الفصل 313: مُحدِّد العنوان 1
كان الملعب الأولمبي في برلين أشبه بمرجل من الضجيج والتوتر. جماهير الفريق المضيف، بحرٌ من اللونين الأزرق والأبيض، كانت تهتف بأعلى صوتها، مصممة على لعب دورها في إحباط أحلام دورتموند في الفوز باللقب.
لكنّهم تضاهوا، بل وغطّى عليهم في بعض الأحيان، حشد "الجدار الأصفر" المتنقل، وهو ركن من الملعب كان شاهداً نابضاً بالحياة على شغف وولاء مشجعي بوروسيا دورتموند. ولقد سافروا بالآلاف، وقلوبهم مليئة بالأمل، وأصواتهم مبحوحة من فرط الترقب. ولقد حانت اللحظة. اليوم الأخير. المباراة الحاسمة على اللقب.
كانت المعادلة بسيطة. حيث كان على دورتموند الفوز. التعادل أو الخسارة، وسيذهب اللقب إلى بايرن ميونخ الذي كان يلعب على أرضه ضد فريق شتوتغارت المتعثر. حيث كان الضغط هائلاً، والمخاطر جسيمة للغاية.
وقف ماتيو ألفاريز الذي اعتُبر لائقاً بما يكفي للعب أساسياً، في النفق، وقلبه يدقّ بقوة في صدره. ونظر حوله إلى زملائه، وإلى العزيمة الراسخة على وجوههم، فشعر بموجة من الفخر. ولقد مروا بالكثير معاً، وواجهوا الكثير من المصاعب، والآن، هم على وشك تحقيق شيء مميز حقاً.
كانت كلمات كلوب الأخيرة في غرفة الملابس بسيطة ومباشرة. وقال بصوت منخفض وحازم "هذه ليست مجرد مباراة عادية. وهذه هي المباراة التي ستحدد مصير موسمِنا، والتي ستخلّد إرثنا. اخرجوا إلى الملعب والعبوا بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم. اخرجوا إلى الملعب وكونوا أبطالاً."
بينما كانوا يخطون إلى أرض الملعب كان هدير الجماهير يصم الآذان، قوة مادية بدت وكأنها تهتز في الأرض تحت أقدامهم. ونظر ماتيو إلى بحر الوجوه، إلى اللافتات والأعلام، وشعر بسكينة تغمره. وهذا هو مكانه. وهذا ما خُلق من أجله.
كان الشوط الأول أشبه بحرب استنزاف. أثبت فريق هيرتا الذي لم يكن لديه ما يخسره سوى كبريائه، أنه خصم عنيد ومثابر. دافعوا بتكتل، وارتكبوا أخطاءً متعمدة، وبذلوا قصارى جهدهم لتعطيل إيقاع دورتموند. حيث كانت المباراة متوترة وحذرة، مع فرص قليلة ومتباعدة.
أما دورتموند، فقد عانى كثيراً لاختراق دفاع هيرتا المحكم. استحوذوا على الكرة، وحاولوا اختراق دفاع الخصم، ومرروا الكرة، لكن اللمسة الأخيرة كانت غائبة، ودائماً ما كانت اللمسة الأخيرة غير دقيقة. بدا أن ضغط المباراة يؤثر عليهم، فافتقر أداؤهم إلى السلاسة والإبداع المعهودين.
كان ماتيو الذي كان تحت رقابة لصيقة من لاعب وسط هيرتا العنيد بير سيلجان سكيلبريد، يجد صعوبة في الاستحواذ على الكرة والتأثير على مجريات المباراة كعادته. ولقد كان مراقباً عن كثب، محور استراتيجية هيرتا الدفاعية. ولكنه لم يستسلم للإحباط. ببساطة، واصل تحركاته، وعمله الدؤوب، وسعيه الدؤوب لاقتناص المساحات، واستغلال الفرص المتاحة.
ثم في الدقيقة 43، حلت الكارثة. خطأ نادر من هوملز، تمريرة خاطئة، ليجد مهاجم هيرتا، أدريان راموس، نفسه منفرداً بالمرمى. راوغ فايدنفيلر بمهارة وسدد الكرة في الشباك الخالية. 1-0. انفجرت جماهير الفريق المضيف فرحاً، وامتزجت أصواتهم بمزيج من الصدمة والفرح. أما جماهير دورتموند، فقد خيم الصمت على المكان، وتبددت آمالهم وأحلامهم أمام أعينهم.
مع إطلاق صافرة نهاية الشوط الأول، غادر لاعبو دورتموند الملعب بخطوات ثقيلة، رؤوسهم منحنية، ووجوههم تعلوها علامات الذهول واليأس. وفي غرفة الملابس كان الجو كئيباً. اللقب كان يتلاشى. الحلم كان يحتضر.
لكن كلوب لم يكن من النوع الذي يسمح لفريقه بالاستسلام لليأس. ولقد كان مقاتلاً، محارباً، قائداً للرجال. ولم يكن ليُقدم على الاستسلام.
"وماذا في ذلك؟" صرخ بصوتٍ مدوٍّ كصوت الرعد في الغرفة الصامتة. "نحن متأخرون بهدفٍ دون رد. وماذا في ذلك؟ أمامنا خمس وأربعون دقيقة لإنقاذ موسمِنا. خمس وأربعون دقيقة لنصبح أبطالاً. هل ستستسلمون وتموتون؟ أم ستخرجون إلى هناك وتقاتلون؟ هل ستدعونهم يسلبوننا حلمنا؟ أم ستخرجون إلى هناك وتستعيدونه؟"
توقف للحظة، وعيناه تشتعلان بنارٍ كأنها تُشعل الهواء في الغرفة. وقال بصوتٍ خافتٍ حاد "أنا أؤمن بكم. أؤمن بكل واحدٍ منكم. والآن اخرجوا وأثبتوا لي أنني على حق".
استلهم اللاعبون من كلمات مدربهم، فدخلوا الشوط الثاني بروح معنوية عالية ورغبة جامحة في تصحيح أخطاء الشوط الأول. لعبوا بحماسة شديدة، وهجوم منضبط، وغضب ذكي ومنضبط. حيث كانوا فريقاً متألقاً، فريقاً في مهمة.
ماتيو الذي كان دوره هامشياً في الشوط الأول، أصبح الآن محور كل شيء. تراجع إلى الخلف، وانطلق على الأطراف، واستحوذ على الكرة، واخترق دفاع هيرتا. حيث كان رجلاً ذا هدف، فتىً مصمماً على أن يصبح البطل.
في الدقيقة 62، قدم لحظة من العبقرية الخالصة. استلم الكرة عند خط المنتصف وانطلق في هجمة ساحرة، متجاوزاً لاعباً تلو الآخر، ثم ثالثاً.
كان كطيفٍ من الأصفر والأسود، شبحاً يتسلل من بين المدافعين وكأنهم غير موجودين. وصل إلى حافة منطقة الجزاء، وبضربةٍ من خارج قدمه اليمنى، أطلق تسديدةً رائعةً في الزاوية العليا للمرمى. 1-1. كان هدفاً في غاية الجمال، هدفاً يستحق الفوز بأي مباراة، بأي لقب.
انفجرت جماهير دورتموند فرحاً، وصدحت أصواتهم بصيحات الفرح والارتياح. ولقد عاد الحلم إلى الحياة. وعاد اللقب إلى متناول أيديهم.
لكن التعادل لم يكن كافياً. حيث كانوا بحاجة للفوز. ولذلك اندفعوا للأمام بأعداد كبيرة، وأصبحت هجماتهم أكثر يأساً مع اقتراب نهاية الوقت.
في الدقيقة 88، وفي مباراة كانت على حافة الهاوية، وكان اللقب معلقاً على المحك، قدم ماتيو لحظة سحرية أخرى.
استلم الكرة على الجناح الأيمن، وانطلق نحو الداخل، وتبادل تمريرات رائعة مع رويس. انفرد بالمرمى، وجهاً لوجه مع الحارس. حبس العالم أنفاسه. وهذه هي اللحظة الحاسمة. لحظة الحقيقة. فرصة ليصبح البطل، أسطورة، البطل.
لم يذعر. لم يتسرع. ببساطة، فعل ما يُجيده. بلمسةٍ بارعة، رفع الكرة فوق محاولة الحارس اليائسة وأسكنها الشباك. 2-1. انفجر لاعبو دورتموند، والجماهير، والمدرب، جميعهم في فرحةٍ عارمةٍ ومُفعمةٍ بالبهجة.
ركض ماتيو، ووجهه يعكس نشوة خالصة، نحو الرعاية الركنية، ذراعاه ممدودتان، وقلبه ينبض فرحاً. أحاط به زملاؤه، وكل لمسة منه، وكل كلمة ينطق بها، دليل على حبهم واحترامهم له.
كانت الدقائق الأخيرة عذاباً من التوتر والقلق. ولكن لاعبي دورتموند الذين استلهموا من نجمهم الشاب، دافعوا بشجاعة والتزام بطولي بحق. بذلوا قصارى جهدهم، وأبعدوا الكرة عن مرماهم، وفعلوا كل ما في وسعهم لحماية تقدمهم الثمين.
ثم صافرة النهاية. صوت النصر العذب والجميل والمجيد. ولقد فعلوها. ولقد أصبحوا أبطالاً.