Switch Mode

السيمفونية الصامتة 200

قشعريرة النشيد الوطني


الفصل 200: قشعريرة النشيد الوطني

خرج ماتيو إلى أرضية الملعب الخضراء المثالية، فامتلأ أنفه برائحة العشب المقطوع حديثاً والتربة الرطبة. كانت رائحة تنم عن عناية فائقة، عن ساحة معركة مُجهزة لمعركة حاسمة وكبيرة.

رفع بصره نحو الجدار الأصفر، ولحظة، مال العالم من حوله. فلم يكن مجرد منصة عرض، بل كان بحراً من اللون الأصفر، نصباً تذكارياً حياً ينبض بالحياة بالعاطفة.

الأعلام، والرايات، والوجوه، جميعهم كانوا يركزون عليها في هذه اللحظة، على هذه المباراة، كيان واحد موحد يطالب بأداء يليق بتفانيهم.

اتخذ موقعه، واقفاً بجوار دائرة المنتصف بينما اصطف الفريقان. وشعر بصلابة ومرونة العشب تحت قدميه، أساساً مثالياً للحركات التي كانت على وشك القيام بها. أغمض عينيه للحظة وجيزة، مركزاً نفسه.

قدّم النظام تحليلاً نهائياً هادئاً، وكان صوته بمثابة نقيض بارد وثابت للفوضى الخارجية:

"الفوضى الخارجية: شديدة. الحالة الداخلية: هادئة. الشخص هو عين العاصفة. الإحساس بالوضع: 99.9% (مستقر). الكفاءة العصبية العضلية: 99.8% (مثالية)." أكدت الأرقام ما كان جسده يعرفه بالفعل: لقد كان كاملاً، وكان مستعداً، ولم يعد النمو بمقدار خمسة سنتيمترات مصدر إلهاء بل سلاحاً متكاملاً تماماً.

ثم خفتت الأضواء.

خيم صمت مفاجئ على الملعب الذي كان يعج بالضجيج، صمتٌ يملؤه الترقب. فلم يكن الصمت فارغاً، بل كان ثقيلاً، يحمل في طياته ثقل التاريخ ووعد المستقبل.

كان الصوت الوحيد هو دويّ طبلة دوري أبطال أوروبا العميق والرنان، كنبض قلب يتردد في أرجاء الملعب. صوت المعلق الذي كان بمثابة صوت خافت بعيد قادم من النفق، ابتلعه الصمت تماماً، ولم يبقَ سوى صوت اللحظة الصافي.

فتح ماتيو عينيه.

بدأت النغمات المألوفة العالية. نشيد دوري أبطال أوروبا.

لقد سمعها عشرات المرات في غرفة الملابس، وفي الحافلة، وعلى التلفاز، وقبل المباريات السابقة التي خاضها. ولكن الليلة لم تكن الموسيقى مجرد عزف، بل كانت تُحسّ. كانت قوة مادية، موجة صوتية بدت وكأنها لا تنبع من مكبرات الصوت، بل من أعماق الأرض.

إن خصائص الصوت في الملعب، والحجم الهائل للحشد الذي يحبس أنفاسه، وجدية اللحظة، كلها عوامل تضافرت لجعل النشيد الوطني يبدو أكثر وضوحاً، وأكثر مهابة، وأكثر جمالاً ورعباً من أي وقت مضى.

كانت الموسيقى نسيجاً منسوجاً من تاريخ الرياضة، صوتاً يحمل أصداء تسديدة زيدان، وعبقرية أنسي، وهدير ألف صافرة ختامية. كان صوت القمة، ذروة كرة القدم للأندية.

ارتفعت النغمات، وتصاعدت حدة الصوت، وشعر ماتيو بموجة من القشعريرة تسري في جسده، وهو مظهر مادي للرعب والفرح السامي في تلك اللحظة.

تشنج جلد ذراعيه، وانتصبت الشعيرات الدقيقة، في تحية صامتة لا إرادية لقوة الموسيقى.

كانت الموسيقى بمثابة وعد، وتحدٍّ، ودرس تاريخي في بضعة مقاطع موسيقية قصيرة. وقد تحدثت عن أعظم الليالي، وأعظم اللاعبين، وأعظم الأهداف. وفي هذه الليلة لم يكن مجرد متفرج بل كان جزءاً من الحدث. كان هو المقطع التالي.

نظر عبر الملعب إلى لاعبي نابولي، ووجوههم تضيءها الأضواء الكاشفة. كانوا أساطير، محاربين، رجالاً استحقوا مكانتهم تحت هذا النشيد. ولكنهم الليلة كانوا العقبة، الاختبار الأخير قبل مجد الأدوار الإقصائية.

بدأ المقطع الختامي المنتصر، وبلغت الموسيقى ذروتها، وتلألأت أضواء الملعب متناغمة مع الإيقاع. وبدأ "الجدار الأصفر" الذي حبس أنفاسه طوال مدة النشيد، بالتحرك، وتصاعدت همهمة خافتة مكتومة في حنجرته الجماعية.

انتهى النشيد الوطني بنهاية مدوية ومؤثرة.

انفجر الملعب.

لم يعد هدير الجدار الأصفر مجرد صوت بل كان تحرراً مادياً، صرخة دعم بدائية هزت أركان الأرض.

كان الضجيج هائلاً، طاغياً، لدرجة أنه بدا وكأن سقف الملعب قد اقتلع وتسرب الصوت مباشرةً إلى ليل ألمانيا البارد. تغير ضغط الهواء، وشعر اللاعبون بقوة ملموسة تدفعهم.

وقف كلوب على خط التماس، وصفق صفقة أخيرة حادة، وكان وجهه مزيجاً من التركيز الشديد والفرح الخالص غير المشوب.

أطلق الحكم صافرته.

بدأت المباراة.

وقف روبرت ليفاندوفسكي، بملامح وجهه التي تعكس تركيزاً قاتلاً، فوق الكرة. كان ماتيو متمركزاً على بُعد أمتار قليلة خلفه. أطلق الحكم صافرته وانطلقت المباراة. مرر ليفاندوفسكي الكرة للأمام بقدم واحدة دقيقة.

ماتيو، بذهن صافٍ تماماً وجسدٍ متقن، لمس الكرة أولاً. كانت الكرة بين قدميه، ودائرة المنتصف جزيرة صغيرة من الهدوء وسط بحر من الفوضى. رفع رأسه، فرأى المساحة، وبحركة واحدة حاسمة، مرر الكرة للأمام. كانت التمريرة دقيقة ومتقنة، واخترقت خط الوسط بدقة الليزر.

بدأ المايسترو عرضه، ولم يكن العالم مستعداً، ولا نابولي أيضاً.

لم يجلس لوكاس الذي كان في أعلى المدرجات. راقب الكرة وهي تغادر قدم ماتيو تمريرة مثالية وهادفة اخترقت خط الوسط.

كانت تلك اللمسة الأولى في المباراة، وكانت بمثابة إعلان. "لقد عاد!" فكر لوكاس، وشعر بموجة من الارتياح تغمره. ثم ضغطت سارة على ذراعه، وعيناها تلمعان فخراً. كانا يعلمان، بيقين تام، أن المايسترو سيقود الليلة إلى تحفة فنية.

تابع كلاوس انطلاق المباراة على الشاشة، وصوت المعلق أصبح همهمة خافتة في الخلفية. رأى لمسة ماتيو الأولى، تلك الحركة النظيفة والحاسمة. تشكلت ابتسامة عميقة راضية. ثم التفت إلى أصدقائه وعائلته، رافعاً قدح البيرة.

"إلى المايسترو" قالها وهو يحدق في شاشة التلفزيون. "وإلى دورتموند".

***

شكراً لكم على دعمكم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط