الفصل 295: رحلة ليفركوزن 1
كانت الأيام الثلاثة الفاصلة بين مراسم التعميد في ملعب البرنابيو والرحلة إلى باي أرينا عبارة عن سلسلة من حمامات الثلج والعلاج الطبيعي والاجتماعات التكتيكية.
لقد ضخ الهدف البطولي والمتحدي الذي سجله ماتيو جرعة حيوية من الإيمان في الفريق، لكنه لم يستطع محو الأثر المادي والعاطفي للهزيمة 3-1.
كانت الأجساد منهكة، والعقول متعبة. حيث كان حلم الوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا معلقاً بخيط رفيع، والآن كان عليهم أن يجروا أجسادهم المنهكة إلى سباق البوندسليغا المتواصل.
كانت مباراة باير ليفركوزن خارج أرضه، في الظروف العادية، مباراة تتطلب التزاماً كاملاً. ولكن تحت قيادة أسطورة ليفربول السابق سامي هيوبيا كان الفريق منضبطاً ورياضياً وخطيراً.
لكن بعد مرور 72 ساعة فقط على حرب مدريد، بدا الأمر وكأنه مهمة شاقة. افتقر جو غرفة الملابس قبل المباراة إلى حماسه المعتاد، وحلّت محله عزيمة هادئة وحازمة. فلم يكن هذا يوماً لكرة قدم استعراضية، بل كان يوماً للعمل الجاد والمثابرة. "من جد وجد ومن زرع حصد".
شعر ماتيو بالإرهاق يتغلغل في أعماقه. ولقد تبدد الأدرينالين الذي اجتاحه في مدريد منذ زمن، تاركاً وراءه ألماً خفيفاً وشعوراً عميقاً بالإرهاق. النظام الذي كان عادةً مصدراً لطاقة لا تنضب كان الآن يصدر تحذيرات بانخفاض الطاقة.
مستوى القدرة على التحمل 68%. مخزون الأدرينالين منخفض. يُنصح باستهلاك الطاقة بشكل معتدل.
جلس على المقعد، يحدق في العشب البكر لملعب باي أرينا، حيث شكل اللونان الأحمر والأسود لألوان ليفركوزن تناقضاً صارخاً مع بحر اللون الأبيض الذي ما زال يطارد أفكاره.
اتخذ كلوب قراراً بإجراء تغييرات في تشكيلة الفريق، فأراح العديد من اللاعبين الأساسيين، بمن فيهم ليفاندوفسكي ورويس. ومع ذلك كان ماتيو حاضراً في الملعب. وقد استدعاه كلوب جانباً قبل المباراة، وكان تعبيره مزيجاً من القلق والتوقع.
قال بصوتٍ خفيض وجاد "أعلم أنك متعب يا ماتيو وكلنا متعبون. ولكنني اليوم لا أحتاج إلى ساحر، ولا إلى البطل، بل أحتاج إلى جندي. أحتاج منك أن تكون ذكياً، وأن تدير المباراة، وأن تختار لحظاتك المناسبة. لا يمكننا تحمل خسارة هذه المباراة. التعادل ليس كارثة، الخسارة هي الكارثة."
لامست الكلمات قلب ماتيو. حيث كان ذلك تحدياً من نوع جديد. لم يُطلب منه الفوز بالمباراة بمفرده، بل ضمان عدم خسارتهم. حيث كان ذلك تحولاً دقيقاً لكنه عميق في المسؤولية، دلالة على أهميته المتزايدة للفريق ليس فقط كصانع ألعاب، بل كقائد.
كان الشوط الأول حذراً ومتسماً بالإرهاق. استشعر ليفركوزن إرهاق دورتموند، فضغط بقوة وكثافة، وكانت طاقته وحماسته تناقضاً صارخاً مع إرهاق لاعبي الفريق الضيف. حيث كانت تمريرات دورتموند غير دقيقة، وحركتهم بطيئة.
كان الفريق منهكاً تماماً. ماتيو، امتثالاً لتعليمات كلوب، لعب مباراة منضبطة ومتحفظة. تراجع إلى الخلف، ليساعد في حماية الدفاع، مركزاً على الاستحواذ على الكرة، وتهدئة اللعب، والحد من خطورة هجمات ليفركوزن.
لم يكن اللاعب المبهر والديناميكي الذي اعتاد عليه العالم. بل كان لاعباً هادئاً وفعالاً، فكل لمسة وكل تمريرة منه مصممة للحفاظ على الطاقة والتحكم في إيقاع المباراة.
كان يلعب بعقله، وليس فقط بقدميه. النظام الذي كان يستخدمه عادةً لتحديد فرص الهجوم، أصبح الآن أداة دفاعية، تُبرز مسارات التمرير لتخفيف الضغط، وتتنبأ بتحركات مهاجمي ليفركوزن، مما يساعده على التواجد في المكان المناسب في الوقت المناسب.
لكن حتى مع إدارة ماتيو الذكية للمباراة كان الضغط متواصلاً. وفي الدقيقة 35، أتى ثماره أخيراً. هجمة مرتدة سريعة من ليفركوزن، تمريرة بينية ذكية من سيدني سام، والمهاجم المخضرم ستيفان كيسلينغ ينفرد بالمرمى. حيث كانت تسديدته حاسمة، منخفضة وقوية لم تترك أي فرصة لفايدنفيلر. 1-0. انفجرت مدرجات باي أرينا فرحاً. "ضاع القطع على أهلها".
بدا لاعبو دورتموند منهكين. ولقد كانوا صامدين، والآن انقطع خيط الأمل. وبينما كانوا يعودون ببطء إلى دائرة المنتصف، رأى ماتيو أكتافهم المنحنية وعيونهم الشاردة. وأدرك أنه إذا لم يستجيبوا، فستنتهي المباراة، وربما سباق اللقب.
صفق بيديه، وكان صوته الحاد بمثابة تحدٍّ بسيط في وجه هتافات الجماهير الصاخبة. ونظر إلى زملائه، وكان تعبيره مزيجاً من الإحباط والعزيمة. أشار إلى رأسه، ثم إلى قلبه، في رسالة صامتة مفادها أن عليهم أن يكونوا أذكياء، ولكن عليهم أيضاً أن يقاتلوا. "الوحدة قوة".
في استراحة الشوط الأول كان جو غرفة الملابس كئيباً. ولكن كلوب لم يكن غاضباً، بل كان واقعياً. حيث كان يعلم أن فريقه على وشك الانهيار، وأنه بحاجة لإيجاد طريقة لتحفيزهم دون مطالبتهم بالمستحيل.
قال بصوت هادئ ومتزن "لن أصرخ. لن أقول لك إنك لا تبذل جهداً. أعلم أنك تفعل. ولكنك تحاول بطريقة خاطئة. أنت تقاوم التيار، وتغرق. توقف عن المقاومة. ابدأ بالتفكير. نحن متعبون. وماذا في ذلك؟ ما زلنا فريقاً أفضل منهم. ولكن علينا أن نكون أكثر ذكاءً. ماتيو" ثم التفت إليه مجدداً.
"أنتِ تبلي بلاءً حسناً. ولكنني الآن أحتاج إلى القليل من المزيد. ليس الكثير. ومجرد لحظة واحدة. لحظة سحرية واحدة. هل يمكنكِ أن تمنحيني لحظة واحدة؟"
نظر ماتيو إلى مدربه، إلى الرجل الذي منحه فرصته، والذي آمن به عندما لم يؤمن به أحد. أومأ برأسه، في إيماء واحدة حازمة كانت تعبر عن الكثير.
كان الشوط الثاني مختلفاً تماماً. دخل دورتموند الشوط الثاني بروح معنوية عالية. حيث كانوا ما زالوا متعبين، لكنهم الآن يلعبون بهجوم منضبط، وبحماسة ذكية ومنضبطة.
ماتيو الذي كان جندياً في الشوط الأول، أصبح الآن جراحاً. حيث كان ما زال يلعب بأسلوب متحفظ، لكنه كان يبحث الآن عن تلك اللحظة الحاسمة، تلك الفرصة الوحيدة لاختراق دفاع ليفركوزن.
وجدها في الدقيقة 68. استلم الكرة في منتصف الملعب، محاطاً بلاعبي الفريق الأحمر والأسود. للحظة، بدا وكأنه محاصر. ولكن بعد ذلك بحركة سريعة من وركيه وخفض كتفه، خلق لنفسه مساحة صغيرة.
رفع رأسه فرأى جوليان شيبر، المهاجم المجتهد الذي غالباً ما يتعرض للانتقاد، يندفع نحو منطقة الجزاء. فلم يكن اندفاعه حاداً وذكياً كلاعبين مثل ليفاندوفسكي أو رويس، بل كان اندفاعاً مليئاً بالأمل واليأس. ولكنّه كان كافياً.
قام ماتيو، بلمسة من العبقرية الخالصة، بتمرير الكرة بدقة متناهية، كرة متوازنة تماماً تجاوزت ثلاثة مدافعين ووجدت شيبر وهو في وضعية انطلاق مثالية.
كانت لمسة المهاجم الأولى ثقيلة، لكنه تمكن من تسديد كرة ضعيفة، محاولة عشوائية غير متقنة، انحرفت بشكل مفاجئ عن مدافع ليفركوزن وسقطت فوق الحارس بيرند لينو العاجز. 1-1. كان هدفاً متواضعاً، قبيحاً، ومحظوظاً. ولكنّه هدف على أي حال. "كل تأخيرة لها عواقب".
لم يحتفل ماتيو. بل استدار ببساطة وعاد راكضاً إلى دائرة المنتصف، ووجهه يعكس تركيزاً هادئاً. ولقد حقق اللحظة التي طلبها كلوب. والآن، حان وقت حسم المباراة.