطق التي يفضل استلام الكرة فيها. ولقد كانا بمثابة نصفي فريق هجومي متكامل، يتعلمان ببطء ولكن بثبات كيف يرقصان بتناغم تام.
"إنه مثل الصاروخ يا ماتيو" أشار أوباميانغ ذات مساء، وحرك يديه بسرعة مبالغ فيها. "كل ما عليك فعله هو إشعال الفتيل."
ابتسم ماتيو، وردّ بالإشارة.
"وأنت يا أوبا أنت الانفجار."
استغلت وسائل الإعلام، بطبيعة الحال الفرصة على أكمل وجه. وامتلأت الصفحات الرياضية بتقارير حول ميزانية انتقالات دورتموند التي تعززت بشكل ملحوظ ببيع ليفاندوفسكي. وانتشرت التكهنات حول اللاعبين المستهدفين المحتملين على نطاق واسع، حيث ارتبط اسم كل مهاجم واعد في أوروبا بالانتقال إلى ملعب سيغنال إيدونا بارك.
كان أوباميانغ، بصفته الخليفة المُعيّن، تحت رقابة مشددة. كل لمسة وكل تسديدة وكل فرصة ضائعة تم تحليلها ودراستها بدقة. وفي المقابل، حظي ماتيو بإشادة مستمرة لإبداعه في مركز صانع الألعاب، وقدرته على قيادة الفريق حتى عندما كان يكافح لإيجاد إيقاعه.
"ماتيو ألفاريز، المهندس المعماري الصامت" هكذا جاء في أحد عناوين الصحف الألمانية. "عقل دورتموند الجديد الذي يربط الماضي بالمستقبل."
وجد ماتيو هذا الاهتمام مُرضياً ومُقلقاً في آنٍ واحد. حيث كان مُمتناً لهذا التقدير، لكنه أدرك أن الجوائز الفردية لا قيمة لها تُذكر دون نجاح جماعي. ظل تركيزه مُنصباً على الفريق، وعلى مساعدة أوباميانغ على التأقلم، وعلى ضمان بقاء دورتموند قوةً لا يُستهان بها.
أظهر ماتيو أداءً استثنائياً باستمرار خلال التدريبات. حيث كانت تمريراته دقيقة وحاسمة، ورؤيته للملعب لا مثيل لها. بدا وكأنه يمتلك موهبة فطرية في إيجاد المساحات الفارغة، واختراق الدفاعات المتراصة بمهارة فائقة.
قدّم تمريرات حاسمة، وسجّل بنفسه بعض الأهداف الرائعة، مُظهِراً تنوّع مهاراته وجاهزيته لقيادة الهجوم. وبدأ أوباميانغ، مدفوعاً بإبداع ماتيو وتوجيهات كلوب الدؤوبة، في استعادة إيقاعه. أصبحت لمساته الأخيرة أكثر دقة، وتحركاته أكثر ذكاءً، وثقته بنفسه تتزايد مع كل هدف يُسجّله.
في إحدى الظهيرات، وخلال مباراة تدريبية شديدة الحماس، استلم ماتيو الكرة في عمق خط الوسط. ونظر للأعلى، فرأى أوباميانغ يركض قطرياً، وبدون تردد، مرر كرة بينية متقنة اخترقت دفاعين.
استغل أوباميانغ الفرصة، ولمس الكرة لمسة واحدة، ثم أطلق تسديدة صاروخية في الزاوية العليا للمرمى. اهتزت الشباك، ولم يكن أمام الحارس أي فرصة. كانت لحظة من التناغم الكروي الخالص، لمحة عن مستقبل هجوم دورتموند.
أطلق كلوب صافرته، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. "أجل! هذا ما أريد رؤيته! ماتيو، أوبا - رائعان!"
تبادل اللاعبان التحية بالأيدي، في إشارة صامتة إلى شراكتهما المتنامية. ما زال شبح ليفاندوفسكي حاضراً، لكنه بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله حيوية أوباميانغ المتفجرة وتناغم ماتيو الهادئ والذكي.
وسط التدريبات والمباريات المتواصلة كانت هناك لحظات من الانغماس الثقافي. وفي إحدى الأمسيات، استمتع الفريق بمأدبة صينية أصيلة. ماتيو الذي كان متردداً في البداية بشأن بعض الأطباق الغريبة، وجد نفسه مستمتعاً بالتجربة.
لوكاس، المغامر بطبعه، جرب كل شيء، مما أثار ضحك زملائه. زاروا سوقاً ليلياً صاخباً، تفوح منه رائحة التوابل وأصوات الباعة. ماتيو، بفضل مهاراته الملاحظة الدقيقة، وجد جمالاً في الفوضى المنظمة، فرسم وجوه الباعة وتفاصيل الأكشاك الدقيقة.
كانت هذه اللحظات، على الرغم من قصرها، بالغة الأهمية. فقد أتاحت للفريق فرصة الترابط والاسترخاء وخوض تجربة جديدة معاً. وكانت بمثابة تذكير بأن كرة القدم، رغم صعوبتها، هي أيضاً فرصة لاكتشاف العالم والتعرف على ثقافات مختلفة والنمو كأفراد.