الفصل 201: ضد نابولي في دوري أبطال أوروبا
كان هدير ملعب وستفالن آخر ما سجله ماتيو ألفاريز قبل أن ينحصر العالم في المساحة الخضراء الشاسعة للملعب.
لقد أدى نشيد دوري أبطال أوروبا مهمته بالفعل، حيث جرد الصبي من آخر آثاره ولم يترك سوى اللاعب، رقم 19، جاهزاً للمعركة الحاسمة ضد نابولي.
في اللحظة التي لامست فيها قدم ليفاندوفسكي الكرة في بداية المباراة، أصبح الضجيج جواً متواصلاً وعالي الضغط، وهو شرط ضروري لوجود اللعبة.
كانت الدقائق الأولى عبارة عن وميض من اللونين الأصفر والأزرق، أشبه بلعبة شطرنج محمومة وعالية المخاطر، تُلعَب بسرعة البرق. وكما كان متوقعاً، ضغط دورتموند بقوة، وشكّلت خطوطه موجة خانقة مصممة لإجبار الخصم على ارتكاب خطأ مبكر.
لكن نابولي، بقيادة رافا بينيتيز كان ينتظرهم مفاجأة. لم يذعروا. فبدلاً من تشتيت الكرة لمسافات طويلة، لعبوا تمريرات حادة ومتقنة عبر الضغط، في تحدٍّ خطير وجميل أجبر خط وسط دورتموند على التراجع.
كان ماتيو، المتمركز في عمق خط الوسط، بمثابة الركيزة الأساسية، والعين في خضم العاصفة. حيث كان نظامه الداخلي يعمل بأقصى كفاءة، ويحلل أنماط اللعب المتغيرة.
التعرف على الأنماط: دوران مثلث خط وسط نابولي.
مستوى التهديد: مرتفع. استراتيجية الضغط المضاد: تعديل الزاوية بمقدار 5 درجات.
لم يكن بحاجة إلى الكلام، وكان تغيير طفيف في وزن جسده، وإيماءة خفيفة بيده اليسرى، كافياً لتعديل زاوية انطلاق سفين بيندر، وإغلاق ممر التمرير تماماً عندما نظر لاعب خط وسط نابولي للأعلى.
كانت لمسته الأولى لحظة من التألق الجريء الخالص. فبعد أن تلقى تمريرة قوية من الدفاع تم إغلاقه على الفور من قبل لاعبين يرتديان القميص الأزرق.
بدلاً من حماية الكرة أو تمريرها للخلف، تركها تتدحرج أمام جسده، وتحرك وركاه بحركة انسيابية بدت وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء، تاركاً المدافعين في حالة من الذهول. أصبحت الكرة الآن على قدمه اليسرى، وانطلق مسرعاً إلى المساحة التي أخلاها المدافعان.
انتشرت صيحة إعجاب جماعية طويلة عبر الجدار الأصفر، صوتٌ يعكس متعة خالصة لرؤية المايسترو ذي الستة عشر عاماً وهو يعزف. حيث كان صوت حشد يُدرك عبقريته، شهقة إعجاب جماعية لا إرادية.
لكنّ الفرحة لم تدم طويلاً. حيث كانت خطة نابولي التكتيكية واضحة: إيقاف ماتيو بأي ثمن. وبينما كان يستعد لتمرير كرة بيينا، وصل مدافع، هو جوكهان إينلر الضخم، متأخراً وبقوة، فخدشت مساميره ساق ماتيو.
سقط ماتيو أرضاً، وانقطع نفسه، وتغلب الألم الحاد والفوري مؤقتاً على التغذية التحليلية للنظام.
سرعان ما تحولت صيحات الجمهور إلى هدير غضب موحد. و لكن الحكم اكتفى بإشهار البطاقة الصفراء، وهو قرار شعر به 80 ألف متفرج كظلم بيّن.
قبل أن يتمكن ماتيو من النهوض، ظهر وميض أصفر وأسود. حيث كان ماركو رويس، بوجهٍ يعكس غضباً بارداً، يقف أمام الحكم مباشرةً، يتحدث الألمانية بحدةٍ وحزم. لم يلمس الحكم، لكن وجوده كان بمثابة درعٍ بشري، وإعلان حرب.
ثم التفت إلى إنلر، وعيناه تشتعلان، ووجّه إليه تحذيراً بنبرة منخفضة وخطيرة لا تحتاج إلى ترجمة. فلم يكن رويس مجرد زميل في الفريق، بل كان حامياً، أخاً أكبر يحمي تلميذه الأصغر الصامت.
نهض ماتيو بصعوبة، متجاهلاً الألم النابض في ساقه. وقد سجل النظام الحادثة بالفعل.
بروتوكول الاستهداف: نشط.
الإجهاد المادي: مرتفع. التركيز الذهني: 95%.
التقت عيناه بعيني رويس، فأومأ برأسه إيماءة خفيفة متوترة، شكراً صامتاً ووعداً بالاستمرار. ثم نظر إلى إنلر، وعيناه الداكنتان تحملان تحدياً بليغاً دون أن ينطق بكلمة.
غيّر الخطأ مجرى المباراة. نابولي، وقد تشجع بتساهل الحكم ونجاحه في استهداف لاعب ارتكاز دورتموند بدنياً، ضغط بقوة. تحولت المباراة إلى صراع شرس ومضنٍ في وسط الملعب، صراع إرادات حيث كان كل تمريرة محل نزاع، وكل مواجهة بمثابة معركة.
كان ماتيو تحت المراقبة الدائمة، والمساحة التي كان يتوق إليها تتقلص مع كل دقيقة. حيث كان يسمع صيحات لاعبي نابولي، وأوامرهم الإيطالية وسخريتهم، والتي كان النظام يعالجها فوراً، مانحاً إياه جزءاً من الثانية من الإنذار قبل وصول التدخل. راوغ، وتلاعب، ومرر الكرة، لكن الإيقاع انقطع.
ثم جاءت لحظة الصمت.
في الدقيقة الرابعة والعشرين، شنّ فريق دورتموند هجمة مرتدة سريعة وقوية تفاجأت دفاعه. وصلت عرضية من الجناح الأيمن إلى غونزالو هيغواين غير المراقب داخل منطقة الجزاء. حيث كانت رأسيته قوية ودقيقة ولا يمكن صدها، فاهتزت الشباك.
قبل لحظات من انطلاق صخب الجماهير، خيّم صمتٌ مطبقٌ ومرعبٌ على ملعب وستفالن. حيث كان صمتاً عميقاً لدرجة أنه بدا وكأنه فراغٌ ماديٌّ يسحب الهواء والأمل من الملعب. لم يُسمع سوى هديرٍ بعيدٍ ومُبهجٍ لمجموعةٍ صغيرةٍ من مشجعي نابولي.
1-0
وقف ماتيو في منتصف الدائرة، وصدره يرتفع وينخفض. سجل النظام هذا التغيير:
الحالة العاطفية: خيبة أمل (الفريق).
الأهمية: حرجة.
كان يعلم أن الفريق يعاني من صدمة، وأن ثقتهم قد اهتزت للحظات. لم يستطع الصراخ، ولم يستطع إلقاء خطاب حماسي. حيث كان عليه أن يتواصل معهم بشكل فوري، ومباشر، ولا يمكن إنكاره.
صفق بيديه مرة واحدة، فسمع صوتاً حاداً مدوياً اخترق الصمت. ثم أشار، في حركة سريعة وحاسمة، أولاً إلى الدفاع، مطالباً إياهم بالتقدم، ثم إلى خط الوسط، حثهم على سد الثغرات. التقت عيناه، الحادتان المتقدتان، بعيني نوري شاهين، لاعب الوسط المخضرم الذي فهم الرسالة على الفور: لا داعي للذعر. استأنفوا الضغط. والآن.
أظهر ليفاندوفسكي الذي عادة ما يكون مثالاً للتركيز الهادئ، ومضة من الإحباط الشديد، حيث ركل العشب قبل أن يلتفت إلى الفريق.
اخترق صوته، الحادّ والعميق، التوتر. فلم يكن بحاجة للنظر إلى ماتيو، فقد كان يعلم أن الصبيّ قد حدّد الإيقاع بالفعل.
كانت أوامر ليفاندوفسكي الشفهية صدىً لأوامر ماتيو الصامتة، موجهاً الظهيرين ومطالباً بمزيد من الهجوم من الأطراف. شكّل هذا الثنائي شراكة مثالية: صوت المخضرم وبرؤية العبقري، يعملان معاً لحشد الفريق.
بدأ الجمهور، مستشعراً تغير لغة جسد الفريق، بالتحرك. حلّ محل الصمت همهمة خافتة قلقة، موجة متصاعدة من السخط والإحباط، موجهة لا نحو الفريق، بل نحو الموقف. حيث كانوا بحاجة إلى شرارة، لحظة سحرية لإعادة إشعال جذوة الحماس.