الفصل 214: العهد الشتوي الثاني
أشار إلى اللاعبين بشكل فردي أثناء حديثه.
ماركو، أعلم أنك ستذهب إلى دميه. استمتع بالشمس، لكن لا تنسَ حذاء الجري. روبرت، ستعود إلى بولندا. لا يهمني مدى لذة فطائر البيروجي التي تعدها جدتك، التزم بنظامك الغذائي. ماتس، ستبقى في ألمانيا. استغل وقتك بحكمة. تدرب بذكاء، وليس فقط بجهد كبير.
وقع نظره على ماتيو، وللحظة، التقت عيناهما. ثم قال بصوتٍ خافت: "ماتيو، ستعود إلى برشلونة. أعرف ما يعنيه ذلك لك. استمتع بكل لحظة مع عائلتك. ولكن تذكر، أنت لست مجرد ماتيو بعد الآن. أنت المايسترو. والمايسترو لا يتوقفون عن فنهم."
أومأ ماتيو برأسه، مدركاً مغزى كلمات كلوب. وشعر بنظرات زملائه عليه، وشعر بالمسؤولية التي تأتي مع سمعته ومكانته داخل الفريق.
استأنف كلوب تجواله، وارتفع صوته مرة أخرى. وقال بصوت هامس يحمل قوة أكبر من أعلى صيحاته: "لدينا فرصة لتحقيق شيء مميز هذا الموسم."
لدينا فرصة لصنع التاريخ. ولكن الأمر لن يكون سهلاً. ستكون حرباً. بايرن سيستخدم كل ما لديه ضدنا. شالكه سيسعى لعرقلة مسيرتنا. ليفركوزن سيبحث عن الثأر. كل فريق نواجهه سيخوض مباراة العمر.
توقف للحظة، تاركاً ثقل كلماته يتغلغل في النفس. حيث كانت الغرفة صامتة، ولم يُسمع سوى صوت همهمة نظام التدفئة الخفيفة وضجيج حركة المرور البعيدة من الطريق السريع القريب.
"لكنني أؤمن بكم"، تابع كلوب بصوتٍ يفيض بالمشاعر. "أؤمن بهذا الفريق. أؤمن بفلسفتنا. أؤمن أنه عندما نلعب كرة القدم التي نلعبها، عندما نضغط بقوة، عندما نهاجم بشراسة وندافع بحماس، فإننا لا يمكن إيقافنا."
ابتسم، وفجأةً بدت قبعة قديسا أقل سخافة، وأشبه بتاج ملك. ثم قال بصوتٍ يتردد صداه بحيويةٍ مُعدية: "لكن الآن، فلنستمتع قليلاً!"
صفق بيديه، وانفتحت أبواب غرفة الإحاطة، لتكشف عن طاولة طويلة مليئة بالطعام والشراب.
تضمنت المأدبة حلويات عيد الميلاد الألمانية التقليدية مثل ستولين وليبنكوشن وغلوهوين، بالإضافة إلى تشكيلة من الأطباق العالمية، في إشارة إلى التنوع الثقافي للفريق. وقُدّمت المقبلات الإسبانية (تاباس) للمشاركين الإسبان، ونقانق الكيلباسا البولندية لليفاندوفسكي وبيزتشيك، وأطباق مستوحاة من المطبخ الغابوني لأوباميانغ.
انقضّ اللاعبون، وقد بدت على وجوههم مزيج من الارتياح والعزيمة المتجددة، على الطعام بشهية رجالٍ التزموا بنظام غذائي صارم طوال الأشهر الخمسة الماضية. امتلأت الغرفة مجدداً بأصوات الضحك والحديث، ولكن كان هناك طابع جديد، وإحساس جديد بالهدف.
اقترب رويس من ماتيو، وفي يديه طبق طعام وابتسامة عريضة على وجهه. وقال بلغته الإنجليزية التي تتحسن: "إذن، برشلونة، أليس كذلك؟ هل أنت متحمس للعودة إلى الوطن؟"
أومأ ماتيو برأسه، وأشار بيده رداً على ذلك بينما كان يتحدث بهدوء: "نعم، ولكني متوتر أيضاً. لقد مر وقت طويل."
"ستكون بخير"، طمأنه رويس. "فقط تذكر ما قاله كلوب. أنت الآن المايسترو. وهذا يأتي مع مسؤولية، ولكن أيضاً مع فخر. ستكون عائلتك فخورة جداً بما حققته."
انضم إليهم ليفاندوفسكي، وقد خفّت حدة جديته المعتادة بفعل أجواء الاحتفال. وقال له بلهجته الإنجليزية المميزة: "ماتيو، لقد تطورت كثيراً هذا الموسم. ليس فقط كلاعب، بل كشخص أيضاً. أنت مثال يُحتذى به لجميع اللاعبين الشباب."
كان لكلمات المهاجم البولندي وزنها. فلم يكن ليفاندوفسكي من النوع الذي يكتفي بالمجاملات العابرة، وكان احترامه يُكتسب. لذا كان حديثه الصريح عن تطور ماتيو ذا دلالة كبيرة.
وبينما استمر الاحتفال غير الرسمي، تجوّل كلوب في الغرفة، متحدثاً مع كل لاعب على حدة. وعندما وصل إلى ماتيو، وضع يده بحنان على كتف اللاعب الشاب.
قال كلوب بهدوء: "كما تعلم، عندما وصلت لأول مرة، رأيت فيك إمكانات كبيرة. ولكن ما أصبحت عليه... يفوق كل ما تخيلته. لقد وجدت طريقة لتكون متألقاً دون أن تُستنزف طاقتك. وهذه هي الحكمة يا ماتيو. وهذا هو النضج."
توقف للحظة، وقد ازداد تعبيره جدية. "لكن الجزء الأصعب لم يأتِ بعد. الوصول إلى القمة يعني أن الجميع يتربص بك. كل فريق سيدرسك، وسيحاول إيجاد طرق لإيقافك. يجب أن تكون مستعداً للتطور، والتكيف، وإيجاد طرق جديدة للتأثير على المباريات."
أنصت ماتيو باهتمام شديد، مستوعباً كل كلمة. لقد أدرك أن الأمر لم يكن مجرد حديث تحفيزي، بل كان إعداداً للمعارك المقبلة.
وتابع كلوب قائلاً: "استمتع بوقتك في برشلونة. ولكن تذكر، أنت لست نفس الشاب الذي غادرها. أنت قائد الآن، سواء أدركت ذلك أم لا. ينظر إليك زملاؤك في الفريق كمصدر إلهام. ويرى فيك المشجعون قائدهم. وهذا أمر رائع، ولكنه أيضاً مسؤولية كبيرة."
مع مرور ساعات الظهيرة، بدأ اللاعبون بالانصراف عائدين إلى منازلهم لحزم أمتعتهم استعداداً لعطلاتهم. وخفتت الحركة تدريجياً في ساحة التدريب التي كانت تعج بالنشاط قبل ساعات قليلة.
كان ماتيو من بين آخر المغادرين. جلس في غرفة الاجتماعات الفارغة لبضع دقائق، ينظر إلى جدول ترتيب الدوري الذي ما زال معروضاً على الشاشة. "بوروسيا دورتموند - 42 نقطة". كان مشهداً رائعاً، لكنه أدرك الآن أن هذه مجرد البداية.
عقد عهداً صامتاً مع نفسه، عهداً شتوياً. سيعود إلى منزله، سيرى عائلته، سيريح عقله وجسده. ولكن لن ينسَ. لن يتكاسل. لن يفقد حماسه.
كان يتدرب في فناء دار الأطفال، كما كان يفعل في طفولته. حيث كان يحافظ على لياقته الجسدية ومهارته ودقته. وكان يدرس فيديوهات لبايرن ميونخ واستراتيجيتهم ولاعبيهم ونقاط ضعفهم.
سيعود في يناير أقوى وأكثر لياقة وعزيمة من أي وقت مضى. سيعود مستعداً للحرب.
سيعود بصفته المايسترو، المايسترو المجهول، الفتى الذي غزا العالم. ولكن سيعود أيضاً بصفته ماتيو، فتى شوارع برشلونة، الفتى الذي لم ينسَ أبداً أصله، الفتى الذي ما زال يناضل من أجل أحلامه.
وبينما كان ينهض أخيراً ليغادر، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة حازمة، كان يعلم، بيقين عميق وثابت كحبه للعبة، أن الأفضل لم يأتِ بعد.
لم تكن العطلة الشتوية نهاية المطاف، بل كانت فترة إعداد. وعندما يعودون، سيكونون مستعدين للدفاع عن لقبهم، والنضال من أجل أحلامهم، وكتابة أسمائهم في سجلات تاريخ كرة القدم الألمانية.
تم إبرام الاتفاق الشتوي.