Switch Mode

السيمفونية الصامتة 301

نظام الدعم الأول


الفصل 301: نظام الدعم الأول

كان ملعب وستفالن ستاديون مختلفاً تماماً عند مشاهدته من المدرجات. أما من أرض الملعب، فكان جداراً من الضجيج، ومزيجاً من الألوان، ومفهوماً مجرداً للشغف والولاء.

لكن من المقصورة التنفيذية، العالية فوق خط المنتصف، كان الأمر أشبه بكائن حي يتنفس، نسيج معقد وجميل من الآمال والأحلام الفردية، وكلها منسوجة معاً في كيان جماعي واحد.

بالنسبة لماتيو ألفاريز الذي لم يسبق له أن رأى الملعب إلا من مركز العاصفة، كان هذا المنظور الجديد بمثابة كشف.

جلس وقد وضع كاحله المصاب على كرسي، متفرجاً عاجزاً على الدراما التي كانت تتكشف في الأسفل.

كان كل شيء مختلفاً تماماً من هذه الزاوية، من الضجة المألوفة قبل المباراة، والشعور بالترقب المتوتر، وهدير الجماهير أثناء دخول الفرق إلى الملعب.

كان جزءاً منه، ومع ذلك كان منفصلاً عنه. حيث كان مشجعاً، وداعماً، وعضواً في "الجدار الأصفر". ولأول مرة، فهم حقاً ما يعنيه ذلك.

كان محاطاً بدائرة دعمه، الأشخاص الذين كانوا سنده في عاصفة الأيام القليلة الماضية. كانت إيزابيلا بجانبه تمسك بيده، وكان وجودها مصدراً دائماً للراحة والقوة.

كان دون كارلوس، مرشده، وحاميه، حاضراً، وعيناه الحكيمتان تتأملان المشهد بهدوء وثقة. وكانت سارة، مترجمته، وصديقته، وموضع ثقته، حاضرة أيضاً، وطاقتها المعدية وتفاؤلها الدائم كانا بمثابة ترياق مرحب به للكآبة التي كادت أن تبتلعه.

مع انطلاق مباراة هوفنهايم، انتاب ماتيو شعور غريب بالهدوء. العجز والإحباط والغضب، كل ذلك كان ما زال حاضراً، لكنه خفّف من حدّته شعور جديد وغير مألوف: منظور أوسع. فلم يكن هو محور الكون. الفريق، النادي، الجماهير، جميعهم أكبر منه. وسيستمرون جميعاً بدونه.

راقب زملاءه في الفريق، إخوته في السلاح، وهم يقاتلون بشراسة على أرض الملعب في الأسفل. رأى الجهد، والالتزام، والعزيمة الصلبة التي لا تلين في كل حركة يقومون بها.

رأى ليفاندوفسكي، شريكه في الهجوم، وصديقه، وهو يطارد الأهداف الخاسرة، ويقاتل من أجل كل كرة، وكل حركة يقوم بها دليل على احترافيته وإرادته في الفوز.

رأى رويس، الفتى الذهبي لكرة القدم الألمانية، شريكه الإبداعي، وصديقه، وكل لمسة منه كانت ومضة عبقرية، وكل تمريرة منه كانت عملاً فنياً.

لقد رأى هوملز، القائد، والزعيم، والصخرة في قلب الدفاع، وكل تدخلاته، وكل ضرباته الرأسية، دليلاً على الشجاعة والالتزام.

ورأى اللاعبين الذين برزوا في غيابه، الأبطال المجهولين، لاعبي الفريق الذين غالباً ما يتم تجاهلهم. رأى شيبر، المهاجم المجتهد والمتفاني، يبذل قصارى جهده من أجل الفريق.

رأى غروسكرويتز، ابن البلد، المشجع على أرض الملعب، وكل حركة يقوم بها تغذيها شغف وحب للنادي كانا معديين. رأى الفريق، الجماعة، الوحدة، يقاتلون من أجل بعضهم البعض، من أجل الجماهير، من أجل الحلم الذي ما زال حياً.

في الدقيقة التاسعة والعشرين، نالوا مكافأتهم. تمريرة رائعة من رويس، وإنهاء حاسم من ليفاندوفسكي، فانفجر ملعب سيغنال إيدونا بارك فرحاً. ووجد ماتيو نفسه واقفاً على قدميه، وقد نسي إصابته في كاحله، واختفى صوته وسط هتافات الجماهير. فلم يكن نجماً خارقاً، ولا موهبة فذة، ولا طفلاً خارقاً. كان مجرد مشجع، وقد سجل فريقه هدفاً.

كان الشوط الثاني متوتراً وحافلاً بالتوتر. هوفنهايم، الفريق المعروف بقوته الهجومية، ضغط بكل ما أوتي من قوة على دفاع دورتموند. ولكن الجدار الأصفر، داخل الملعب وخارجه، كان صامداً لا يتزعزع. هتفت الجماهير لفريقها بحماس، وكانت أصواتهم بمثابة هدير مدوٍّ يصم الآذان. واستجاب اللاعبون، فكانت كل حركة منهم شاهدة على شجاعتهم والتزامهم.

في الدقيقة 81، انكسر التوتر أخيراً. هجمة مرتدة سريعة، تمريرة ذكية من غروسكرويتز، والبديل بي إير إيمريك أوباميانغ، انفرد بالمرمى.

كان المهاجم الغابوني، بسرعته الخاطفة وأسلوبه الباهر، لاعباً متذبذب الأداء طوال الموسم، مما أثار استياءً واسعاً. ولكن في هذه اللحظة الحاسمة، وفي ظل تقارب النتيجة، بدا هادئاً ومتزناً. راوغ الحارس بمهارة فائقة وسدد الكرة في الشباك الخالية. 2-0. انتهت المباراة. ولكن المنافسة على اللقب ما زالت قائمة.

استُقبلت صافرة النهاية بهتافات ارتياح واحتفال. تعانق اللاعبون، وقد أنهكهم التعب المادي والذهني، وارتسمت على وجوههم مزيج من الفرح والإرهاق. ولقد فعلوها. لقد انتصروا بدون نجمهم المعجزة، تميمتهم، بطلهم.

بينما كان ماتيو يشق طريقه إلى غرفة تبديل الملابس، غمره شعور عميق بالفخر والتواضع. لطالما عرف أنه جزء من فريق، لكنه لم يفهم حقاً معنى ذلك إلا الآن.

لقد كان النجم، الشخص القادر على حسم المباراة بمفرده. ولكن كان أيضاً جزءاً من شيء أكبر، شيء أكثر أهمية. وفي غيابه، برز ذلك الشيء الأكبر وأظهر للعالم معدنه الحقيقي.

في غرفة الملابس كان الجو مشحوناً بالحماس. كان اللاعبون يحتفلون، وأصواتهم عبارة عن جوقة من الفرح والارتياح.

عندما دخل ماتيو، علت الهتافات. غمره زملاؤه، إخوته، بسلسلة من العناق والتربيت على ظهره. لم يكونوا يحتفلون بالنصر فحسب، بل كانوا يحتفلون به، رفيقهم الشهيد، أخاهم في السلاح.

قال ليفاندوفسكي وهو يضع ذراعه حول كتف ماتيو "لقد فعلنا ذلك من أجلك يا فتى. لقد قلنا لك إننا سنفعل".

أومأ ماتيو برأسه، وقلبه يفيض بالامتنان، في لفتة واحدة عبّرت عن الكثير. فلم يكن نجماً، ولم يكن البطل، بل كان جزءاً من فريق. ولم يشعر قط بمثل هذا الفخر.

في وقت لاحق من ذلك المساء، وبينما كان يجلس مع إيزابيلا ودون كارلوس وسارة، غمره شعور بالسلام. لم تنتهِ الرحلة بعد. لم يمت الحلم. ولم يكن وحيداً.

كان محاطاً بنظام دعم، عائلة، فريق، سيكونون دائماً بجانبه، في النصر والهزيمة، في المرض والصحة. وبوجودهم إلى جانبه كان يعلم أن كل شيء ممكن.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط