Switch Mode

السيمفونية الصامتة 276

درس لندن الثاني


الفصل 276: درس لندن الثاني

انطلق ماتيو، يلهث بشدة، وساقاه ثقيلتان، في المطاردة. عاد مسرعاً، وعزمه على التكفير عن خطئه يتغلب على إرهاقه. ولكنه وصل متأخراً. وعندما توغل إيدن هازارد إلى الداخل، انقضّ ماتيو عليه بتدخل يائس.

أخطأ في تقدير الكرة وأصاب اللاعب البلجيكي في كاحله. فأطلق الحكم صافرته فوراً، واحتسب ركلة حرة في موقع خطير، خارج منطقة جزاء دورتموند مباشرة.

تقدم فرانك لامبارد، لاعب الوسط الإنجليزي المخضرم، لتنفيذ الركلة. وكانت تقنيته مثالية، حيث سدد الكرة ببراعة فوق الحائط البشري واستقرت في الزاوية العليا للمرمى، تاركةً فايدنفيلر بلا أي فرصة للتصدي. النتيجة 2-0 لصالح تشيلسي. انفجرت جماهير ستامفورد بروح الفرح، وهتفوا بصوت عالٍ احتفالاً بهدف جاء عكس مجريات اللعب تماماً. "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة" كما يقول المثل.

كانت لحظة يأس مُدمرة بالنسبة لماتيو. ولقد قدّم أفضل مباراة في مسيرته، وسيطر على أحد أفضل الفرق في أوروبا، ومع ذلك بخطأ بسيط واحد، أضاع كل جهوده. كان شعوره بالمسؤولية طاغياً، وإدراكه أن خطأه قد يكون كلّف فريقه التعادل كان أمراً مُراً للغاية. "من دق باباً لا بد أن يفتح له" ولكن هذه المرة لم يفتح له الباب.

نجح ليفاندوفسكي في تقليص الفارق في الدقيقة الثانية والثمانين، بهدفٍ من قناصٍ منح دورتموند بصيص أملٍ في مباراة الإياب. ولكن الضرر كان قد وقع. أُطلقت صافرة النهاية، وكانت النتيجة تشيلسي 2، بوروسيا دورتموند 1. كانت هزيمةً بدت وكأنها سرقة، نتيجةٌ لم تعكس مجريات اللعب، درسٌ قاسٍ في قسوة كرة القدم الاحترافية. "ضاع مني ذهب وأخذوا عظامي" هذا ما كان يشعر به ماتيو.

بينما كان يغادر الملعب، مطأطئ الرأس، مثقلاً بعبء الهزيمة، بدا ماتيو في حالة يرثى لها. ولقد كان أفضل لاعب في الملعب بفارق شاسع، ولكنه كان أيضاً من ارتكب الخطأ الفادح. كانت مفارقة ستطارده في الأيام القادمة، تذكيراً له بأن التألق والخطأ وجهان لعملة واحدة في كرة القدم. "كل ممنوع مرغوب" ولكن هذا الممنوع كلفه الكثير.

في غرفة الملابس، استدعاه كلوب جانباً، وقد بدا على وجهه مزيج من الفخر والتعاطف. وقال بصوتٍ خفيضٍ لكن حازم "لقد كنتَ رائعاً الليلة يا ماتيو. فكنتَ أفضل لاعبٍ على أرض الملعب، والجميع في هذا الملعب يعلم ذلك. ولكنك ارتكبتَ خطأً واحداً. وفي هذا المستوى، يكفي خطأ واحد. العبرة ليست أنك لستَ جيداً بما فيه الكفاية، بل العبرة هي أنه يجب أن تكون مثالياً. وهذا درسٌ يجب على كل لاعبٍ عظيمٍ أن يتعلمه."

كانت الكلمات بمثابة عزاء، لكنها لم تستطع محو ألم الهزيمة. ولقد تم تلقين درس لندن. وكان درساً لن ينساه ماتيو ألفاريز أبداً. "بعد الضيق يأتي الفرج" ولكن الفرج لم يأتِ بعد.

كانت رحلة العودة إلى الفندق صامتة وكئيبة. حل الصمت الثقيل محل التحليلات والمزاح المعتاد بعد المباراة، حيث كان كل لاعب غارقاً في أفكاره، يستوعب ظلم النتيجة.

جلس ماتيو بجوار النافذة، وأضواء مدينة لندن تتلاشى أمام عينيه، وعقله يعيد المباراة في حلقة مفرغة مؤلمة. ولقد كان بارعاً للغاية، ومسيطراً تماماً، ومع ذلك ذهب كل ذلك سدى. كان الإحباط بمثابة ألم جسدي في صدره، وشعور حارق بالظلم يكاد يكون لا يُطاق. "الويل لمن لا يملك إلا وجهاً واحداً" هذا ما كان يشعر به ماتيو.

عاد إلى غرفته في الفندق، وتجاهل رسائل الدعم التي كانت تنهال على هاتفه. فلم يكن يريد شفقة، بل كان يريد العدالة.

أراد نتيجة تعكس الأداء. فتح حاسوبه المحمول وبدأ بمشاهدة لقطات المباراة، ليس لتحليل خطئه، بل ليستعيد لحظات التألق، ليذكر نفسه بأنه لم يكن أقل شأناً، وأنه كان سيد اللعبة الذي أطاح به تقلب قاسٍ للقدر.

أكد تحليل النظام ما كان يعرفه بالفعل. كانت إحصائياته استثنائية: مراوغات ناجحة أكثر من أي لاعب آخر في الملعب، وفرص أكثر صنعها، ونسبة دقة تمريرات تتجاوز 95% في الثلث الأخير من الملعب.

كان هو محور الإبداع في فريقه، والمحرك الذي دفعهم للأمام، والشرارة التي أشعلت هجماتهم. ولكن الإحصائية الوحيدة التي كانت مهمة هي تلك التي كشفت خطأه، تلك التي أدت إلى هدف تشيلسي الثاني. وكانت تلك الإحصائية هي التي ستطارده. "كل تأخيرة لها عذر" ولكن هذا العذر لم يكن كافياً.

اتصل أخيراً بإيزابيلا في الساعات الأولى من الصباح، وكان صوته مثقلاً بالإرهاق وخيبة الأمل. ولقد شاهدت المباراة، ورأت تألقه وانكسار قلبه، وكانت كلماتها بمثابة بلسم لروحه المجروحة.

قالت بصوتٍ يفيض فخراً، متجاوزاً يأسه "لقد كنتَ رائعاً الليلة يا ماتيو. فكنتَ أفضل لاعبٍ على أرض الملعب، وكل من شاهد المباراة يعلم ذلك. لا تدع خطأً واحداً يُطغى على تسعين دقيقة من الإبداع. ولقد تعرضتَ للتنمر، واستُهدفتَ، لكنك تجاوزتَ كل ذلك. حيث يجب أن تفخر بنفسك، لا أن تخجل."

كانت كلماتها بمثابة طوق نجاة، وتذكير بأن أداءه لم يكن عبثاً، وأن تألقه قد شوهد وقُدِّر حتى وإن لم تعكس النتيجة ذلك. "الصبر مفتاح الفرج" هذا ما كانت تحاول إيزابيلا أن تذكره به.

تحدثا مطولاً، وكان إيمانها الراسخ به ترياقاً قوياً لسموم الشك الذاتي. وعندما انتهت المكالمة كان ضوء الفجر الأول يبزغ فوق لندن، وشعر ماتيو بعودة بصيص أمل إلى روحه المنهكة.

كان درس لندن قاسياً، بمثابة مقدمة قاسية لحقائق كرة القدم الاحترافية القاسية. ولكنّه كان أيضاً درساً توضيحياً. فقد تعلم أنه قادر على منافسة الأفضل، وأنه قادر على التفوق حتى على أكثر الخصوم خبرة وقوة بدنية. وتعلم أنه في هذا المستوى، لا مجال للخطأ، ولا هامش حتى لأدنى غفلة في التركيز.

وبينما كان يغفو أخيراً، سيطرت فكرة واحدة على ذهنه: مباراة الإياب. ستتاح له فرصة للتكفير عن ذنبه، فرصة لتصحيح خطأ ستامفورد بروح الفرح. وسيكون مستعداً. ولقد تحوّل الفتى الذي تعرّض للتنمر إلى محارب. والمحارب قادم للانتقام. "من جد وجد ومن زرع حصد" هذا ما كان يؤمن به ماتيو.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط