الفصل 306: عودة المايسترو الثاني
في الدقيقة 78، صنع لحظة سحرية كسرت الجمود. استلم الكرة في منتصف الملعب، محاطاً بلاعبين يرتدون قمصاناً زرقاء وبيضاء. للحظة، بدا وكأنه محاصر.
لكن بعد ذلك وبحركة سريعة من الوركين وخفض الكتف، خلق مساحة صغيرة. ونظر للأعلى فرأى ليفاندوفسكي يندفع قطرياً نحو منطقة الجزاء، مبتعداً عن خصمه.
كانت التمريرة متقنة، كرة متقنة اخترقت دفاع الخصم ووصلت إلى المهاجم البولندي المنطلق. حيث كانت تسديدة ليفاندوفسكي حاسمة، منخفضة وقوية، سكنت شباك الحارس توماس كرافت العاجز عن فعل أي شيء. 1-0. انفجرت جماهير دورتموند فرحاً، وصدحت أصواتهم بصيحات الفرح والارتياح.
لم يحتفل ماتيو. ثم استدار ببساطة وعاد راكضاً إلى دائرة المنتصف، ووجهه يعكس تركيزاً هادئاً. لم ينتهِ العمل بعد. هدف واحد لم يكن كافياً. حيث كانوا بحاجة لحسم المباراة، لتأمين النقاط الثلاث، لمواصلة الضغط على بايرن.
غيّر الهدف مجرى المباراة. هيرتا الذي كان يتمتع بصلابة وانضباط كبيرين، اضطر الآن للهجوم. وهذا ما صبّ في مصلحة دورتموند. واتسعت المساحات، وامتدت المباراة، وبدأت جودة دورتموند بالظهور.
وفي الدقيقة 85، سجلوا هدفاً آخر. هجمة مرتدة سريعة، حيث استلم ماتيو الكرة في نصف ملعبه وانطلق بها للأمام بكل قوة.
استقطب ثلاثة مدافعين نحوه، مما أتاح له مساحة على الجناح الأيسر. وبتوقيت مثالي، مرر كرة بينية متقنة إلى رويس الذي كان قد انطلق في الوقت المناسب تماماً. سيطر الجناح الألماني على الكرة بلمسة واحدة، ثم سددها بهدوء في شباك كرافت. 2-0. كانت الجماهير المسافرة في حالة من النشوة.
وفي الدقيقة 89، حُسم الفوز. هجمة جماعية رائعة، تضمنت تمريرات سريعة بلمسة واحدة بين ماتيو ورويس وغروسكرويتز، اخترقت دفاع هيرتا. ووجد ماتيو نفسه منفرداً بالمرمى، وجهاً لوجه مع الحارس.
كان بإمكانه تسجيل الهدف بنفسه، وكان بإمكانه أن يتصدر العناوين، وينال المجد والإشادة. ولكنّه رأى ليفاندوفسكي يندفع نحو القائم البعيد، دون أي رقابة. وبدون تردد، مرر ماتيو الكرة بسخاء إلى زميله في الهجوم الذي أسكنها الشباك الخالية. 3-1. انتهى الأمر.
استُقبلت صافرة النهاية بهتافات ارتياح ورضا من لاعبي دورتموند وجماهيرهم. و لقد انتصروا. و لقد حافظوا على الضغط على بايرن. وما زال سباق اللقب قائماً. ولكن لم تكن هناك احتفالات صاخبة، ولا شمبانيا، ولا إعلانات نصر مبكرة. حيث كانوا يعلمون أن المهمة لم تنتهِ بعد. لا تزال هناك مباريات يجب خوضها، ونقاط يجب حصدها، وجبل شاهق يجب تسلقه.
بينما كان ماتيو يغادر الملعب، أحاط به زملاؤه، يربتون على ظهره، ويمسحون على شعره، ووجوههم تفيض بالفرح والارتياح. لم يمضِ على عودته سوى عشرين دقيقة، لكنه في تلك المدة القصيرة، غيّر مجرى المباراة، وفكّ شفرة الدفاع، وذكّر الجميع لماذا هو مميز للغاية.
وجده كلوب في النفق، فاحتضنه بحرارة. حيث كانت عينا المدرب تلمعان بالمشاعر. وقال "مرحباً بعودتك يا ماتيو. و لقد اشتقنا إليك. والآن، لدينا لقب ننافس عليه."
في غرفة الملابس، ساد جو من الاحتفال الهادئ. حيث كان اللاعبون سعداء، مرتاحين، لكنهم كانوا أيضاً مركزين. حيث كانوا يعلمون أن هذه مجرد خطوة في رحلة طويلة. جمعهم كلوب في دائرة، وصوته حازم وواضح.
قال "فوزٌ جيد اليوم، لكنه لا يُجدي نفعاً إن لم نُواصل على هذا المنوال. بايرن لن يتراجع. علينا أن نكون في قمة أدائنا. وفي كل مباراة، في كل دقيقة، في كل كرة. علينا أن نكون في قمة أدائنا. ولكنني أؤمن بكم. أؤمن بهذا الفريق. وأؤمن بأننا قادرون على تحقيق ذلك."
أومأ اللاعبون برؤوسهم، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح العزيمة. و لقد بدأت المنافسة على اللقب. وكان ماتيو ألفاريز، الفتى الذي انكسرت عزيمته وعاد أقوى، مستعداً لقيادتهم في المعركة.
في وقت لاحق من ذلك المساء، عاد ماتيو إلى غرفته في السكن الجامعي، وجلس على سريره، وقد وضع وسادة على كاحله، ولفّ حوله كمادة ثلج. أما لوكاس فكان يجلس على مكتبه، متظاهراً بإنجاز واجباته المدرسية، ولكنه في الحقيقة كان يشاهد ملخصات المباراة على حاسوبه المحمول.
قال لوكاس وهو يهز رأسه إعجاباً "كانت تلك التمريرة إلى ليفي لا تُصدق. كيف رأيت ذلك أصلاً؟"
هزّ ماتيو كتفيه، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة. ثم أشار بيده قائلاً "كنت أعرف أنه سيكون هناك."
قال لوكاس "أجل، حسناً، الفريق بأكمله يعلم أنك عدت الآن. وكذلك بايرن. سيكونون قلقين."
أومأ ماتيو برأسه، لكن ذهنه كان مشغولاً بالمباراة التالية، والتحدي التالي، والفرصة التالية لمساعدة فريقه. حيث كانت الإصابة بمثابة انتكاسة، لكنها كانت أيضاً درساً قيماً. و لقد علمته الصمود، والصبر، وأهمية العمل الجماعي على العمل الفردي. والآن، ومع دخول الموسم مراحله الأخيرة الحاسمة كان مستعداً. مستعداً للقتال، مستعداً للمنافسة، مستعداً لبذل كل ما في وسعه من أجل الفريق، من أجل الجماهير، من أجل الحلم.
اكتملت عودة المايسترو. وبدأت السيمفونية للتو.
وفي صباح اليوم التالي، ضجت وسائل الإعلام الرياضية الألمانية بعناوين تتحدث عن عودته.
أعلنت مجلة كيكر "عودة المايسترو: ألفاريز يُلهم دورتموند لتحقيق نصر حاسم". وأعلنت صحيفة بيلد "عودة المعجزة الشابة من حافة الهاوية".
كان الثناء شاملاً، لكن ماتيو بالكاد ألقى نظرة على المقالات. و لقد تعلم منذ زمن بعيد أن رأي الإعلام، سواء كان إيجابياً أم سلبياً، عابر ولا قيمة له في نهاية المطاف. ما يهم هو المباراة القادمة، والأداء القادم، والفرصة القادمة لمساعدة فريقه.
في الحصة التدريبية التي تلت ذلك ساد جوٌ من التفاؤل والتركيز. وأدرك اللاعبون أنهم قطعوا شوطاً حاسماً، لكنهم كانوا يعلمون أيضاً أن المشوار لم ينتهِ بعد. درّبهم كلوب بجدّ، وثبّت عليهم الخطط التكتيكية، وصقل تركيزهم، وأعدّهم للمعارك المقبلة.
بينما كان ماتيو يتدرب، وكاحله يتحمل جيداً، شعر بامتنان عميق. امتنان لقوة جسده، ولخبرة الطاقم الطبي، ولدعم لوكاس الثابت، ولإيمان زملائه به.
كانت الإصابة بمثابة اختبار، وقد اجتازه بنجاح. ولكن الأهم من ذلك أنها أظهرت له أنه ليس وحيداً، وأنه جزء من شيء أكبر منه. ومع دخول سباق اللقب مراحله النهائية المثيرة كانت هذه المعرفة أثمن من أي موهبة أو مهارة فردية. و لقد عاد المايسترو. وكان مستعداً لقيادة فريقه نحو المجد.