قَبِلَ "مو هوا " المهمة ، بيدَ أنه لم يستطع مغادرة حدود ولاية "تشيان شي " فأسند العهدة إلى "تشنج مو " ليتولى قيادة الفريق. ومع ذلك لم يُفصح "مو هوا " عن فحوى تلك المهمة وتفاصيلها ، ولم يفعل ذلك إلا في الليلة التي سبقت شد الرحال ؛ حيث جمع الجميع وأفاض في ذكر بعض الاحتياطات المتعلقة بها.
قال "مو هوا " "تقتضي هذه المهمة مؤازرة البلاط الداوى في استئصال شأفة أعداد غفيرة من ممارسي الشياطين في مدينة تشنج بينغ! "
أعداد غفيرة من ممارسي الشياطين!
ما إن وقعت هذه الكلمات على مسامعهم حتى قشعرّت أبدانهم واستبد بهم الوجل. و لقد كان الأمر جللاً حقاً ، ولا عجب أنها رُصدت لها نقاط جدارة بهذا السخاء. لم يستطع التلاميذ كبح جماح توترهم ، لكنهم في الوقت ذاته لم يفلحوا في إخفاء جذوة الحماس المتقدة في صدورهم. فبالرغم من انحدارهم من صلب عائلات نبيلة ، وحداثة سنهم التي لم تصقلها تجارب الدنيا بعد إلا أنهم كرسوا حياتهم لممارساتهم الروحية دون أن ينغمسوا في غياهب المصالح العائلية ، وقد استقر في سويداء قلوبهم طموحٌ نبيذ مفاده "استلال السيوف في وجه المنكر ، وتطهير العالم من دنس الشياطين والشرور ".
وبما أن رياح العدالة كانت تملأ أشرعة قلوبهم ، فقد جُبلوا على النفور من الشياطين المارقة. وفي مهماتهم السحيقة ، صادفوا بعض الممارسين الأشرار ، لكن أولئك المارقين -بموروثاتهم الوضيعة- لم يكونوا سوى حثالة لم يسببوا إلا قلاقل طفيفة. أما الآن ، فهم يقفون وجهاً لوجه أمام "أعداد غفيرة من ممارسي الشياطين ".
استطرد "مو هوا " قائلاً "ثمة أمر جوهري يجب نقشه في أذهانكم خلال عملية الإبادة هذه وهو… "
قاطعه "تشنج مو " متسائلاً "استئصال الشر من عروقه ؟ "
فرد "مو هوا " بحزم "كلا ، بل الحفاظ على أرواحكم! "
بُهت التلاميذ جميعاً وداخلهم العجب. و قال "مو هوا " بملامح تكتسي بالوقار "لا تستهينوا بممارسي الشياطين! فهم خبثاء ومهرة في الغدر ، لكنهم ليسوا بالحمقى. حتى لو لم يضارعوكم ذكاءً أو موهبة ، فإن لديهم باعاً طويلاً وخبرة عريضة في فنون الممارسة ، وهم قوم لا يتورعون عن فعل أي نقيصة لتحقيق مآربهم ، وطباعهم وضيعة تخلو من أدنى شيم المروءة… "
وأضاف محذراً "حين تصطدمون بهم ، فإن غفلة عين واحدة قد تجعلكم تتجرعون مرارة الخسارة الفادحة ، بل قد توردكم موارد الهلكة! "
ثم تنهد "مو هوا " وأردف "بينما يُعد استئصال الشر فضيلة ، فعليكم تقدير الموقف والعمل على قدر استطاعتكم. أريدكم أن تغنموا الجدارة ، لا أن تفقدوا حياتكم. فإذا أصابكم مكروه ، سيلومني شيوخ الطائفة أشد اللوم ، ولن أتمكن من توكيلكم بأي مهام من البلاط الداوى في قابل الأيام… "
أومأ التلاميذ برؤوسهم مؤكدين وقالوا "الأخ الأكبر مراعٍ ولبيب حقاً ". وشعروا بدفء يغمر شغاف قلوبهم.
وخلص "مو هوا " إلى القول "بناءً على ذلك عندما تباشرون العمل ، تكاتفوا في مجموعات خماسية ، وتعهدوا بعضكم البعض بالرعاية والدعم ، وليكن البقاء على قيد الحياة غايتكم الأولى. اتركوا المواجهة المباشرة مع ممارسي الشياطين لرجال البلاط الداوى ، فأنتم لستم مسؤولين إلا عن الدعم من الأطراف ، والتعامل مع من يشرد عن الشباك منهم. تذكروا ؛ لا تطلبوا المجد الزائف ، ولا تتهوروا ، ولا تترددوا في الانسحاب إن لزم الأمر ، وتجنبوا الأعداء الأقوياء ، ولا تلاحقوا طريدة يائسة حتى النهاية. أريد أن يذهب الجميع بسلام ويعودوا بسلام. "
تنهد "مو هوا " مرة أخرى قائلاً "إذا حدث لكم أي سوء ، فسيصب شيوخ الطائفة جام غضبهم عليّ ، ولن يكون بمقدوري إشراككم في أي مهمة من مهام البلاط الداوى مستقبلاً… "
عند سماع ذلك سارع التلاميذ بتقديم عهودهم مع أداء التحية العسكرية "سنكون حذرين في كل خطوة نخطوها ، فكن مطمئن البال يا أخي الأصغر! "
أومأ "مو هوا " برأسه ، ثم أسدى إليهم النصح في شؤون بدت يسيرة لكنها جوهرية ، مثل "استصحاب أدواتكم الروحية الوقائية ، وارتداء دروعكم وأرديتكم الداو بإحكام ، وحمل ما يكفي من الحبوب الطبية للشفاء وإسعاف الأنفس… " وما إلى ذلك.
وبعد الانتهاء ، وتحت جنح الظلام ، قاد "تشنج مو " الفريق المكون من خمسين فرداً وشرعوا في رحلتهم. وقف "مو هوا " عند بوابة الجبل يلوح لهم بيده مودعاً ، يرقب خيالهم وهو يغيب في الأفق البعيد. حيث كان القمر في كبد السماء ساطعاً والنجوم من حوله متناثرة ، بينما اكتست الجبال بألوان داكنة يكتنفها الغموض ، وغرق جبل "تايشو " في ليل بهيم. سلك تلاميذ "تايشو " مسار الجبل الملتوي ، مغادرين بوابة الطائفة ، في أول عملية واسعة النطاق لهم ضد ممارسي الشياطين.
أطلق "مو هوا " تنهيدة خافتة ، والقلق يعتمل في صدره. حيث تملكه التساؤل عما إذا كانت هذه المهمة إلى مدينة "تشنج بينغ " الرامية لإبادة أولئك الذين أضمروا السوء لطائفتهم ، ستمر بسلام. ولكن مع إشراف العم "غو " على العمليات ، فلا يُفترض وقوع معضلات كبرى. و علاوة على ذلك كان "مو هوا " قد أجرى حساباته بالفعل ؛ وبالرغم من أن أسلوبه في الحساب ما زال غضاً ولم يبلغ حد النضج للتنبؤ بوضوح بالعلل والنتائج إلا أنه على الأقل لم يشعر بأي نذير شؤم يجعل قلبه يرتجف هلعاً. لذا بدا أن هذه الحملة لن تكون محفوفة بمخاطر جسيمة.
تنفس "مو هوا " الصعداء قليلاً. فعلى أية حال لم يكن بمقدوره تجاوز حدود الولاية ، وما عليه إلا انتظار عودة "تشنج مو " والرفاق بالأخبار ، ولا جدوى من إرهاق الفكر بالقلق. و كما أن لديه شؤوناً أخرى تستدعي اهتمامه.
فخلال فترة استراحة "مو هوا " أرسل له السيد "غو " درعاً كاملاً ، صُنع خصيصاً وفقاً لمتطلبات "مو هوا " وبما يتوافق مع تشكيل مصدر العناصر الخمسة. حيث أطلق عليه "مو هوا " اسماً "درع مصدر العناصر الخمسة ".
إن المصفوفات التي تعزز العناصر الخمسة ، مثل "التشكيل النهائي " نادرة الوجود إلى أبعد الحدود ، والأدوات الروحية التي يمكن أن تتوافق معها عزيزة المنال وتفتقر إلى نماذج سابقة يُحتذى بها. لذا لم يكن أمام "مو هوا " إلا أن يتقدم وئيداً ، كمن يتلمس خطاه عبر النهر بحذر ، مجرباً صقل الدرع بناءً على فهمه للتشكيل ومستأنساً بمقترحات السيد "غو " في فن صقل الأدوات. حيث كانت هذه النسخة هي الأولى من "درع المصدر " ولم يقطع "مو هوا " يقيناً بمدى صلاحيتها للاستخدام ، إذ كان يدرك أنها ستتطلب اختباراً وتمحيصاً وتطويراً مستمراً ، وهذا ما كان يتوقعه تماماً.
ومع توفر شيء من وقت الفراغ ، شرع "مو هوا " في اختبار كفاءة هذا الدرع. و بدأ برسم "تشكيل مصدر نار العناصر الخمسة " داخل الدرع ، ثم استأجر "غرفة داو " لاختبار سطوة التعويذة وقوتها.
داخل غرفة الداو ، بدا "مو هوا " وهو يرتدي الدرع الذي يفوق حجمه بكثير ، مضحكاً إلى حد ما رغم ملامحه الرصينة. فلم يكن لديه خيار آخر ، فقد صُنع الدرع لبنية رجل بالغ ، فكان لزاماً أن يبدو فضفاضاً عليه. ولكن بما أن المكان كان مغلقاً ولن يراه أحد ، فقد استصغر هذا الأمر.
مرتدياً الدرع ، شرع "مو هوا " في إطلاق "تقنية كرة النار " على دمية تجارب في الجانب الآخر من الغرفة. انبثق وميض أحمر من الدرع غلف جسد "مو هوا " وبحركة سريعة من إصبعه ، انطلقت كرة نارية ترسم خطاً ملتهباً في الهواء حتى ارتطمت بدمية التجارب. دوى انفجار أعقبه اشتعال للنيران ، وتفحمت الدمية بفعل القوة الروحية لعنصر النار ، لكنها سرعان ما عادت لحالتها الأولى بفعل تأثير المصفوفات المنقوشة عليها.
لم تكن تقنية كرة النار ضعيفة ، لكن "مو هوا " قطب حاجبيه وبدت عليه علامات الحيرة.
تمتم قائلاً "ثمة خطأ ما… "
لقد كان الدرع عديم الجدوى.
خلع الدرع مرة أخرى ، وشرع في تفكيك أجزائه وفحص التشكيل بدقة متناهية. حيث كان "مو هوا " يحفظ عن ظهر قلب "تشكيل مصدر نار العناصر الخمسة " من الدرجة الأولى ذي الأنماط الثلاثة عشر ؛ فكل خط وكل نقش كان في مكانه الصحيح وبدقة فائقة لا تشوبها شائبة.