الفصل 314: مُحدِّد اللقب الثاني
كان الملعب مشهداً من فوضى جميلة. اللاعبون والمدربون والطاقم، جميعهم كانوا يتعانقون ويبكون ويضحكون، وأصواتهم جوقة من الفرح والارتياح. أما المشجعون، المشجعون الرائعون المخلصون المتحمسون، فكانوا يغنون من أعماق قلوبهم، وأصواتهم مدوية تشيد بأبطالهم.
ماتيو، الفتى الذي رُفض، والذي انكسر قلبه، والذي استُبعد من المنافسة، أصبح البطل. وقد فعلها. وقد حقق حلمه. وبينما كان يُحمل على أكتاف زملائه، والدموع تنهمر على وجهه، أدرك أن هذه مجرد البداية. بداية عهد جديد، وسلالة جديدة، وأسطورة جديدة. أسطورة ماتيو ألفاريز، الفتى الذي غزا العالم.
لم يكن هدير الصافرة النهائية مجرد صوت، بل كان بمثابة تحرر جسدي، وموجة عارمة من المشاعر اجتاحت الملعب، مطهرةً القلق والخوف والشك، ولم تترك في أعقابها سوى فرحة خالصة لا تشوبها شائبة.
انهار لاعبو دورتموند على الأرض، منهكين جسدياً، ومخدرين بعقولهم بمزيج من الإرهاق والنشوة. وقد فعلوها. رغم كل الصعاب، ورغم آلة بايرن ميونخ الجبارة، ورغم ثقل تاريخهم وآلام ماضيهم القريب، فقد فعلوها. وقد أصبحوا أبطالاً.
استلقى ماتيو على ظهره، وكان العشب البارد بمثابة راحة مرحب بها لجسده المتألم، وحدق في السماء. الدموع التي كانت تتجمع في عينيه طوال الدقائق الأخيرة المؤلمة من المباراة انهمرت الآن بغزارة، حارة ومنعشة.
لقد حلم بهذه اللحظة طوال حياته، وتخيلها في ذهنه ألف مرة في شوارع برشلونة المتربة، وفي ممرات لاماسيا المعقمة، وفي غرفة السكن الجامعي المنعزلة في دورتموند. ولكن الواقع، الواقع القاسي، الجارف الذي يخطف الأنفاس كان أكثر مما تخيله على الإطلاق.
شعر بأيدٍ قوية تسحبه واقفاً. كان هوملز، القائد، ووجهه يعكس مزيجاً من الفرح والذهول. "لقد فعلناها يا فتى!" صاح بصوت عالٍ، وهو يحتضن ماتيو بقوة. "لقد فعلناها حقاً."
واحداً تلو الآخر، أحاط به زملاؤه، وأصواتهم تصدح بالحب والامتنان. ليفاندوفسكي الذي عانى طوال الموسم من وطأة رحيله الوشيك إلى بايرن، رفعه عالياً، ووجهه غارق بالدموع.
عانقه رويس، بطل المدينة، ببساطة، وجسده يرتجف من شدة التأثر. أما غروسكرويتز، المشجع الموجود في الملعب، فكان يصرخ بصوت أجش، وعيناه تفيضان فرحاً يكاد يكون فطرياً.
كلوب الذي اندفع إلى أرض الملعب كالمجنون، ونظارته مائلة، ووجهه صورة لشغف خالص لا تشوبه شائبة، وجد نفسه وسط الفوضى.
أمسك ماتيو من كتفيه، وعيناه تشتعلان بنارٍ مرعبة وجميلة في آنٍ واحد. صرخ قائلاً "لقد فعلتها!" بالكاد يُسمع صوته وسط هدير الحشد. "يا فتىً جميلاً، رائعاً، مجنوناً، لقد فعلتها!"
ضمّ ماتيو إلى حضنٍ دافئٍ كاد يكسر أضلاعه، حضنٌ كان بمثابة نقلٍ للطاقة، للحب، لإيمانٍ قويٍّ قادرٍ على تحريك الجبال. وفي تلك اللحظة، أدرك ماتيو أن كلوب كان أكثر من مجرد مدرب، وأكثر من مجرد مرشد. لقد كان قوةً جبارة، رجلاً قادراً على تحويل الأحلام إلى واقع، قادراً على تحويل الصبيان إلى رجال، والرجال إلى أبطال.
كان حفل تسليم الكأس أشبه بضباب من الأضواء الوامضة، والقصاصات الورقية، وهدير جماهير دورتموند الصاخب. وبينما كان كيل وفايدنفيلر، وهما من أقدم لاعبي الفريق، يرفعان كأس البطولة عالياً، انفجر الملعب فرحاً، وكان الصوت بمثابة انفجار مادي، نابض بالحياة، ومبهج، تجسد آمال المدينة وأحلامها التي تحققت.
عندما حان دور ماتيو لحمل الكأس، شعر بصدمة، بشعورٍ من عدم الواقعية. كان أثقل مما تخيل، جسدياً ونفسياً. كان ثقل موسم، ثقل عمر، ثقل حلم. رفعه عالياً، وعكست الفضة أضواء الملعب، وغمره هدير الجماهير، وشعر بشعورٍ من السلام، شعورٍ بالإنجاز، شعورٍ بإتمام رحلة.
فكّر في والدته، وفي التضحيات التي قدمتها، وفي إيمانها الراسخ به. فكّر في دون كارلوس، وفي الحكمة والإرشاد اللذين شكّلا شخصيته ليصبح الرجل الذي هو عليه الآن.
فكّر في إيزابيلا، وفي الحب الذي كان بمثابة مرساة له في العاصفة. وفكّر في المعجبين، المعجبين الرائعين، المخلصين، المتحمسين الذين أخذوا فتىً محطماً من أرض غريبة وجعلوه واحداً منهم.
كان هذا من أجلهم. وجميعهم.
لاحقاً، في غرفة الملابس كان الاحتفال فوضوياً وجميلاً، غارقاً في الشمبانيا. اللاعبون، وقد غمرتهم موجة النصر، غنوا ورقصوا وضحكوا، وأصواتهم جوقة من الفرح الخالص. تم تمرير كأس البطولة من يد إلى يد وكل لاعب يأخذ لحظة ليستشعر ثقلها، ويشعر بها، ويدرك حقيقتها.
كان ماتيو يجلس في ركنه، وقد لفّ منشفة حول كتفيه، وعلى وجهه ابتسامة رضا، يراقب المشهد ببساطة، مستمتعاً بكل لحظة. فلم يكن من هواة الشرب، ولا من محبي الاحتفالات الصاخبة. كانت فرحته هادئة، نابعة من أعماقه، شعور عميق بالسلام والرضا. لقد واجه أكبر اختبار في حياته، ولم يُقصّر. ونظر إلى هاوية الهزيمة وانتزع النصر من بين فكيها. وقد أصبح البطل.
مع انحسار الاحتفالات، وجد لحظة هادئة ليتفقّد هاتفه. كان مليئاً بالرسائل، لكن لم تكن هناك سوى رسالة واحدة مهمة. كانت من إيزابيلا.
أغمض عينيه، وكانت الكلمات بمثابة بلسمٍ مُهدئ لروحه المُنهكة. لقد كانت الرحلة طويلة وشاقة.
كان الطريق مليئاً بالعقبات والنكسات. ولكن في النهاية كان كل ذلك يستحق العناء. الألم، والنضال، والتضحية وكل ذلك قاد إلى هذه اللحظة. إلى هذا الشعور. إلى هذا النصر الكامل، الجميل، المجيد.
انتهت المباراة الحاسمة على اللقب. اجتاز الاختبار النهائي بنجاح باهر. وأصبح ماتيو ألفاريز، ذلك الفتى الذي قيل له إنه صغير جداً، ضعيف جداً، محطم جداً، البطل. العالم بين يديه. والمستقبل لوحة بيضاء تنتظره ليرسم عليها تحفته الفنية.