Switch Mode

السيمفونية الصامتة 213

العهد الشتوي الأول


الفصل 213: العهد الشتوي الأول

في صباح اليوم التالي لمباراة هيرتا برلين، كان ملعب تدريب دورتموند مزيجاً غريباً من البهجة الاحتفالية والتركيز الاحترافي.

تجمع اللاعبون، وهم يرتدون ملابس التدريب الشتوية، في غرفة الإحاطة الرئيسية، وكانت وجوههم مزيجاً من الارتياح والرضا ولمحة من ترقب العطلة.

كان الجو مليئاً بضجيج المحادثات الخافتة، والروح الودية السهلة لفريق أنهى للتو النصف الأول من الموسم بنجاح كبير.

كانوا متصدرين للدوري الألماني، متقدمين بثلاث نقاط على بايرن ميونخ المنتفض. كان تقدماً طفيفاً، وموقعاً هشاً على قمة كرة القدم الألمانية، لكنه كان تقدماً على أي حال.

لقد اجتازوا النصف الأول القاسي من الموسم، وهو عبارة عن سلسلة متواصلة من المباريات المحلية والأوروبية، وخرجوا منه منهكين ومصابين، ولكن في القمة.

كانت الإحصائيات مبهرة، بل تكاد لا تُصدق. سبع عشرة مباراة، ثلاثة عشر فوزاً، ثلاثة تعادلات، وهزيمة واحدة. اثنان وأربعون نقطة من أصل واحد وخمسين نقطة ممكنة. أفضل سجل دفاعي في الدوري، حيث لم يستقبل الفريق سوى اثني عشر هدفاً.

حققوا ثاني أفضل سجل هجومي برصيد 38 هدفاً. لم يكونوا فقط في صدارة الترتيب، بل كانوا يضعون معياراً للتميز في كرة القدم الألمانية.

جلس ماتيو في مؤخرة الغرفة، هادئاً ومتأملاً كعادته. كان يحتسي كوباً من الشوكولاتة الساخنة، متعة نادرة، مكافأة صغيرة على عمل أنجزه على أكمل وجه.

شعر بشعور من الرضا، ورضا هادئ كان مختلفاً تماماً عن التقلبات العاطفية التي شهدها خلال الأشهر القليلة الأولى له في ألمانيا.

لم يعد ذلك الصبي الذي كان يحاول فقط البقاء على قيد الحياة، بل أصبح عضواً أساسياً في الفريق، ولاعباً استحق مكانه، وقائداً وجد فرقته الموسيقية.

نظر حوله في الغرفة، متفحصاً وجوه زملائه. كان رويس منغمساً في حديثٍ حماسي مع أوباميانغ، وصدى ضحكاتهما يتردد في أرجاء الغرفة.

جلس ليفاندوفسكي بهدوء، ووجهه مغطى بقناع من التركيز الهادئ، وعقله مركز بالفعل على التحديات التي تنتظره.

كان هوملز، قائد الفريق، يطالع جدول ترتيب الدوري على هاتفه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح التفكير العميق. أما وايدنفيلر، حارس المرمى المخضرم، فكان يروي للاعبين الأصغر سناً قصصاً من بداياته في النادي.

لقد كانت مجموعة متنوعة، مجموعة من الشخصيات والخلفيات التي اجتمعت بطريقة ما لتشكل شيئاً أعظم من مجموع أجزائها.

كان هناك ألمان وبولنديون، إسبان وغابونيون، مخضرمون وشباب، نجوم لامعون ولاعبون عاديون. ولكنهم كانوا متحدين بهدف مشترك، وحلم مشترك، وإيمان بفلسفة الرجل الذي كان على وشك مخاطبتهم.

دخل كلوب الغرفة بخطوات واثقة، وابتسامته المعهودة العريضة تشعّ طاقةً مُعدية. كان يرتدي قبعة بابا نويل، لمسة احتفالية طريفة أثارت موجة من الضحك في أرجاء المكان. كانت القبعة مائلة قليلاً، مما جعله يبدو كقزم مشاغب أكثر من كونه مدرب كرة قدم عالمي الشهرة.

"صباح الخير يا أبطال الخريف!" صاح بصوتٍ جهوريٍّ يتردد صداه في أرجاء الغرفة. "أو كما نقول في ألمانيا، الأعشابتمييستير! أليس لها وقعٌ جميل؟"

هتف اللاعبون، وتعالت صيحاتهم وتصفيقهم. لقد عملوا بجد من أجل هذا، وقاتلوا من أجله، واستحقوه بجدارة. كانوا أفضل فريق في ألمانيا، ولحظة خاطفة، سمحوا لأنفسهم بالاستمتاع بنشوة إنجازهم.

تركهم كلوب يحتفلون للحظات، وعيناه تلمعان بفخر أبوي. لقد أحب هذا الفريق، هذه المجموعة من الإخوة، هذه التشكيلة من اللاعبين غير التقليديين والنجوم الذين اجتمعوا معاً ليصنعوا شيئاً مميزاً. أحب شغفهم، والتزامهم، وإيمانهم الراسخ بفلسفته، برؤيته لكرة القدم الهجومية عالية الكثافة.

لكنه كان أيضاً مستغلاً، واقعياً، رجلاً يدرك أن جودة اللاعب في كرة القدم تُقاس بأدائه في المباراة التالية. ومباراتهم التالية، بعد أسابيع طويلة من الهدوء خلال فترة التوقف الشتوي، ستكون اختباراً قاسياً لجدارتهم باللقب.

رفع يديه، وهي لفتة أسكتت الغرفة على الفور.

كانت قبعة قديس نويل لا تزال على رأسه، لكن الابتسامة اختفت، وحلّت محلها نظرة تركيز شديد وثابت. وقال بصوت منخفض وجاد "استمتعوا بهذه اللحظة. لقد استحققتموها. لقد ناضلتم من أجلها. لقد بذلتم جهداً كبيراً من أجلها. ولكن لا تظنوا للحظة أن المهمة قد انتهت."

أشار إلى جدول ترتيب الدوري، المعروض على الشاشة الكبيرة في مقدمة الغرفة. كان اسم "بوروسيا دورتموند" في الأعلى، مشهدٌ جميلٌ ومهيب. ولكن أسفله مباشرةً، بفارق ثلاث نقاط كان اسم "بايرن ميونخ".

قال كلوب بصوتٍ خفيضٍ غاضب "إنهم يتحسنون. بيب عبقري، مجنون، لكنه عبقري. إنه يبني فريقاً جباراً في ميونخ، فريقاً لن يكرر الأخطاء التي ارتكبها في النصف الأول من الموسم. سيكونون أقوى، وأذكى، وأكثر تعطشاً للفوز. وسيأتون إلينا".

ضغط على جهاز التحكم، فتغيرت الشاشة لتعرض نتائج بايرن ميونخ الأخيرة. أربعة انتصارات متتالية، ستة عشر هدفاً مسجلاً، وهدفان فقط في مرماه. كانت الأرقام تنذر بالسوء، تذكيراً صارخاً بجودة وقوة منافسيهم.

"انظروا إلى هذه الأرقام" تابع كلوب بصوتٍ يعلوه الحماس. "لقد وجدوا إيقاعهم. غوارديولا نجح أخيراً في جعل لاعبيه يفهمون أسلوبه. روبن عاد إلى أفضل مستوياته. ريبيري يُحدث فوضى عارمة على الجهة اليسرى. مولر يُسجل الأهداف بسهولة. أما نوير... نوير يلعب وكأنه في حالة ذهول."

ترك الكلمات تتردد في الهواء، جرعة باردة وقاسية من الواقع وسط أجواء الغرفة الدافئة والاحتفالية. اللاعبون الذين كانوا يضحكون ويمزحون قبل لحظات، صمتوا الآن، وارتسمت على وجوههم ملامح تصميم صارم.

"العطلة الشتوية ليست إجازة" تابع كلوب بصوتٍ يملؤه الحماس. "إنها استراحة قصيرة. إنها فرصة للتزود بالطاقة، وإعادة شحن طاقتك، وإصلاح ما أفسدته. ولكنها ليست وقتاً للراحة والكسل. وليست وقتاً للتكاسل. وليست وقتاً لنسيان من أنت وما الذي تناضل من أجله."

كان يذرع جيئة وذهاباً أمام الشاشة، وطاقته تملأ الغرفة، وكلماته بمثابة دعوة للتحرك.

"أريدكم أن تعودوا إلى دياركم. أريدكم أن تروا عائلاتكم. أريدكم أن تأكلوا طعاماً شهياً، وتشربوا نبيذاً فاخراً، وتستمتعوا بثمار عملكم. ولكنني أريدكم أيضاً أن تتذكروا هذا الشعور، شعور التفوق، شعور أن تكونوا الأفضل. وأريدكم أن تعودوا في يناير أكثر جوعاً ولياقة وعزيمة من أي وقت مضى."

توقف عن التململ ونظر مباشرة إلى لاعبيه، وعيناه تشتعلان بشدة وثبات.

"لدينا معسكر تدريبي في ماربيا من 3 إلى 10 يناير. أتوقع منكم جميعاً الوصول في حالة بدنية ممتازة. ليس حالة جيدة، بل حالة ممتازة. أريدكم أن تحافظوا على لياقتكم الجسدية، وحضوركم الذهني، وشغفكم بالتدريب."



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط