الفصل 275: درس لندن الأول
كان هدير ستامفورد بريدج بقوة الجبل، موجة صوتية اجتاحت ماتيو وهو يقف على خط التماس، ينظر إلى بحر اللونين الأزرق والأبيض.
كانت جولة ما بين الشوطين طقساً بات يُقدّره، لحظة هدوء تسبق العاصفة، فرصة لاستيعاب أجواء الملعب والاستعداد ذهنياً للمعركة المقبلة. و لكن هذه المرة كانت مختلفة.
لم تكن هذه مباراة عادية في الدوري الألماني، بل كانت مباراة ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، وهي مرحلة كان يحلم بها منذ أن كان صبياً يركل الكرة في شوارع دار الأيتام المتربة.
كان العداء واضحاً. جماهير تشيلسي الذين كانوا صاخبين جداً في دعمهم خلال الإحماء، حولوا انتباههم الآن إلى الفريق المنافس، وكانت هتافاتهم مزيجاً من التحدي والازدراء.
لقد حددوا ماتيو على أنه الرجل الخطير، الفتى المعجزة الذي تصدر عناوين الصحف في جميع أنحاء أوروبا، وكانوا مصممين على جعل زيارته الأولى إلى ستامفورد بريدج زيارة غير سارة.
شعر بنظراتهم تلاحقه، نظراتهم الجماعية ثقلٌ مُرعبٌ ومُبهجٌ في آنٍ واحد. و لقد استُهدف من قبل، وواجه جماهير مُعادية وخصوماً شرسين، لكن هذا كان على مستوى آخر. و هذه هي بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، الدوري المعروف بقوته الجسدية وطبيعته القاسية. وكان على وشك أن يختبر ذلك بنفسه.
وبينما كان يشق طريقه عائداً إلى غرفة الملابس، لفت انتباه جون تيري، قائد تشيلسي، وهو رجل يجسد روح المحارب في النادي.
كان تعبير تيري مزيجاً من الاحترام والتحدي، اعترافاً صامتاً بموهبة ماتيو ورسالة واضحة بأنه لن يُمنح فرصة سهلة. و نظر إليه ماتيو بثقة هادئة، وكان تعبيره انعكاساً للصلابة الكامنة وراء مظهره الفني. و بدأت المعركة قبل أن تُركل الكرة.
كانت كلمة كلوب الأخيرة للفريق بمثابة تحفة فنية في التحفيز. لم يتحدث عن الاستراتيجية أو التكتيكات، فقد اكتملت الاستعدادات. بل تحدث عن الشجاعة والإيمان والفرصة التي تنتظرهم. ذكّرهم بأنهم لا يلعبون لأنفسهم فقط، بل للجماهير، وللمدينة، ولكل من آمن بهم طوال هذا الموسم الاستثنائي.
قال كلوب بصوتٍ يملؤه الحماس "إنهم يظنونكم صبية. يظنون أنكم لستم مستعدين لهذه المرحلة. يظنون أن بإمكانهم التنمر عليكم، وتخويفكم، وتحطيمكم. و لكنهم لا يعرفونكم. لا يعرفون الشغف الذي يشتعل في داخلكم. لا يعرفون المسيرة التي أوصلتكم إلى هذه اللحظة. اخرجوا إلى الملعب وأروهم. أروهم ما هو جوهر بوروسيا دورتموند."
خرج اللاعبون من النفق وسط صخب هائل، وهدير الجماهير الذي بلغ ذروته في مزيجٍ صاخبٍ من الضجيج والمشاعر. حيث كان لنشيد دوري أبطال أوروبا، تلك المقطوعة الموسيقية التي لطالما أثارت قشعريرة في جسد ماتيو، دلالةٌ جديدة. حيث كانت هذه مسرحيته، ولحظته، وفرصته ليثبت جدارته بين نخبة كرة القدم الأوروبية.
منذ صافرة البداية كانت المباراة شرسة ومتواصلة بلا هوادة. حيث كانت خطة تشيلسي واضحة: استهداف ماتيو. راميريز، لاعب الوسط البرازيلي الذي لا يكل كان حاضراً بقوة، وكل تدخل منه كان يُعتبر مخالفة.
تناوب تيري وكاهيل، وهما مدافعان عملاقان، على توجيه تدخلات عنيفة كلما تجرأ ماتيو على التوغل في منطقتهما. و لقد كانت حملة ترهيب منسقة وماكرة، ومحاولة متعمدة لكسر عزيمته قبل أن تتاح له فرصة اختراق دفاعاتهما.
لكنهم استهانوا به. فكلما حاولوا التنمر عليه، بدا أنه يزدهر أكثر، وقد غذت عدوانيتهم عزيمته.
كان أشبه بشبح في الآلة، طيف ينجرف إلى مساحات لا ينبغي أن تكون موجودة. حيث كان يستلم الكرة وظهره للمرمى، والمدافع يلاحقه عن كثب، وبحركة انسيابية واحدة، يختفي، تاركاً مراقبه يتخبط في الهواء.
كانت لمسته لا تشوبها شائبة، وسيطرته مطلقة، وقدرته على التحكم بالكرة في المساحات الضيقة غاية في الروعة. و لقد كان يقدم أفضل أداء في مسيرته، سيمفونية فردية من المهارة والتحدي في مواجهة قوة بدنية هائلة.
لقد خلق فرصاً بشكل منتظم ومذهل. مرر كرة بينية متقنة وضعت رويس في وضع انفراد، لكن تسديدته تصدى لها بيتر تشيك بقدمه الممدودة.
مراوغة رائعة تجاوز بها ثلاثة لاعبين من تشيلسي، لكن تسديدته مرت بجوار القائم بقليل. مهارة فنية رائعة أسقطت راميريز أرضاً، وعرضيته وصلت إلى ليفاندوفسكي داخل منطقة الجزاء، لكن رأسية المهاجم البولندي أبعدها تيري يائساً من على خط المرمى.
باختصار كان يدمرهم. لاعبو تشيلسي الذين بدأوا المباراة بشعور من الغرور والتسامي، أصبحوا الآن يطاردون السراب، ويتزايد إحباطهم مع كل لحظة من تألق ماتيو.
أصبح الجمهور المحلي الذي كان صاخباً جداً في دعمه، مزيجاً من الرهبة والقلق، حيث استُبدلت هتافاتهم "سهل، سهل" بتمتمة عصبية في كل مرة يلمس فيها الصبي ذو القميص الأصفر الكرة.
لكن كرة القدم لعبة قاسية، لعبة لحظات حاسمة، حيث يمكن لشُطبة واحدة من التركيز أن تُضيع تسعين دقيقة من التألق. وفي الدقيقة الثامنة والستين، حانت تلك اللحظة.
كان دورتموند متأخراً بهدف دون رد، نتيجة هدف تشيلسي الذي جاء عكس مجريات اللعب في بداية الشوط الثاني. وكانوا يضغطون بقوة لإدراك التعادل إلا أن نزعتهم الهجومية جعلتهم عرضة للهجمات المرتدة.
استلم ماتيو الذي كان يركض حتى أرهق نفسه تماماً، وجسده مُنهك ومُصاب بكدمات من جراء الاحتكاكات الجسدية المتواصلة، الكرة في وسط الملعب. وللحظة وجيزة، تشتت تركيزه، وتغلب عليه التعب مؤقتاً.
استلم الكرة بلمسة قوية، وفي تلك اللحظة، انقضّ عليه راميريز، وكانت محاولته مزيجاً من اليأس والعدوانية. أُفلتت الكرة من يده، وانطلق تشيلسي فجأة في هجمة مرتدة.